يوميات نصراوي: شاعر من هذا الزمان

نبيل عودة

دعاني صديق للتعرف على “شاعر مبدع” حسب وصفه، استضافنا ببيته، واتحفنا بكلمات لم أستطع ربطها باي صيغة تسمى شعرا او منطقا ثقافيا بسيطا. استمعت اليه بطول صبر. لم أجد شعرا ولم أجد الا ترهات أقرب للسجع الفكري واللغوي، مجرد ثرثرة فارغة من أي مضمون او معنى ثقافي بسيط، حتى لو كانت الأسطر موزونة!!
كانت ابتسامة “الشاعر المبدع” تمتد من الأذن للأذن، وكنت أضبط لساني وانتظر نهاية الجلسة والمغادرة مكتفيا باني استطعت ان اشرب فنجان القهوة، رافضا تناول أي شيء آخر من طاولة الضيافة العامرة.
بأعجوبة حافظت على صمتي ولم اقل أي كلمة عن شعره احتراما للضيافة. ولكني اليوم وقد مضت سنوات على تلك الجلسة، لم اعد قادرا على عدم قول رأيي، ضمن يومياتي (يوميات نصراوي) خاصة انه شاعر فحل لا تخلو بعض النشرات من كلماته المصاغة عموديا بالطريقة الصينية. وآمل ان لا يعرضني ذلك “لرصاصة طائشة”.
طبعا لسخافته كان ينتظر ان اشيد ب “عبقريته الشعرية”، لكن سيطر علي شعور بان صديقي جرني الى مطب لم اتوقعه والأفضل ان ابقي فمي مغلقا. ولم يكن ذاك سهلا، لكني نجحت بالصمت.
خلال حديث “الشاعر المبدع” الفارغ من أي مضمون ثقافي بسيط، بعد ان قرأ بعض شعره، فاجأني “الشاعر المبدع” بالخروج عن مضمون الشعر والحديث الثقافي بقوله انه منذ سنوات لا يلبس الا الكلسات البيضاء وشد بنطاله للأعلى ليظهر كلساته البيضاء. احترت كيف افهم هذا التصرف الغبي. اضحك ام ابصق؟ لم افهم ما العلاقة بين الشعر وكلساته البيضاء. تملكني اشمئزاز كبير لم يفارقني حتى اليوم بسبب اصراري على الصمت، وقرار لا عودة عنه ان لا اصمت إذا استمعت لتفاهات تسمى ادبا.


اسرعت بإنهاء اللقاء ضابطا لساني.
سألني صديقي ونحن نبتعد:
– ما رايك بشعرة ؟ لماذا لم تقل شيئا؟
قلت له:
– أتمنى لو اصفعك بقوة.. لا تنظر الي ببلاهة، ان لون كلساته البيضاء أكثر تألقا من شعره، واشكر ربك لأني ضبطت لساني.
اجابني:
– لم افهم ما تعني؟ لماذا هذه العصبية، انه شاعر صاعد؟
قلت:
– اجل صاعد، بدأ بلون كلساته، والحمد لله انه لم يصعد اكثر ليكشف عن لون كلسونه أيضا.
قال لي:
– لماذا انت دائما سلبي؟ والحديث ليس عن كلساته وكلسونه؟
اجبته:
– لم اسمع شعرا بل ترهات غبية. هل تريدني ان امدح لون كلساته؟ لعلها بحر شعري جميل؟ ام كنت تنتظر أن يكشف عن لون كلسونه أيضا؟ لعل هذا اهم مميزاته الشعرية؟!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.