ولدت في رحم حبة – تمر – ..

أتذكر،
أني ولدت في رحم حبة ” تمر “. من نخلة ،فاءت بسعفها على ” مسطبة ” حفظت كل حكايا ، ونميمة عجائز عكا وقرى المثلث.
وحتى تغريبة بني هلال ،وغرام عنترة العبسي بعبلة . ومقتل الأميرة ” أسمهان “. وغزوات أبو حنا، مع أبو العبد، في حواري يافا وصور المعتمة. وحتى فضائح ” لورانس وأبو حنيك ” الجنسية .والجنرال ” أللنبي ” قائد ما يسمى بالجيش العربي “
من زمن كان يدعى، سبعة وأربعون بعد الألف والتسعمائة.
قال والدي :
كانت ولادتك باطلة ومحولة ..؟وطبعاً لم أدري ماذا يقصد فقد كان كثير النرفزة خاصة بعد سماع نشرة أخبار ” صوت فلسطين ” من برلين بصوت البحيري ، وترتفع درجة حرارته أكثر مع نشرة أخبار ” هنا لندن “.
كان نصفه بلشفيكياً ، والنصف الأخر حسينياً.
يقال أنه راهن مرة جارة أبو سامي ، لو انتصر الانكليز ليخرج عارياً في حواري ” الغابسية ، والمزرعة “.
انقضى العمر ولم ينفذ وعده. بيد أنه لم ينسي قوله، كانت ولادتك ” باطلة ومحولة”..؟ ويلعن رب الاستعمار..
ربما كان هناك سراً ” وطنياً “ ما وراء هذا التعبير..وربما لهذا أورثني وجع الرأس ،وعشق زيتون الوطن ورائحة زعتره. وشراب الميرمية مع الشاي .


