ورقةُ يانصيب

لوحة فنية تمثل الشعب السوري

في كل يومٍ تقريباً وأنا أحضِرُ الحمراءَ الطويلة لأبي
كنتُ أُلاحظ وريِّقاتٍ صغيرةً في جيبهِ الدافئ
كنتُ أرى البيوت الفخمة و السيارات الفارهة و الملابس الفاخرة هناك
كلها في جيبهِ العسكريّ الصغير
في كلِ” ثلاثاء “كان يقول لي :
اليوم سأشتري لكَ ما تحب
سأرسلك لروسيا وإن أضطّرَ الأمر لهوليوود لدراسة الإخراج هناك
اليوم سأشتري لأمك غسالة اتوماتيكية جديدة
وخلاط فواكه
سنشتري بيتا يسع كل الأحفاد
وسأطلب انهاء خدمتي العسكرية لأكون سيد نفسي و أكون أنا
سأشتري لكم فاكهة غريبة و حلويات لم تروها بحياتكم
وسنذهب لنحضر حفلة فيروز
وصباح فخري جميعنا
سآخذ جدتك و جدك للحج هذا العام
وسكت …وقال
لا تقلق يا بني سأشتري لكم ما وعدتكم به في الأسبوع القادم
وكانت الأيام والأشهر و السنون تتقدم كالوحش
وأبي مازال ينتظر الأمل
على قطعة ورق صغيرة عمرها أسبوع
مضتِ الأيام ولم يعرف أبي أن الحظ مدبَّر و الأرقام تخون القدر
كنا ننظرُ لعيّنيه كل أسبوع كيف كان يفرح لِما سيقدمهُ لنا
وكأننا ملكنا مانريد
*** *** ****
في أولِ المذبحة السورية
وتحديداً في أولِ الشهداء
أشترى أبي آخر ورقة يانصيب
وقال حينها


لو أني ربِحتُ هذه المرة
سأبيع وطني بثمن هذا الورقة
ولو خسرت هذه المرة سأبيع وطني بلا مقابل
وأشتري قبراً لي في سفرِ الكلمات
قبراً لي في عيونِ الأمهات
قبراً لي في حقائب الناس في البحر
سأشتري لي موتاً غالياً ..غالياً جداً
ثمنهُ هذه الأرض وهذا الجسد الرخيص….
*** *** ***
وخسِر أبي الورقة
وبتنا ننتظر الحظ لا المال
ولا السيارات ولا الشهادات
بتنا ننتظرهُ للقاء و الوداع
للتشيّعِ و الدفن
بتنا ننتظر الحظَ للرحيل
واللا عودة يا أبي ..
كم إشتقت لأن أفتح جيبك العطر و أسرق سيجارة حمراء
كي أواسي غيابك الآن
كنت الحظ لنا
والنصيب لعمرنا
والرقم الصعب فينا
يا حظ مرة واحدة كن معنا
وعد واجمعنا
يا حظ باتت حياتنا ورقة نصيب خاسرة وحظنا هو الغياب والرحيل بين أهلنا
*** *** ***
ورقة يانصيب في جيبك أنا يا أبي
لتفرح بي كل أسبوع و اكسر خاطرك بعدها
لفافة تبغٍ ..حنجورَ عطرٍ ثقيلٍ ثقيل بثقل الأيام التي نمر بها اليوم يا أبي
مسبحةً خضراء بيدك أنا يا أبي تلمسُني كلما أشتقتُ اليك يا أبي
*** *** ***
ورقة يا نصيب توجعني كلما أمرُّ بجانبها هنا في الغربة يا أبي
لتذكرني بك
ما أتعسني اليوم يا أبي
لأبكي على ورقة في جيبك على صدرٍ في جسدك العطر يا أبي
ما أتعسني اليوم …..لأكتب عنك كأنك حظ يغيب ولا يأتي
كأنك سفرٌ لا ينتهي
كأنك بلا عنوان
كأنك بلا ميعاد
كأنك القدر الذي لا يعلمه إلا الله يا أبي كأنك القدر الذي لا يعلمهُ إلا الله يا أبي
ورقة يانصيبٍ خاسرة أنا يا أبي
ورقة يا نصيبٍ يا أبي
#لي
#أبي
Rezan Ali Habash

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.