يوميات نصراوي: كيف اصبحت الفلسفة موضوعي المفضل؟

الكاتب الفلسطيني نبيل عودة

نبيل عودة

شاركت وانا في نهاية المرحلة الابتدائية، بدورة دراسية فلسفية في إطار حركة الشبيبة الشيوعية في الناصرة، سحرتني الفلسفة، رغم ان بعض الطروحات لم افهمها بشكل واضح في وقته، كنت شابا ناشئا هاويا للأدب ولكتابة القصص، وكانت حركة الشبيبة الشيوعية في قمة تألقها التنظيمي والسياسي والتثقيفي، وهو الأمر الغائب اليوم، من يومها صرت اسيرا للفلسفة وبت استعمل اصطلاحاتها في تفسيراتي للكثير من مواضيع الدراسة، أحيانا بلا فهم كامل لمضمون الاصطلاح، بسبب ذلك انتقدني احد المعلمين بقوله ان الكتابة والحديث عن الفلسفة لا تخدم ثقافة الجيل الناشئ، لأنها ثرثرة بلا مضمون.

لم أكن على دراية كاملة لأعرف كيف أرد عليه، وكيف اشرح أهمية الفلسفة في تطوير التفكير وفهم الواقع الإنساني، لكني رفضت رأيه دون قدرة مني على شرح موقفي، قلت للأستاذ جملة عامة بان الفلسفة هي في صميم التفكير ومجمل العلوم، دون قدرة لتفسير موقفي بشكل واضخ ومفهوم من طالب سحرته الفلسفة وهو بالصف السابع ولم يكن قادرا على تفسير عشقه للفلسفة، وما تركته الفلسفة من أثر على تفكيري ونشاطي السياسي والثقافي، بل قلت جملة عامة ان الذي لم يستوعب الفلسفة التي نشأت في بلاد الاغريق منذ مئات السنين، يبقى وعيه ناقصا. فلم يجد المعلم من جواب الا ان يسخر مني ويُضحك بعض زملائي الطلاب بوصفي ب “الفيلسوف الذي لا يفقه ما يقول ويعيش بأحلام بعيدة عن الواقع”. ونصحني ان اعود الى عقلي ووعيي، وان اهتم بدروسي وابتعد عن الفلسفة والثرثرة.

اعترف أني غرقت بالصمت والتفكير، وعدم القدرة على تفسير حبي للفلسفة، واستهجاني من عقلية مربي أجيال يجهل قيمة الفلسفة بخلق جيل حر ومفكر ومتحرر من الخرافات والأوهام. لم أكن قادرا على تفسير موضوع الفلسفة كما شرحه لنا المحاضر، (الدورة الفلسفية قدمها في وقته القائد الشيوعي اميل حبيبي) بتأكيده ان الفلسفة ضرورة لجيل ينشد العقل والعلم والمعرفة من اجل احداث نهضة سياسية وفكرية واجتماعية وعلمية في مجتمعنا الذي يعاني من ظواهر مقلقة سياسيا وثقافيا لشعب شرد أكثرية أبناء شعبة وصودرت أراضيه، وبعضه اصبح لاجئا في وطنه بعد هدم مئات البلدات العربية ومنع من العودة اليها، رغم ذلك قسما كبيرا منه يواصل التصويت لمن سبب نكبة شعبه وفرض علية الأحكام العسكرية، وحتى التعليم يخضع لرقابة المخابرات ويجري فصل المعلمين الشرفاء، وبتنا نعاني من القصور الرهيب في التربية السليمة!!

بعد ان حثني المعلم وهو يضحك من جهلي (بالأصح استفزني مرات عديدة) ان اجيب على ملاحظته “وهل اقتنعت بما قاله بان الفلسفة ثرثرة وابتعاد عن الواقع؟”، قلت له باختصار: من اجل مستقبل طلابك قدم استقالتك من التعليم!!

عبس وتجاهلني، لكني رأيت شرر الكراهية يلمع في عينيه، ولم يعد يلتفت الي بل بت أشعر انه يتجاهلني رغم أني كنت من طلاب الصف البارزين، وللأسف نسيت اسمه رغم ان صورته لم تفارق ذهني، ومن حسن حظ الصف انه لم يعلمنا الا نصف سنة وجاء أستاذ جديد آخر بمكانه، عبر عن اهتمامه بقدراتي الفكرية والانشائية!!

بالتلخيص، شكرا لذلك المعلم الذي جعلني احول الفلسفة الى موضوعي المفضل، تركت دراسة هندسة الميكانيكيات بعد سنتين من الدراسة المسائية في التخنيون في حيفا، وسافرت الى دراسة الفلسفة والعلوم الاجتماعية، في معهد العلوم الاجتماعية في الاتحاد السوفييتي آنذاك، في العاصمة موسكو، وأخطأت لأني لم اواصل الدراسة الجامعية للحصول على اللقب الجامعي، رغم ان استاذي الروسي للفلسفة حثني مرات عديدة ان اواصل دراستي الجامعية، لأني كنت متحمسا ان اعود لوطني مناضلا ومثقفا وان انقل ما تعلمته للكوادر الشبابية!!

[email protected]

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.