وسائط تكريس الجهل!

سناء العاجي
اعتذار فيسبوك جاء خلال اجتماع افتراضي مع رئيس الحكومة الفلسطينية.
مواقع التواصل الاجتماعي يفترض أن تلعب دورا في إغناء النقاشات.
أنا جاهل. لكن، لا يهمني أن أتعلم، بقدر ما يهمني أن أستعرض جهلي! هذا للأسف ما أصبحنا نتابعه على مواقع التواصل الاجتماعي.

دمقرطة التواصل والتعبير عبر هذه الوسائط جعلت عددا من الأشخاص لا يخجلون من تعرية جهلهم بكل عنجهية وثقة.. أو لعلها فضحت أمر أشخاص كان لهم هذا السلوك وما كنا بالضرورة نصادفهم في حياتنا اليومية.

نحتاج هنا، ربما، لاستحضار مقولة أمبرتو إيكو الشهيرة: “مواقع التواصل الجديدة تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى، ممن كانوا يتكلمون في البارات فقط بعد تناول كأس من النبيذ، دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن، فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل. إنه غزو الحمقى!”.

من حق الجميع أن يعبر عن نفسه، لأن هذا يغني النقاش العمومي ويطور الأفكار. لكن الذي يحدث الآن، للأسف، أن الكثيرين يعبرون عن جهلهم بكل أريحية وثقة وبدون أدنى إحساس بالحرج.

1\ كأن يعلق أحدهم ويناقش ويحتج.. بناء على عنوان المنشور فقط ودون أن يكلف نفسه عناء قراءة المقال المقصود أو مشاهدة الفيديو المعني.. وحين تسأله، يرد بكل ثقة: “لا أحب فلان ولا أقرأ مقالاته\لا أشاهد حواراته”.

من حقك طبعا أن لا تحبه وأن لا تقرأ مقالاته أو المقالات التي تنشر عنه. لكن، أن تعلق وتسب وتحاجج وتتهم دون قراءة وأن لا تجد حرجا في سلوكك هذا، هو أمر يجعلك فعلا ضمن فيالق الحمقى التي تحدث عنها أمبرتو إيكو!

2\ كأن يسخر أحدهم من نظرية علمية معقدة ومهمة تعتمدها معظم الجامعات الكبرى، كنظرية التطور، ويختزلها في تفسير تبسيطي ومغلوط مفاده أن الإنسان أصله قرد، وكفى! يسألك:
– “ولماذا لم تتحول باقي القردة لبشر؟ هاهاها”.
– “هل كان جدك “قردا؟ هاهاها”…

لكنه لا يكلف نفسه عناء البحث والاطلاع للمعرفة، لذاته أولا ولإغناء النقاش بشكل رصين ثانيا. ثم، هل يمكننا أن نكون “مع” أو “ضد” نظرية علمية اشتغل عليها الباحثون عبر عقود طويلة، ونحن لم نكلف أنفسنا عناء قراءة مقال علمي واحد بخصوصها؟ الأمر يشبه كونك “مع” أو “ضد” كروية الأرض! (للإشارة، هناك بالفعل، إلى غاية اليوم، أشخاص من ديانات مختلفة ومن جغرافيات مختلفة، لا يؤمنون بكروية الأرض).

3\ كأن يختزل شخص آخر كل النقاشات الفكرية والعقائدية المطروحة في المجتمع في تعميم جاهل، معتبرا أن “كل الملحدين في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يعانون من مراهقة فكرية”. هو يرفض أن يعمم غيره قائلا إن “كل المسلمين إرهابيين”، وهو محق في رفض هذا التعميم… لكنه يعطي نفسه الحق في تعميم حكم إطلاقي على “كل العلمانيين” أو “كل الملحدين” وأن يحاكم النوايا بكل ثقة.

4\ كأن يواجه كل نقاش عن إعادة قراءة الموروث الديني بعبارات من قبيل: “إذا كنتم تعتبرون أن الإسلام يجب أن يتطور ليتماشى مع العصر، فالعلمانية أيضا يجب أن تتطور”.

يقول هذا بكل ثقة وهو لا يدرك حجم الجهل الذي يعبر عنه. أولا، الصحابة أنفسهم طوروا من الإسلام حسب إكراهات زمانهم سنوات قليلة بعد وفاة الرسول. ألم يُلغِ عمر بن الخطاب سهم المؤلفة قلوبهم، وهو فريضة في القرآن؟ أم يقر إرث الجد وهو غير موجود في القرآن؟ وغير ذلك… لكن الأنكى من كل هذا أن العلمانية هي أساسا نتيجة تطور في القيم للمجتمعية؛ والقيم بطبيعتها تتطور حسب تطور المجتمعات. هناك عدد من الممارسات والقيم التي كانت مقبولة في معظم المجتمعات في فترات تاريخية معينة (العبودية، الإعدام في الساحات العمومية، تزويج القاصرات، هيمنة الدين على الحياة العامة، إلخ). لكن تطور بعض المجتمعات جعلها تراجع هذه القيم والممارسات وقيما وممارسات أخرى غيرها. كما أن هذه المجتمعات التي طورت ممارساتها تبقى مفتوحة على تطورات قيمية أخرى قد تدفعها لاحقا لتطوير المفاهيم والأسس التي تأطر المشترك فيها.

هذه أمثلة ضمن أخرى يفترض أن تدعونا لتأمل علاقتنا بوسائل التواصل الاجتماعي التي، بدل أن تساهم في تطوير المعرفة وإغناء النقاشات، وبدل أن تدفعنا جميعا للبحث وطرح الأسئلة، تجعل الكثيرين يستسهلون الأجوبة بوثوقية لا يتقنها إلا الجاهل!

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.