يطعنني بأمريكيتي… يعيرني بالشيب وهو وقار!!!!

يطعنني بأمريكيتي…
يعيرني بالشيب وهو وقار!!!!
………..
أريك أريكنسون، واحد من اكبر علماء النفس في تاريخ العالم، وبالمناسبة هو أمريكي ويهودي،
علّ تعريفي له بأمريكيته ويهوديته يضيف بعض الملح على جروح الشيخ البوادي!
قسم هذا العالم حياة الإنسان من حيث التطور النفسي ـ وأنا أقول من حيث التطور الروحاني ـ إلى ثمانية أقسام.
يهمني في هذا الخصوص: المرحلة الثامنة والتي تبدأ بعد الستين، ولقد بدأت عندي منذ عهد قريب!
خلال تلك المرحلة يقف الإنسان وينظر إلى الوراء مقيّما حياته وكيف عاشها… بناءا على تقيمه هذا، والذي لا يستطيع أن يكذب فيه على نفسه، فالذات العليا هي التي تقيم.. بناءا عليه يمر نفسيا ـ أو روحانيا ـ في إحدى حالتين لا ثانية لهما, إما أن يكون فخورا بحياته وإما أن يصبح يائسا قانطا وكارها لنفسه، إذ لم يعد لديه مجال ليعمر ماهدم وليصلح ماخرّب!

الحالة الأولى تسربلها الاستقامة، على حد تعبير اريكسون
INTERGRITY
أي يشعر بنشوة الانتصار لأنه كان مستقيما، وليس هناك كثير مما يندم عليه
والحالة الثانية يسربلها اليأس، على حد تعبيره أيضا
DESPAIR
أي يشعر بالخزي لأنه كان فاشلا، وهناك الكثير مما يندم عليه
(في كتابي “دليلك إلى حياة مقدسة” هناك فصل كامل عن هذا الموضوع)
……………
عندما أقف على شرفتي، ومن أعلى قمة جبل في البلدة التي أعيش فيها… يغمرني شعور غارق في لغزيته… شعور أنني نسر يعانق قبة السماء حيث اللانهاية… شعور بالرضى، بالقناعة، بالحب، بالسكينة، فأنحني أمام عظمة الكون ممنونة وشاكرة الفرصة التي منحني إياها والتي اكتسبتُ من خلالها أمريكيتي، فهي الأساس لكل انجازاتي… أعادت لي انسانيتي… أعادت لي كرامتي…. أعادت لي عزة نفسي… باختصار شديد، أعادت لي هويتي الانثوية والأمومية… بيت جميل… زوج جميل… أولاد جميلون… وأحفاد هم الكريما التي تغطى قالب الكيك فتزيد من حلاوته، وقبيلة من الأصدقاء الذين أتوا من كل حدب وصوب في هذا العالم… لا أفرق بين أحد منهم والآخر بناءا على أي اعتبار، فكلهم محبون وصادقون! لعمري، تلك هي الحياة في ابهى صورها…
ألا يحق لي أن أعتز بأمريكيتي، وأدوس بحذائي على كل من يتطاول عليها؟؟؟


……….
يريدونني أن أبصق في صحن أكلت منه… أن أرمي حجرا في بئر شربت منه… أن أعض يدا انتشلتني….
لماذا؟؟؟
لأنها ثقافتهم وأخلاقهم وتعاليم دينهم! يقف شيخهم من على منبر مسجده، وينهق: اللهم امحق النصارى واليهود! ولولاهم لكان هائما في الصحراء ينشد قطرة ماء، يأكله الجراد ويطارده الجزام… يتيمم برمالها، ويبحث بين تلك الرمال عن حجر يمسح به مؤخرته!

شاب فلسطيني قال لي يوما: كنت اشتغل في مصنع اسرائيلي، وبينما
كنت ـ كالعادة ـ أقوم بختم العلب الكرتونية التي تحوي المادة المصنعة،
إذ بشاب اسرائيلي يصرخ بوجهي: توقف لا تختم هذه العلب، فهي معدة للتصدير
إلى السعودية! إذ أنه مكتوب على الختم “صنع في اسرائيل”!
ألم أقل لكم أنهم من وراء الكواليس يعتاشون عليهم، ومن على منابرهم
يبتهلون إلى الله أن يمحقهم… إنها ثقافة الغش والتزوير والحقد والإجحاد!
ستلحقكم اللعنة وسيمحقكم الكون طالما تنفثون هذا الحقد، بينما في دمائكم ذرة لقاح واحدة استخرجتها عقولهم، ولن تعيشوا لحظة واحدة كما تعيش وفاء سلطان….
…….
في بدياتي، وما زلت، واجهت وأواجه تحديات… فالحياة تواجهنا كل يوم بتحد جديد. أمام كل تحد، ولكي أخفف من حدته، أخاطب نفسي:
لا تنسِ يا وفاء أنك في أمريكا ولست في سوريا. التحدي في أمريكا يصقل معدنك، ولو كنت في سوريا لفتح قبرك! ففي كل بلد حيث تتحكم شرذمة من اللصوص في رقاب الشعب ويتقهقر القانون، كل تحد يدفعك خطوة باتجاه قبرك…
تسربلني عندها موجة من السكينة وأنا في لج العاصفة….. اؤمن اليوم أن هذه الطريقة من التعامل مع التحديات هي التي أوصلتني إلى ما وصلت إليه من سكينة وسلام وراحة بال!

