يوميات صحفي … سائق تاكسي 7

يوميات صحفي … سائق تاكسي 7

محمد الرديني

انا المسكين

دخلت الى السيارة وهي تبكي، عدلت جلستها والتفت الي قائلة وهي تبكي:
” ارجوك خذني الى البيت.
” واين هو البيت.
” انه ليس بعيدا من هنا
” حسنا
(فترة صمت)
سالت انا:
” هل لي ان اسألك لماذا تبكين؟
اجابت:
” هل تصدق … تعرفت عليه قبل ستة اسابيع ونام معي اكثر من ثلاث مرات ومايزال لحد الان لا يعرف اسمي !.

 

 

هذا العصفور لااحبه

اوصلت ذات يوم  احد الزبائن الى بيته بصعوبة، كان الوقت قد تعدى منتصف الليل وصاحبنا وصل الى حالة فريدة في السكر فهو لايعرف اين يقع بيته ولايريد ان يكف عن الهذيان والطلب مني ان اوقف السيارة بين الحين والاخر ليفرغ ما جوفه لانه يدري ان تفريغ الجوف داخل السيارة يكلفه مبلغا يصل الى ربع راتبه الاسبوعي ( لااقل من 70 دولارا نيوزيلنديا اي 35 دولارا امركيا).
ظللت ادور بالسيارة على غير هدى وفي كل ثانية كنت اسأله اذا كنا في الطريق الصحيح، وكان يجيب بايماءة لايفهم منها شيئا . كانت الشوارع خالية وكنت اتمنى ان اجد سيارة شرطة تخلصني من هذا الزبون (الخلصان).
وفي لحظة صفاء مرت على ذهنه ذكر لي عنوان بيته كاملا، ومن حسن الحظ لم نكن بعيدين عنه.
بعد دقائق اوقفت السيارة امام بيته وطلبت منه قراءة العداد ودفع الاجرة . نظر بصعوبة الى المبلغ الذي سجله العداد، صفر متعجبا وتمتم بكلمات احتجاج فهمت منها باني – كعادتي مع بعض السكارى- ساظل اناور معه لفترة من الزمن حتى يقتنع بدفع الاجرة او مغادرة السيارة بسلام.
تنبه الي  ورمقني بنظرة حولاء قال بعدها بادب غير معهود في شخص في مثل حالته:
” اني آسف ايها الاخ  فليس لدي نقودا تكفي ولهذا فسوف اهديك كلبي العزيز.
لم يدع لي فرصة للاحتجاج، فتابع قائلا:
انه كلب جميل لايتجاوزعمره اربع سنوات ، ساريك ايضا ملفه الصحي وملف آخر لعاداته وطباعه وانواع الماكولات التي يرغبها ، انه صديق لكل الناس غير مؤذ، ارجوك ان تقبل هذا العرض  ان هذا الكلب يساوي ثروة.
لم يكن امامي سوى ان اكون ودودا ازاء هذا العرض الغريب .. غريب لاني اعرف ان الكلب والقطة هما عضوان اساسيان في العائلة عند هؤلاء الناس، انه نادرا مايعقدون صداقات مع البشر وربما لايزور الجار جاره وربما لايعرف حتى شكله ولكنه على استعداد للتضحية بكل مايملك اذا كان الامر يتعلق بكلبه او قطته. وهو قد يهمل موعدا مهما اذا كان يتعارض وقته مع وقت نزهة الكلب اليومية .
وليس غريبا ان تجد في الصحف اعلانات يومية عن مكافأة لمن يعثر على كلب او قطة فقدت طريقها نحو البيت. وليس من الغريب ايضا ان نجد ان عدد العيادات الطبية الخاصة بعلاج الكلاب والقطط اكثر من العيادات التي تعالج البشر.
اعتذرت من صاحبنا عن قبول هذا العرض واعطيته رقم هاتفي ليتصل بي اذا اراد ان يدفع المبلغ الذي بذمته في اي وقت يشاء .
في طريق العودة الى البيت تذكرت ولدي ذو الحادية عشرة وعصفوره الملون.
لم يكن ولدي يرغب في تربية كلب او قطة ولكنه كان مولعا بالعصافيرالملونة، وفي يوم من الايام حل عصفور جميل ضيفا صاخبا علينا.
لانه عصفور كنت احترمه ، ولانه ايضا يشكل جزءا من هوايات ولدي الذي لم يكمل الثانية عشرة من عمره بعد، ولكن هذا الاحترام لم يستمر طويلا وذلك الحب له انقلب الى كراهية… كراهية لانظير لها لهذا الكائن الذي لايتعدى حجمه كف اليد، كرهته وكرهت الزمن الاغبر الذي جمعني معه.
سأقول لكم بالتفصيل ماذا حدث ولماذا كرهت هذا العصفور:
انه كائن من هذا الزمن دجنوا جيناته ليكره الحرية. غافلت ولدي ذات يوم لاطلق سراح العصفور بعد ان مكث عندنا اكثر من شهرين ووجدت ان الوقت قد حان لينعم بحريته ، اما ولدي فيمكن ان اقنعه بحجة مقبولة وهدية مناسبة.
فتحت باب القفص وانتظرت من العصفور ان يثب الى الخارج وينطلق نحو الفضاء بعيدا الى حيث حريته ولكنه بدلا من ان يفرد جناحيه ويستعد للطيران رايته يخرج من القفص، يحط على الارض يتجول في صالون البيت حيث استقر بعد ان تجول متمهلا على احدى الطاولات الصغيرة.
فتحت باب البيت الخارجي منتظرا خروجه لكنه لم يأبه لذلك ، امسكته من رأسه وقدته نحو باب البيت المفتوح ، وضعته عند عتبة الباب منتظرا ان يرى النور والفضاء ليفرد جناحيه ويطير باسرع مايمكن ولكنه لم يأبه ايضا لذلك، مسكته مرة اخرى ووضعته على حشيش الحديقة وراهنت انه سيطير فرحا نشوانا حالما يشعر بندى الارض في عروق قدميه ولكن مراهنتي فشلت فشلا ذريعا ، فقد رأيته يقف متأملا حواليه باديا عدم الاهتمام او هكذا خيل الي.
تركته في الحديقة على امل ان يعيد النظر في العرض الذي قدمته اليه وقفلت راجعا الى صالون البيت وكانت المفاجأة حين رأيته يسبقني الى صالون البيت وبسرعة غير مسبوقة منه ثم رأيته يمشي راكضا نحو قفصه وقفز الى داخله بكل حماس .
صفنت طويلا قبل ان اسأل نفسي لماذا لايحب هذا العصفور ان يذهب الى مكانه الطبيعي . لقد علمونا في المدرسة ان العصافير من اكثر الكائنات الحيوانية حبا للحرية، وليس من العدل ان نحجز عصفورا  في قفص حتى ولو كان من باب التسلية … لقد ضربوا في حبه للحرية الامثال وسردوا القصص حول ذلك ولعل معظم طلاب المدارس الذين عاصرتهم يتذكرون معلم مادة( الاجتماعيات) وهو  يعيد قصة ذلك العصفور الذي فضل الموت داخل قفصه على ان يعيش محروما من حريته، اذ اضرب عن الطعام حتى مات. واتذكر ان هذا المعلم كان يؤكد على ان العصافير لاتبيض مادامت داخل القفص حتى لايتعرض جيلها المقبل للمهانة التي تتعرض هي اليها الان ، وبمعنى اخر لاتريد لابنائها العيش داخل السجن الذي سموه تأدبا بالقفص وهم الذين يفترض ان يعيشوا بين سماء لانهاية لها وارض لاحدود لخضرتها.
هل هو جيل جديد من العصافير لم يعد يؤمن بكل تلك المبادىء … هل هو جيل جديد لايريد ان يسمع عن الحرية والنضال والكفاح المسلح و” البروليتاريا الرثة” والبرجوازية الكبيرة ، ام انه لايريد ان يسمع عن هؤلاء الشعراء الذين جعلوا من العصافير رمزا حيا لنضالهم المسلح وغير المسلح ، هل هو جيل جديد لا يعرف ان كاتبا عظيما مثل همنغواي قال ذات مرة : لقد شعرت بالحرية فقط حين حط عصفور على كتفي عن طريق الخطأ ذات يوم .
هل باتت هذه العصافير تخاف هي الاخرى من  النظام الشمولي وعصا شرطي العالم التي تضرب كل من يحاول ان يتجرأ وينتقل من العالم الثالث الى اي عالم يريد؟ ام ان الامر غير ذلك؟.
هل اجد لديكم جوابا..؟.
نسيت ان اقول لكم ان هذا العصفور ظل اخرسا منذ ان شرعت بكتابة هذه السطور.. انه عصفور لااحبه.

