وزيرة الصحة وطبيبات معهد ناصر


الأهرام المصرية
نوال السعداوى

أغلب الناس كانوا يعيشون ويموتون أصحاء، لم يعرفوا الأمراض ولا الأطباء، فالمرض حالة غير طبيعية تنتج عن اللاعمل وفقدان الأمل، أو الرغبة فى الموت، حينئذ تتغلب الميكروبات، والفيروسات، وكائنات طفيلية انتهازية، تنتهز فرصة ضعف الإنسان لتنهش جسده وعقله، عاشت جدتى الريفية، لا أحد يعرف عمرها، تشتغل بفأسها فى أرضها، وتأكل من إنتاجها وعرق جبينها، حتى آخر لحظة فى حياتها.

كان أبى قوى الجسم والعقل، مات فجأة بعد أن أحالته الحكومة الى المعاش، مات واقفا كالشجرة، فى شهادة وفاته لم يجد الطبيب سببا للموت إلا التقدم فى العمر، لكن التقدم فى العمر ليس مرضا فى علم الطب الصحيح، وكان أبى فى الستين من عمره، شابا قويا، يمكنه أن يعيش ويعمل حتى التسعين أو المائة، مثل أمه و ابنته، أنا مثلا، أواصل العمل والإنتاج، بعد أن بلغت تسعة وثمانين عاما.

أطل من شرفة بيتى على مستشفى معهد ناصر، المبنى الأبيض الكبير وحديقته الخضراء، دخلته لأول مرة فى يناير 2011، حين زرت شباب الثورة، بعد أن فقأ عيونهم القناصة فى ميدان التحرير، ثم دخلته مرارا، مع المرضى من الأقارب والأصدقاء، وفى كل مرة ألاحظ تطوره وتقدمه، ونشاط الأطباء الشباب والطبيبات، بمشيتهم السريعة ومعاطفهم البيضاء، والأساتذة المستشارين من مختلف التخصصات، بأعلى الكفاءات، ومدير المستشفى ومساعده وهيئة التمريض، النساء والرجال، تلاشت التفرقة بين الرجل والمرأة فى مجال الطب بفروعه المختلفة، حين تخرجت فى كلية الطب عام 1955 كنت شاذة، معادية للأنوثة، حين اشتغلت بجراحة الصدر، فكيف تمسك المرأة المشرط وتفتح الصدور والضلوع، وكانت مهنة التمريض تخص النساء فقط، مثل تقشير البصل والثوم وغسل جوارب الزوج وسراويل الأطفال.

تطورت علوم الطب خلال القرن الحادى والعشرين تطورا مذهلا، أصبحت الجراحات تتم بالموجات الصوتية دون إراقة قطرة دم ، دون ألم، ينهض المريض واقفا بعد العملية ويعود الى بيته، أصبحت هوايتى أن أعود لدراسة علوم الطب وأتعرف على التخصصات الجديدة، فالصحة هى أغلى ما يملك الإنسان، فى هذا العالم المليء بالجراثيم والفيروسات المتطورة الحديثة، تسبق الفيروسات فى تطورها عقول البشر، وما أن يكتشف الطب علاجا لفيروس حتى يولد فيروس جديد أشد ذكاء وضراوة. أين كانت هذه الفيروسات فى زمن جدتى التى قهرت المرض وعاشت وماتت صحيحة الجسم والعقل؟.

أرى معهد ناصر من نافذتى العالية مثل حمامة بيضاء راقدة بجوار الشاطىء، أتمشى كل صباح على الرصيف الفاصل بين المستشفى والنيل، وقد أدخل الى الحديقة الخضراء لأستنشق عبير الزهور، اشتغلت فى مستشفيات متعددة، منها مستشفى قصر العينى الجامعي، ولم تكن هناك زهرة فى مجال الرؤية، انحدر مستوى العلاج والمستشفيات منذ الانفتاح الاقتصادى فى سبعينيات القرن الماضي، إلا مستشفى معهد ناصر، كيف يتطور الى الأمام رغم ضربات القدر؟

بالأمس القريب كنت أتمشى فوق الرصيف الفاصل بين شاطىء النيل وحديقة المستشفي، أقبلت نحوى مجموعة من الطبيبات الشابات، وجوههن مشرقة بابتسامة الأمل، سرنا نتحدث، أسترجع معهن أيام الشباب فى مستشفى قصر العينى القديم. إحداهن جراحة عيون، متخصصة فى الليزر أو الموجات الصوتية، وأخرى متخصصة فى جراحة المخ، والثالثة متخصصة فى جراحة الوجه والفكين، والرابعة تستأصل الحصوة من المرارة بالمنظار، وأخريات فى مجالات أخري.

قلت لهن: منذ ثلاثة وستين عاما، كانت المرأة تتخصص فى أمراض النساء أو الأطفال أو التحاليل الطبية فى المعامل، وكم تعرضت للسخرية حين اشتغلت بجراحة الصدر، أنتن محظوطات لتشهدن المساواة بين زملائكن فى العمل.

نعم، نحن محظوطات يا د. نوال، لكن المساواة لم تتحقق، إذ يحظى الأطباء الرجال بسكن خاص لهم بالمستشفي، أما نحن الطبيبات فليس لنا سكن خاص بنا، وتضطر الواحدة منا إلى العودة لبيتها فى منتصف الليل بعد الانتهاء من عملها، ثم تأتى الى المستشفى فى الصباح الباكر لتستأنف العمل، بينما زميلها الطبيب مستريح فى سكنه بالمستشفي. ولماذا لا يكون للطبيبات سكن خاص مثل الأطباء؟ لأنه لا يوجد مكان بالمستشفي. ولماذا لا يتم توفير هذا المكان؟ لأنه لا توجد الميزانية، ومن المسئول عن توفير هذه الميزانية؟. وزيرة الصحة… هل ذهبتن إليها؟.. يا د. نوال، الطريق الى الوزراء شاق لأمثالنا نحن الشابات المجهولات.

هكذا أوجه هذا المقال الى وزيرة الصحة د. هالة زايد، لعلها تستمع لصوت هؤلاء الطبيبات الشابات.

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.