رغم انه كان شهر آذار، شهر الحب والنكاح. واستنفار الديكة..”!
كان يوماً أصفراً،تدفق فيه اللون الأصفر من كل بقاع الأرض . وولدت فيه الخرافة.
وتمزقت الحطة البيضاء. وغزا الشيب، شوارب الرجال. كان الأسى يملئ كل الشوارع.قبل الرحيل والترحيل القسري.
وكان هناك مشروع وطن. لم أكن أدري أنه وطن غير نهائي وقيد الإنشاء.
وأن الوعد البريطاني بوطن فلسطيني مجرد كذبة كبرى كجزء من تقاليد إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، مثل إمبراطورية العثمانيين.
ربما لقررت حينها، العودة الى رحم حبة ” التمر ” !؟
واختصرت المشوار!
والإبحار في محيط بلا مرفأ على ظهر سعفة من نخلة ولادتي .أو حتى في زورقي الورقي . مع صرصار الحقل نغني معاً كل أغاني العشق للبدايات الجميلة
لم أستطع اختصار المشوار ، بيد ان الزمن اختصرني الى مبني للمجهول.
ولم يبقى سوى ” نوية ” صغيرة وقلب عاشق.
منفي عن الزمان، ومنفي عن المكان.؟ زمن تصفي فيه القوة حسابها مع التاريخ.
فقد احتلت ألاف المستوطنات مراع صباك. وكذلك أحلامك، وسرق يومك، كما ليلك..ترى بماذا تحلم؟!
بثدي قديم مملوء لبناً وعسلاً..
أم بتاريخ عتيق..
أو بشجرة التين والصبار، على كتف ساقية صغيرة. وزورق ورقي . أم بذلك الفرح الطفو لي مع ” أنطوانيت وملكة ، ويوسف ” وصرخات ” الأم نزهة “
..عزا دير بالك هذول أخواتك يامشحر “. وتسأل ” الأم نزهة ” ابنتها ملكة أنت مين بدو يتزوجك ولك يا هبله ..فتشير ملكة بإصبعها نحوي …
ولك هذا أخوكي راضعين من بز واحد ..روحي انصرفي من قدامي ..؟
انتفخت بطوننا جوعاً، حتى الصرصار أبو جناحين، كان يخيل لنا عصفوراً دورياً
ونحلم بزرقة البحر، ونمارس هواية نحت المستقبل. نبحث عن قوافي أخر الكلمات ونصطاد ” زيز ” الحقل ونعلقه على شجرة صبار . منشداً تراتيل صلاة الحب وأنشودة الأناشيد.
أما الكبار، فكان من الصعب عليهم الخروج من دائرة الوعود، والتعرف على العالم على حقيقته، كما هو بالفعل.مأزقاً معرفياً فشل في قراءة إختلاف الثقافات والانتماء. ومعرفة من يكتب التاريخ، وكيفية البناء للذين لم يولدوا بعد.
حلمت بيوم لم يأت بعد.
بيد أني، في كافة الأحلام، كنت الخاسر الأكبر.
كما أنا اليوم.
خسرت حلمي
الذي أتعبه قلقي، التائه في التيه.
ولعقت قدماي أمعاء كل شوارع مدن السردين المعلب.ومواقف الحافلات .وقضبان سكك الحديد وصمت الكلمات الغريبة. ومواء قطط الليل. وأرصفة الباعة .
وأمطرتني نظراتهم بوابل من الأسئلة الجافة .
حولتني الى إطار خشبي لتلفزيون عتيق
لوردة، أسود وأبيض. مجهولة النسب. فلا تتعب نفسك في البحث عن مجهولين النسب. فالمنطقة كلها، كانت وما زالت ممراً لكافة أنواع الغزاة.
وتحول تاريخنا الى مبني للمجهول. الى قبائل بلا شجرة عائلة . الى تمثال خشبي نخرة السوس ، والنكبات والوعود ، والشعارات الكبيرة ، والخوف والأوهام ، والتعصب . وأعيد النظر في كافة قواميس الخيانة . وأصبحت مجرد وجهة نظر.
اعتبرها كما شئت أفكار مجنونة ، أو ثرثرة بلهاء!
ربما.. شئ جميل رسم مشهد ولادة جديدة . في زمن وضع فيه الركود الجميع على الأرفف. وتعيد ترميم بعض الآثار القديمة في داخلك
وترفع راية قوة الحلم في مواجهة من يصادر حلمك.
لا فرق. فنحن مجانين
هنا مملكة الجنون ..ووطن النكبات. ونحن شعب الجبارين. الذي لم يصدق رواية أن ” الأله ” وزع ميراثه على الأخرين..؟!
قالوا إنك منفي من الوطن..
منفي من الزمان والمكان.
وعزاؤك أن تغمض أجفانك، قبل موعد الرحلة الأخيرة. بلا جواز سفر.
أترى.. أنت فلسطينيا سعيدا.. ستسافر بلا تأشيرة خروج.
فقد التهم زمانهم، مكانك..!
ربما عليك البحث عن بلدان جديدة ..؟أو كواكب أخرى.
أطلق عليها حتى كل الأسماء الحسنى
وطناً …منفى ..مقبرة..مجزرة
وخذ معك ما تبقى من أحلامك.
منفي أنت ..
منفي أنت …
ماذا تبقى..؟
هوية وخيمة، وكمشة أحلام صغيرة.
وأحرف متناثرة لثرثرة قديمة
وخيط عنكبوتي صغير.
آه ..يا أمي، التي أضاعت ثديها.

About سيمون خوري

سيمون خوري مواليد العام 1947 عكا فلسطين التحصيل العلمي فلسفة وعلم الأديان المقارن. عمل بالصحافة اللبنانية والعربية منذ العام 1971 إضافة الى مقالات منشورة في الصحافة اليونانيةوالألبانية والرومانية للكاتب مجموعة قصص قصيرة منشورة في أثينا عن دار سوبرس بعنوان قمر على شفاه مارياإضافة الى ثلاث كتب أخرى ومسرحيةستعرض في الموسم القادم في أثينا. عضو مؤسس لأول هيئة إدارية لإتحاد الكتاب والصحافيين الفلسطينيين فرع لبنان ، عضو إتحاد الصحافيين العرب منذ العام 1984. وممثل فدرالية الصحافيين العرب في اليونان، وسكرتير تجمع الصحافيين المهاجرين. عضو الهيئة الإدارية للجالية الفلسطينيةفي اليونان .
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.