ورش الفنّ في عصر النهضة بقلم : عضيد جواد الخميسي‎‎

ورش الفنّ في عصر النهضة بقلم : عضيد جواد الخميسي‎‎

أُنجزت غالبية الأعمال الفنيّة الرائعة خلال عصر النهضة في ورش عمل كبيرة ومزدحمة يديرها فنانون ناجحون ؛ ومجاميع من المساعدين والمتدرّبين . في تلك الورش كانت الأعمال الفنية الكلاسيكية تُنجز تلبيةً لطلبات الزبائن ؛ ولكن بميزانية متواضعة جداً . حيث تُعدّ ورش العمل بمثابة ساحة تدريب الفنانين الشباب الذين تعلّموا حرفتهم على مدى سنوات عدة ؛ بدءاً من نسخ الرسومات والتماثيل وانتهاءً بأعمال ربّما حملت أسمائهم .

على الرغم من أن ورش الفنّ غالباً ما كان لكل واحدة منها ” نمط أو أسلوب ” مميّز ؛ إلا أنها كانت تُعد مواقع يتم فيها تجربة الأفكار ودراسة الاتجاهات الجديدة ومناقشتها ، ومن ثمّ توظيفها في الأعمال الفنية التي تتراوح مابين اللوحات المرسومة أو الجداريات الحجرية أوالجصيّة الضخمة والتماثيل النذرية أو المنذورة (الدينية المقدّسة) .

تأسيسها

كان الأشخاص الذين يصنعون الأشكال الفّنية وأعمال الزخرفة والديكور خلال عصر النهضة يطلق عليهم ؛ “الحرفيون” ، والذين نسّميهم اليوم ” فنّانون” ، لأن الفنان كان يُصنّف ضمن جدول أصحاب المهن المعروفة ؛ مثل : الخبّاز ؛ النجّار ؛ الحدّاد ؛ البنّاء، وغيرهم .

كان للفنانين ورش عمل فيها مجموعة متكاملة من الأدوات الخاصة والمواد التي يحتاجونها مثل باقي الحرفيين . ومع تقدم عصر النهضة ابتدأ تمييز الفنانين عن غيرهم من الحرفيين ؛ حيث كانت هناك العناصر العلمية والفكرية والثقافية واضحة في عملهم . على سبيل المثال ؛ معرفتهم بالتاريخ ومراحله ؛ وتوظيف النظريات والقواعد الرياضية في مجال عملهم . إذ كان لايُمنح لقب ” فنّان” في عدد من مناطق أوروبا إلاّ لمن درس المبادئ المتقدمة في فنون الثقافة السبع وهي ؛ “البلاغة ، قواعد اللغة ، الفلسفة ، الهندسة ، الحساب ، الموسيقا ، والفلك”.

يشير هذا التطور والارتقاء بالفنّان من حرفي بسيط الى مرتبة أعلى ، وأن الفنّ قد أصبح عنصراً أساسياً وهامّاً في كيفية رؤية المدينة أو الدولة لنفسها .

خلال عصر النهضة قد تستغرق العديد من المشاريع المدنية وبعض المشاريع الفنيّة الخاصّة مثل “الجداريات” سنوات كُثر لإنجازها؛ وذلك بسبب حاجة بعض المشاريع إلى كميات كبيرة ومتنوعة من المواد واللوازم ، وفريق ضخم من الفنانين الذين عادة ما يعملون تحت إشراف فنّان كبير ومشهور للانتهاء منها في الوقت المناسب . وبالتالي ؛ فعندما يُكلّف الفنانون الرئيسيون بمشاريع كبيرة ؛غالباً ما تُخصصّ لهم مساحة مُحددة لإنشاء ورشة عمل في حال لم يكن لديهم ورشهم الخاصّة ؛ أو إذا كان العمل في الموقع هو أكثر ملائمة .

النحّات ” دوناتيلو “(عام 1386-1466 م) ، على سبيل المثال ؛ تم تكليفه بأعمال نحتية للجزء الخارجي من كاتدرائية فلورنسا ، فجرى تخُصيص مساحة لورشته في إحدى كنائس مدينة دوومو.

تتطلب إدارة ورشة العمل جميع أنواع التعاملات إلى جانب المهارات الفنية . فقد كان على صاحب الورشة امتلاك الخبرة في صياغة العقود وابرامها ، وكذلك امكانيته في إدارة وتدريب العاملين ، وتقييم جودة المواد الخام ، وتخصيص الميزانية المالية المناسبة للمشروع ، مع استثمار نسبة من الأرباح المُتأتية . والشيء الأهم ؛ قدرته على إنجاز أعمال فنّية قد يُفخر بها مستقبلاً .

