يوم سرّحتُ سيادة اللواء


” أيهم نور الدين “

كان العقيد محمد ( أبو رياض ) مدير منطقة جبلة في الثمانينيات , وكان ابنه رياض صديقي نتيجة زمالتنا في المدرسة إضافة لقرب بيته النسبي الكائن في البريد القديم إلى بيتنا أيام كنا نقطن في حارة التنابل .

جال أهل رياض كل أراضي الجمهورية – كعادة ضباط الشرطة – قبل أن يستقر الأب ومعه عائلته في مدينة جبلة كمدير لمنطقتها .

رياض الخلوق حقاً , والمحب لصداقة الفقراء والجلوس معهم كان شخصاً رائعاً وكنت أحبه بغض النظر عن أبيه الصارم العصبي , وأمه المغرورة .

كان رياض معجباً بشخصيتي لدرجة أنه كان يندب حظه لأنه لم يولد في أسرة فقيرة مغمورة كأسرتي حيث يمكن له أن يفعل كل ما يريده ضارباً بكل البروتوكولات الاجتماعية عرض الحائط دون حسيب أو رقيب .

كان يحسدني حتى على بيع الترمس والفول للأولاد بعد العصر , بل إنه كان يقف معي على البسطة ليساعدني بالبيع , وفي إحدى المرات لم أنقع الفول مبكراً بحيث كان يتعذر نضوجه وكنت محتاجاً للمال , فأخرجت من القبو الصغير للمنزل كل قطارميز اللفت والمخلل منتهية الصلاحية لأبيعهم على البسطة .

وقف رياض بقربي وبدأ يساعدني ببيع اللفت والمخلل للأولاد, وخلال نصف ساعة لم يبق شيئاً لنبيعه , ولكن بعد ساعة أصيب كل زبائننا بالإسهال الشديد .

قاسم النحيل ضعيف البنية كان الأكثر إسهالا , والده المؤذي عوضاً عن أخذ ابنه للرعاية ذهب إلى الشرطة ليشتكينا , وعندما جاء الشرطي وعرف أن البائع هو ابن مدير المنطقة فر لا يلوي على شيء وهو يشتم قاسماً ويحمّل أباه مسؤولية إسهال الصبي .

تلفلف الموضوع بالطبع , لكن العقيد محمد منع ابنه من التواصل معي , حتى إنه نقل ابنه من شعبتي بالمدرسة إلى الشعبة الرابعة , كما طردني ومنعني من زيارة بيتهم مهما كانت الأسباب .

فترت علاقتي برياض بالطبع , ومع ذلك كنا نتواصل لماماً في المدرسة عند الفرصة .
..

بعد أقل من سنة جاء ترفيع العقيد إلى رتبة العميد وتعيينه مديراً لإدارة مرور إحدى المحافظات المهمة فانتقلت العائلة إلى هناك , لكن حبهم لجبلة بقي هو هو , فضغطوا على الأب لشراء بيت في جبلة .

كانت ضاحية المشفى في نهاية بنائها , فاشترى الأب من الرشاوى التي تلقاها بيتاً فيها يطل على البحر , واعتبرته العائلة شاليهاً لقضاء العطلات.

وهكذا عادت علاقتي برياض نوعاً ما , خصوصاً وأن الأب العصبي نسي قصة إسهال الصبيان .
..

كان الأب صارماً وفوقياً حتى في قبضه للرشاوى معتمداً مبدأ ” حسنة لله وأنا سيدك ” , وبالتالي ازداد كارهوه وبدؤوا بتنجير الخوازيق له , لكن وزير الداخلية الذي يقاسمه الغلة كما يبدو بقي على دعمه له فاستمر في منصبه إلى اليوم الذي جاء ترفيعه إلى رتبة اللواء وتعيينه قائداً للشرطة في إحدى محافظات الشرق البعيد .

..
استلم اللواء سيارة بويك أمريكية حديثة لتنقلاته إضافة لعدة سيارات أخرى للموكب الرسمي والمهمات , وتم منحه إجازة أسبوعين كحلوان من القيادة على الترفيع , فقررت العائلة قضاءها في جبلة وليتها لم تفعل .

.
تزامنت إجازة العائلة مع الفترة التي قررت بها العمل في التهريب , ولما فشلت فشلاً ذريعاً بتهريب الدخان من القرداحة فقد قررت الاتجاه جنوباً نحو لبنان كغيري من أبناء البلدة لأجرب حظي من هناك , وبدأت أدرس السبل الممكنة لتحقيق الفكرة .
يومها بالذات جاءني رياض لزيارتي بسيارة أبيه الرسمية الفخمة .

نظرت إلى السيارة البيضاء التي تقف كبجعة عند مدخل الحارة بلوحاتها الرسمية الخضراء وأنا أصفر إعجاباً , ثم سألت رياض عن كيفية موافقة أبيه لأخذه السيارة فأجاب : بابا نايم وأنا سرقت المفاتيح .