لو كنت أركض اليوم وراء جرة غاز في أحد أزقة سوريا، والبرد يأكل مفاصلي
لما كنت وفاء سلطان اليوم. الوطن الحقيقي هو من يسمح لك ويساعدك على أن تكون ذاتك!
……
تحضرني قصة حدثت معي منذ أكثر من عقدين.. كانت الحلاقة التي أتردد على صالونها من اصول نيكاراغوية، وارتبطت معها بعلاقة ودية لسنوات…
كنا نتناول في أحاديثنا صغائر الأمور في حياتنا وكبائرها، وكم من المرات ضحكنا وبكينا معا… مرة تطرقنا في الحديث إلى هجرتنا على أمريكا…
قلت لها: يولاندا، أول سنة من حياتي هنا كنت أعيش كوابيس ليلية مرعبة جدا، أرى نفسي خلالها في سوريا وفقدت حقي بالعودة إلى أمريكا. لم أكد أنهي عبارتي حتى شهقت شهقة خلتها شهقتها الأخيرة، وترامت على الكرسي
بجانبي، وهي تصيح: يا الهي، لقد عانيت كثيرا من تلك الكوابيس،
يا الهي لا أصدق أن مهاجرا قد عاش نفس الرعب الذي عشته ولسنوات.
لم تكن يولاندا الوحيدة التي أباحت لي بسرها كما أبحت لها بسري،
فمنذ شهرين كتب لي صديق سوري من حلب مآساته. يعيش اليوم في ألمانيا بعد أن فر من سوريا مؤخرا… طرح علي في رسائله نفس المعاناة، فزوجته تفيق كل يوم على صراخه، وعندما توقظه، وبعد أن يبدأ باسترداد أنفاسه، يقول: كنت في الحلم أتعرض للتعذيب في أحد أقبية المخابرات في سوريا. وللعلم عاش في تلك الأقبية سنوات قبل رحيله…

هذا ما يعنيه الوطن البديل لكل المعذبين في الأرض، وهذا ما تعنيه لي أمريكيتي. الوطن ثالثوث مقدس: لقمة نظيفة وسقف آمن وكرامة محفوظة، وما دون ذلك فعهر وقهر ونفاق!
……………………….
لم يسألني أحد في أمريكا وخلال ثلاثة عقود عن ديني، ناهيك عن طائفتي، والأنكى، بحجة أنه يريد جوابا مني قبل أن يحكم بتكفيري! كما فعل الشيخ البوداي من خلال استجوابه للعلويين… مهزلة!!!
ليست مهزلة وحسب، بل انحطاط أخلاقي وانساني لم تهبط إليه أمة في التاريخ…

عندما غادرت مدينتي في سوريا وسافرت إلى حلب لألتحق بجامعتها، وأنا
في عمر غض، وضعيفة جدا عندما يتعلق الأمر بمواجهة الحياة. كانت النساء الحلبيات وعندما يعرفنا أنني من الساحل يسألنني وبوقاحة مازالت تغرز سكينها في قلبي: هل صحيح أن العلويين ينامون مع محرماتهم؟
لم أفهم سر السؤال إلا بعد عقود وبعد أن داهمنا عصر الانترنت، واكتشفنا أن الصحابة أبي حنيفة يحلل للرجل أن يباشر أمه، شرط أن يلف قضيبه بقطعة قماش، وغيرها من مئات الفتاوى التي تقزز النفس. عندها ادركت كيف يُسقط الإنسان ما هو موجود في نفسه ويخجل منه، كيف يسقطه على الآخرين….

