وضاح شحادة يكحي قصة أبو فؤاد الحلبي

الكاتب السوري وضاح شحادة:

وضاح شحادة: من إيحاءات كتابي
أبو فؤاد الحلبي
في عام 1969 تعرفت على شخصية فذّة ماتزال ذكراها في مخيلتي لبساطتها الظاهرية وذكائها المفرط. أبو فؤاد الحلبي مقاول ثانوي لنقل الأتربة في مشروع أوتوستراد المزة غربي دمشق والذي كنت أديره، أميٌ لايقرأ ولا يكتب بالرغم من براعته بعدّ المصاري (النقود).
كان أبو فؤاد يملك آلية حفر (تراكسكافيتر) وثلاث شاحنات قلاب وسيارة فيات صغيرة لاستعماله الشخصي. فريق عمله مؤلف من صهره (زوج ابنته) سائقاً لآلية الحفر، وأولاده الثلاثة سائقي الشاحنات. العمل المكلّف به ترحيل التربة الزراعية وغير الصالحة لأعمال الطرق من موقع الأوتوستراد والتخلص منها وتوريد تربة صالحة لأعمال الطرق. ونظرا لجودة تربة منطقة المزة كان أبو فؤاد يتعاقد، كلما سنحت له الفرصة، مع أصحاب المحاضر (قطع الأرض المخصصة للبناء) القريبة من الأوتوستراد، والتي تحتاج للحفر، ليقوم بذلك بسعر مخفض ينافس به الغير لأنه سيتقاضى قيمة الأتربة الناتجة عن الحفر حين توريدها لموقع الأوتوستراد.
قبل ظهر كل يوم خميس موعد محاسبة أبو فؤاد. ومع مرور الزمن ازدادت الثقة المتبادلة بيني وبينه وأصبح يقبل بحسابي لأعماله دون مناقشة، وكنت أقوم بذلك دون تذمّر بانتظار أن اسمع إحدى طرائفه التي تنم عن ذكاء فطري.
قال لي أنه يفضل استخدام أفراد عائلته لثقته بهم، ولم تكن هذه الثقة مطلقه. اوقات عمله من الساعة السابعة صباحاً وحتى الرابعة بعد العصر دون توقف. وبالإضافة لمهمته كمشرف ومتابع للعمل متنقلاً بين المواقع بدون كلل، كان يحضر سندويشات الفلافل أو الشاورما لصهره وأولاده ليتناولوها دون التوقف عن العمل. وحوالي السابعة مساء يجوب على شاحناته الواقفة بجوار بيوت أولاده الثلاثة ويستخدم عصا ليقيس بها مستوى الوقود في خزان كل شاحنة ثم يذهب للنوم في بيته. قبل صلاة الفجر، يعيد الكرّة ويقارن المقاييس المؤشرة على العصا كما يتفحص حرارة محركات الشاحنات، فإن ثبت له أن منسوب الوقود قد اختلف في إحدى الشاحنات كما سخن محركها فالويل لسائقها. ويستطرد أبو فؤاد بالحديث قائلاً أنه لا يقوم بمعاقبة السائق لأنه إبنه، بل يكتفي بأن يفرض عليه مشاركته بإيجاراستخدام الشاحنة ليلاً لأي مهمة لم يكن يدري بها أبو فؤاد.


فاجأني مرة قائلاً بأنه قرر تجربة مهنة تجار البناء، حيث قام بشراء قطعة أرض مجاورة للأوتوستراد ليبني عليها بناءً سكنياً مؤلفاً من إثني عشر طابقاً (دوراً) وفي كل طابق إثني عشر شقة، وأنه ينوي بيع الشقق على الهيكل (طريقة متبعة لبيع الشقة بهيكلها دون إكمالها وليقوم الشاري بأعمال الإكمالات والتشطيبات). تصميم البناء يقتضي تزويده بثلاتة مصاعد يخدم كل منها الشقق المجاورة في كل طابق مع جدار فاصل يمنع مستخدمي المصعد من الإنتقال للشقق غير المجاورة. استغربت تصرفه لعلمي أن لا خبرة له في ذلك المجال وكان جوابه على استغرابي (بدنا نطعمي أوقيّة لحمه للأولاد). ناولني مسودّة عقد وقال لي أنه كلف أحد المحامين بكتابتها بعد أن أوضح له ما يطلبه من شروط بالإضافة للنصوص التعاقدية التقليدية، وطلب مني إبداء رأيي بالمسودّة. لفت نظري شرط جعلني أقول: يا أبو فؤاد ما عهدتك مجرماً. الشرط ينص على أن أبو فؤاد لن يقوم بتشغيل أي من المصاعد قبل اكتمال تشطيبات كافة الشقق التي يخدمها ذلك المصعد. قلت له لنفترض أن هنالك مريض بالقلب اشترى إحدى الشقق في طابق مرتفع، فكيف سيعيش إذا لم ينتهي تشطيب شقة أخرى يخدمها نفس المصعد. فتجهّم وجه أبو فؤاد وقال لي: المشكلة ليست مشكلتي ولكنني لن أسمح بإساءة استخدام مصعدي في نقل مواد تشطيبات مثل الدهان والبلاط.
سألته كيف ينوي متابعة محاسبة هذا المشروع. فأجاب أن هذا المشروع لا يختلف محاسبياً عن أي مشروع آخر.
في بداية أي مشروع يقوم أبو فؤاد بشراء ثلاث قطرميزات (أوعية زجاجية) ويضعها تحت سريره. يودع في الأول مقداراً من المال يعتقد أنه يكفي كرأسمال للمشروع، ويبتدئ بالصرف منه فقط. يودع في الثاني أي مبلغ يرد من المشروع. ويستمر أبو فؤاد على هذا الحال مع المراقبة اليومية لتناقص المال المودع في القطرميز الأول وتزايد المال في الثاني. وفي اللحظة التي يتساوى المبلغان في القطرميزين الأول والثاني، يبدأ بإيداع الواردات في القطرميز الثالث وهذا ما يعتبره صافي الأرباح. ولكن إذا فرغ القطرميز الأول و اضطر للصرف من الثاني فهذا ما يدعوه للإنتباه. وفي حال انتهى المال الموجود في القطرميزين الأول والثاني قبل نهاية المشروع فلا يصرف من الثالث ويعتبر ذلك دليل شؤم وبأن المشروع خاسر ويجب التخلي عنه فوراً.
لم يفسح لي أبوفؤاد مجالاً للاستيضاح أو الإعجاب إذ كان على عجل ليغادر المكتب وهو يردد جملته المأثورة (بدنا نطعمي أوقيّة لحمه للأولاد).
كتابي “ذكريات مذهلة في بلاد نامية” متوفر pdf مجاناً (لتتم قراءته بواسطة الكومبيوتر أو الهاتف المحمول أو التابلت) ويمكن لمن يرغب باقتنائه أن يرسل لي عنوان بريده الإلكتروني (الإيميل) أو رقمه على الواتساب.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.