لا أدري كيف طرأ ببالي على الفور استعمال السيارة الرسمية للتهريب , وخلال خمس دقائق شرحت لرياض فوائد الأمر , خصوصاً وأن معبر العريضة الحدودي لا يبعد عنا أكثر من ساعة بمثل هذه السيارة , وساعة مثلها بالعودة , وأقل من نصف ساعة للتبضع من هناك , وسألته إن كان لديه مالاً فأجاب : معي 5000 ليرة

كان هذا المبلغ الخرافي أكبر من أقصى أحلامي .

– شو ناطرين لكن , قلتها وأنا أدفعه دفعاً باتجاه السيارة .

انطلقنا على الأوتستراد باتجاه الحدود اللبنانية بسرعة 180 , وخلال أقل من ثلاثة أرباع الساعة كنا قرب النهر الحدودي الفاصل .

كانت المنطقة مليئة بالدكاكين العشوائية التي تحوي كل أنواع البضائع من الإبرة للكلاشنيكوف والأسلحة المتوسطة .

خاف رياض من تهريب الدخان كي لا يشمس أبيه , لكن منظر السيارة الحكومية الفخمة كان مثيراً للانتباه , فالمنطقة مليئة بسيارات أفخم , لكنها جميعاً بدون لوحات أو بلوحات مدنية للتمويه بحيث بدت سيارتنا كالعين العوراء بين العميان .

لا أدري من هو ابن الحلال الذي نصحنا بشراء أوراق اللعب ( الشدة ) بحجة أن تهريبها نادر مع أنها مطلوبة جداً للمقاهي .

وهكذا اشترينا بكل ما معنا أوراق لعب .. ألفان ومئتا شدة تجاوز وزنها الربع طن اشتريناها بالخمسة الآف ليرة التي معنا ووضعناها بصندوق البكاج والمقعد الخلفي للسيارة لننطلق عائدين .

نامت السيارة إلى الخلف لفرط الوزن ثم سمعنا صوت تكسر في المحور عند أول مطب .

بدأت السيارة تعرج فاقدةً تناسقها الهندسي نتيجة انكسار حمالات المحور وبرغي النص , لكنها نجحت بعد جهد كبير بالوصول بنا إلى البيت .

وضعتُ البضاعة في الصالون بينما انطلق رياض إلى حتفه , فالأب الصارم لن يفوت لرياض هذه الهفوة القاتلة التي سببها له رفاق السوء .

..
أرغى الأب وأزبد عليّ بالتلفون ، وبعد أن شبع من شتمي أنا وأهلي أغلق الهاتف بوجهي وأنا أشعر بالسعادة تغمرني , فمن الواضح أن سيادة اللواء اكتفى بهذه الزفة كعقوبة لي , ولهذا بدأت الدندنة وأنا أقول لنفسي : منيح اللي عدّت على خير , أما رياض , فعلمت لاحقاً أنه تورم من الضرب .

..
ذهبتُ إلى مقهى مرعب لبيع الشدات فأخبرني رفيق مرعب ( أبو علي ) أنهم يا دوب كل ألف سنة يجددون ورق اللعب للمقهى , وكذلك قالوا لي في مقهى الغندور .

صديق العائلة , السيد الطربشان أخبرني أنه يمكنني بيع البضاعة كلها لصالة القمار اليتيمة بالبلدة حيث يستعملون شدة جديدة كل برتيّة .

صعدت إلى مقمرة رزق عند مدخل السوق وعرضت عليهم بضائعي فوافقوا على شرائها كلها بالتقسيط , بحيث آتي للمقمرة يومياً بعد التاسعة مساءً لآخذ غلتهم اليومية حتى ينتهي حسابي .

وبالفعل , قبضتُ – وخلال أسبوعين – رأس المال كله مع ربح ثلاثة الآف ليرة , مع صيت مطنطن في كل البلد بأنني من عتاة المقامرين والزبائن الدائمين للمقمرة .

لم تهمني هذه الدعاية قيد أنملة – فأنا طيلة حياتي لا أهتم لما يقوله الناس عني وعن غيري – لكننها قننت صداقاتي كثيراً بعد أن أصبح الجميع ينظرون لي كأحد الزعران المعروفين .

..
بحثت عن رياض لأعيد له ماله ونصف الأرباح لكنه سافر مع أهله إلى الشرق البعيد .
..

أما سيادة اللواء , فقد استلم عمله كقائد للشرطة في اليوم الأول , واستلم كتاب تسريحه في اليوم الثاني , ويعلم الله كيف وصل لمكتب وزير الداخلية تقريراً مطنطناً عن استغلال اللواء لمنصبه للإثراء غير المشروع عبر استعمال السيارات الرسمية لتهريب الممنوعات ثم بيع المهربات لصالات القمار , ويبدو أن الوزير كان يفعلها مع ملاهي وخمارات دمشق ولهذا خشي من تلويث اسمه بهذه التهمة فتخلى عن صديقه بكل بساطة .

جبلة – حارة التغرة / ربيع 2012

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.