وفوق نقطة العنبر في صحنها المرمر أطبع أحلى قبلات أم لابنتها

لست من عشاق الموسيقا والغناء، وقلّما يدبّ فيّ الحنين لأصغي لأغنية ما.
الصمت المطبق كان ـ ولم يزل ـ موسيقاي المفضلة، لأنني
أتواصل من خلاله مع العقل الجمعي للكون، واستلهم منه أفكاري.
إلاّ ـ اللهمّ ـ باستثناء المطرب العراقي ناظم الغزالي، فله عندي سحر خاص……
……….
ربّما لهذا السبب سربلني شعور روحاني مفعم بالراحة، وأنا
أحدق في وجه عبير….
(له خال على صفحات خد كنقطة عنبر في صحن مرمر)
………..
عبير حسناء شامية، اختصرت مليون سنة ضوئية تفصلني عن دمشق،
تلك المدينة التي باختصار شديد جدا جدا لا أحبها، وبين وبينها
آلاف الجدران من الإسمنت المسلح….
ما أجمل أن يهدم الإله الساكن في وجه تحدّق فيه، ما أجمل
أن يهدم كل جدار بينك وبين وطنك، ويبني جسرا، كجسر اللوزية التي عرّجت عليه فيروز فوصلت إلى السماء… نعم كانت ملامح عبير ذلك الجسر!
………..
تعرفت عليها من خلال الفيسبوك، وتعمقت في معرفتي من خلال
مقابلة أجرتها معها قناة الحرة…. تبادلنا الرسائل، لأكتشف أنها خلعت الحجاب حديثا، بعد صراع طويل مع نفسها، لم تكن خلاله نفسها.

لم نتطرق خلال أحاديثنا حتى الآن إلى أي موضوع آخر يتعلق بالدين.
فأنا رغم موقفي من الإسلام، والكل يعرفه، احترم خصوصيات الناس
وبالأخص أصدقائي المسلمين.

سألتني عبير عدة مرات عن نصائح تتعلق بحياتها عموما، وفي كل مرة
كان جوابي: (كوني نفسك، ثقي بقدراتك، عيشي حياتك كما يحلو لك، بشرط
أن لا تؤذي كيانك كأنثى أو أحدا). وهذه هي نصيحتي لكل امرأة اخرى…..
………..
عبير طبيبة، وكما نجحت في مجال العمل، نجحت في علاقتها مع طفلتها التي انفردت بتربيتها لأسباب لا مجال لذكرها… احترمتُ فيها الأنثى المتكاملة على كل صعيد، كأم وسيدة وعاملة وكإنسانة.

عندما أبلغتني بأنها ستزور كالفورنيا قادمة من مشيغان، فتحت لها
قلبي قبل أن أفتح بابي، واستقبلتها بعفوية ومحبة وصدق كما لو كنت سأستقبل
الشيخ القرضاوي لو زارني. فأنا أنا، والزائر هو ضيفي، بغض النظر عن من كان يكون….
….
لم أستقبل عبير بحفاوة لأنها خلعت الحجاب، ولا لأنها من خلفية اسلامية سنية وتزورني رغم موقفي من الإسلام، فخلفيتها ومواقفها أقل ما يعنيني…
إذ لا أرى في أي ضيف إلا انسانيته، واحترم فيه قراره بأن يزورني.

استقبلتها وأكرمتها واستمتعت بصحبتها ليومين كاملين، كنّا خلالهما كأم وابنتها، تعتز كل منا بالأخرى. أكثر ما أثار انتباهي فيها هو حبها لطفلتها وطريقة معاملتها لها…
…..
لم تكد عبير تغادر كالفورنيا وتصل إلى مشيغان حيث تعيش، حتى اتصلت بي تشكرني على الوقت الذي خصصته لها، وتشكو ألما كاد يخترق فؤادها، وينخر نقي عظمها. الما سببته ردة فعل اصدقائها ومعارفها على زيارتها لوفاء سلطان التي باختصار “تفسد الأخلاق”!!!
…..
أحب أن اطمئن أصدقاء ومعارف عبير في كل مكان، بأنهم لم ولن يستطيعوا أن يؤثروا على نعل في حذاء وفاء سلطان… وبأن كل امرأة عربية، مسلمة أو غير مسلمة، ستحمل عاجلا أو لاحقا جزءا مني، جزءا محفورة عليه شيفرا أخلاقي ومبادئي وملامح هويتي الإنسانية والثقافية.

القضية قضية وقت، شاؤوا أم أبوا!

عندها، وعندها فقط ستساهم هذه الجواهر السلطانية المتناثرة بين النساء العربيات، ستساهم مجتمعة في خلق بشر جديرين بالحياة، كما هي اليوم عبير، وكما ستكون ابنتها لاحقا…
…..
لعبير، ولكل انثى تؤمن بذاتها العليا وبقدراتها، وعبر أثير الفيس بوك
أرسل أطنانا من محبتي وتقديري واحترامي.
……
……
……
وفوق نقطة العنبر في صحنها المرمر أطبع أحلى قبلات أم لابنتها!

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.