About محمد الرديني

في العام 1949 ولدت في البصرة وكنت الابن الثاني الذي تلاه 9 اولاد وبنات. بعد خمسة عشر سنة كانت ابنة الجيران السبب الاول في اقترافي اول خاطرة انشائية نشرتها في جريدة "البريد". اختفت ابنة الجيران ولكني مازلت اقترف الكتابة لحد الان. في العام 1969 صدرت لي بتعضيد من وزارة الاعلام العراقية مجموعة قصص تحت اسم "الشتاء يأتي جذلا"وكان علي ان اتولى توزيعها. في العام 1975 التحقت بالعمل الصحفي في مجلة "الف باء" وطيلة 5 سنوات كتبت عن كل قرى العراق تقريبا ، شمالا من "كلي علي بيك" الى السيبة احدى نواحي الفاو. في ذلك الوقت اعتقدت اني نجحت صحافيا لاني كتبت عن ناسي المعدومين وفشلت كاتبا لاني لم اكتب لنفسي شيئا. في العام 1980 التحقت بجريدة" الخليج" الاماراتية لاعمل محررا في الاخبار المحلية ثم محررا لصفحة الاطفال ومشرفا على بريد القراء ثم محررا اول في قسم التحقيقات. وخلال 20 سنة من عملي في هذه الجريدة عرفت ميدانيا كم هو مسحوق العربي حتى في وطنه وكم تمتهن كرامته كل يوم، ولكني تعلمت ايضا حرفة الصحافة وتمكنت منها الا اني لم اجد وقتا اكتب لذاتي. هاجرت الى نيوزيلندا في العام 1995 ومازلت اعيش هناك. الهجرة اطلعتني على حقائق مرعبة اولها اننا نحتاج الى عشرات السنين لكي نعيد ترتيب شخصيتنا بحيث يقبلنا الاخرون. الثانية ان المثقفين وكتاباتهم في واد والناس كلهم في واد اخر. الثالثة ان الانسان عندنا هو فارزة يمكن للكاتب ان يضعها بين السطور او لا. في السنوات الاخيرة تفرغت للكتابة الشخصية بعيدا عن الهم الصحفي، واحتفظ الان برواية مخطوطة ومجموعة قصصية ويوميات اسميتها "يوميات صحفي سائق تاكسي" ومجموعة قصص اطفال بأنتظار غودو عربي صاحب دار نشر يتولى معي طبع ماكتبت دون ان يمد يده طالبا مني العربون قبل الطبع. احلم في سنواتي المقبلة ان اتخصص في الكتابة للاطفال فهم الوحيدون الذين يقرأون.
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.