في أمريكا أنا سيدة، ويحق لي ما حق لجورج واشنطن… ليس هذا وحسب، بل تميزت وتكرمت كأي عظيم أمريكي آخر… في أمريكا أولادي ينافسون الجيل العاشر لأول جيل ولد في أمريكا، ويتفوقون عليهم، وينالون مراكزا أعلى من مراكزهم….. في أمريكا تحترمني البنكوك وتقرضني أكثر مما تفعل مع ٨٠٪ من الشعب الأمريكي، لأنها تقيمني من خلال مصداقيتي وانجازاتي ودخلي…
…………….
ابنتي تشتغل معالجة نفسية في أحد سجون الأحداث، وهو سجن عليه حماية عالية لأنه يضم أحداثا ارتكبوا جرائم قتل. بين الحين والآخر تدعوها المحكمة لتقديم تقريرها حول الوضع النفسي لأحدهم. مرة دخلت في عراك كلامي مع أحد المحامين المدافعين عن قضية، فأوقفهما القاضي قائلا: أيتها الشابة الجميلة، صار لي على هذه المنصة ٢٩ عاما، لم أقرأ تقريرا مفصلا وواضحا كتقاريرك، ولم أسمع حوارا أرقى ويضع النقاط على الحروف كحوارك. أتوقع وأتمنى لك مستقبلا مشرقا. لم يأبه القاضي لاسم ابنتي وكنيتها والتي تكشف عن اصولها، لأنه كأمريكي اولا وكرجل قانون ثانيا هو انساني حتى النخاع…
انجازات ابنتي هي التي تقيمها وليس اصولها ودينها، وهي تسير بسرعة الضوء باتجاه ذلك المستقبل الذي توقعه القاضي وتمناه لها!
…..
ابني يعاني من نقص سمع ولادي، هو يستخدم سماعتين متطورتين جدا، كل منهما بحجم حبة الحمص… يُدخلهما في قناة السمع حتى يختفيا، وترفعان مستوى سمعه إلى الحد الطبيعي.. لكن المشكلة الوحيدة التي يعاني منها هي الحديث في التلفون، فالسماعة تسبب خشة مزعجة، يضطر عندها ابني أن يخلع السماعة،
ويعتمد على ما تبقى من قدرته السمعية… جاءته رسالة مؤخرا من طبيبه يعلمه أنه تم تصميم تلفون متطور جدا، وخاص للناس الذين يعانون من نقص سمع. للتلفون شاشة تكتب كل ما يقال خلال المكالمة، فلا تفوت ابني كلمة واحدة. ليس هذا وحسب، بل أن الحكومة الفيدرالية كفيلة بتركيب التلفون مجانا بغض النظر عن حالة الشخص المادية. خلال أقل من ٤٨ ساعة تم تركيب التلفون في مكتب أبني مجانا، ولم يأخذوا بعين الاعتبار دخل ابني، ناهيك عن اصوله وطائفته!
….
ليست أمريكا المدينة الفاضلة، تلك المدينة التي لا توجد إلا في أحلام النائمين، ولكنني اؤمن ـ إلى حد اليقين ـ بما قاله الرئيس الأمريكي بيل كلنتون:
“There is nothing wrong with America that cannot be cured by what is right with America.”
لا يوجد فعل قبيح لأمريكا، إلا ويستطيع جميلها أن يعالجه…
ويطعنوني في أمريكيتي؟؟؟؟؟
فليبلطوا البحر، وإن لم يستطيعوا فليشربوه!!!
للبحث تتمة: فتابعوني…
محبتي

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

3 Responses to يطعنني بأمريكيتي… يعيرني بالشيب وهو وقار!!!!

  1. س . السندي says:

    ١: المؤسف أن هؤلاء المسوخ والمعاتيه سيمسخون قيم وحضارة الغرب كما مسخوا قيم وحضارة الشرق إن لم يفيقوا ؟

    ٢: ماذا ترتجين من أمة تؤمن أن ربها يجازي السفلة والقتلة والغزاة المجرمين بغلمان وحور عين ، أليس مكانهم الوحيد أحد المصحات العقلية أو جهنم فيها خالدين ، ثم ماذا يرتجى من قائل أن الحرب خدعة ، والاغتصاب متعة ما بعدها متعه ، سلام ؟

  2. جابر says:

    الأخت العزيزة وفاء صدقيني والله وبالله وتالله كلهم كذابون ودجالون لو فتحت السفارات الامريكية ابوابها للسفر كل من يرغب لترين حتى وزراءهم اول المتقدمين. الامم الاسلامية مثل ما يقوله المثل المصري (جنس يخاف ما يختشيش).

  3. HM says:

    اكثر من رائعة يا سيدتي الكريمة…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.