كانت أعمال بعض الفنانين ناجحة جداً ؛ منهم من أسس ورشتين أو أكثر في مدن متفرّقة ؛ والبعض الآخر لم يحالفه الحظ أبداً رغم عطائهم الفنيّ المتميّز .

لربما كانت مهنة الفّن من المهن المحفوفة بالمخاطر والتي يمكن أن تعرّض صاحبها الى الخسارة ؛ ومن ثمّ الى الإفلاس . إذ حاول بعض الفنانين من تلافي الصعوبات المالية من خلال مشاركة الورشة مع فنّان واحد أو أكثر ؛ حيث تشارك “دوناتيلو” مع “ميكيلوزو دي بارتولوميو” (عام 1396-1472 م) في ورشة عمل مشتركة في بيزا و فلورنسا ؛ وقد سمحت لهم تلك المشاركة من توفير الأموال الكافية لشراء قاربين وبغل لنقل الرخام اللازم في عملهما .

الزبائن

عموماً خلال عصر النهضة ؛ لا تُنجز الأعمال الفنّية في الورش مسبقاً كي تُعرض للبيع لاحقاً ؛ بل يُكلّف الفنانون بصنع قطعاً فنيّة ذات مواصفات خاصة ؛ لأن الأعمال الفنيّة المُصنّعة حسب الطلب كانت باهظة الثمن ، وكان زبائن تلك الورش هم عادةً من : الحكّام والنبلاء ؛ الإقطاعيون ؛ أصحاب المصارف ؛ كبار التجّار ؛ القضاة ؛ رؤساء الأديرة والكنائس ؛ والنقابات . ويمكن لزبائن الطبقة الوسطى طلب أعمال فنية تخصّ مناسبات الزواج مثلاً ؛ أو عند الانتقال إلى منزل جديد يحتاج بعض اللمسات الفنيّة في الديكور والزخرفة .

هنالك إقبال على بعض الأعمال القديمة مثل؛ اللوحات والجداريات والتماثيل الصغيرة التي يرغب المتدينون تركها في كنائسهم المحلية كنوع من العرفان وتسجيل الشكر ؛ لربما بسبب حدث مهم قد أثرّ في مجرى حياتهم نحو الأفضل . وهذه النماذج الفنيّة من الأعمال التي تنتجها الورش ليس لها زبون خاص ، وبالتالي فإنها متاحة للبيع لمن يرغب بالشراء ” Over the counter ” .

بغضّ النظر عمّن كان الزبون ؛ فمن الصعب إرضاءه بشكل عام ، ومهمّة الفنّان كانت تنفيذ ما يريده الزبون بالضبط . ولم تكن تلك الرغبة ثقافة فنيّة قد اكتسبها الزبون من خلال ولعه؛ بل كان للأعمال الفنية أهدافاً محددة مثل ؛ إظهار التقوى والإيمان ؛ أو تجسيداً لمشهد من قصة إنجيلية ؛ أو إبراز لتاريخ مدينة معينة ؛ أو بيان منجزات عائلة حاكمة ؛ لأن في تلك الفترة لم يكن المقصود من الفنّ أن يكون جاذباً من الناحية الجمالية . لهذا السبب ؛ كان على الفنّان اتباع بعض الأصول والقواعد كي يتمكن الناظر من التعرّف بسهولة على الشخصيات الدينية والأسطورية والتاريخية في الأعمال الفنية المعروضة . ولن يتردد الزبون في تحديد مواصفات العمل الفنّي المُراد تنفيذه من أصحاب الورش أو راعي العمل .

الفنانون الذين ابتعدوا عن شروط زبائنهم قد خاطروا بعدم قبول نتاجاتهم ؛ أو استبدالها في حالة اللوحات الجدارية على سبيل المثال. وقد تؤدي بعض المساومات بين الفنّان والزبون إلى إعادة النظر في التصاميم والأجور المُتفق عليها ؛ سواء كان ذلك قبراً لكاهن أو تمثالاً لقائد عسكري .

غالباً ما تنصّ العقود على تاريخ إنجاز محدد ؛ وقد يكون هذا مصدراً آخراً في الخلاف بين الزبون والفنّان . لربما تتضمن العقود أيضاً على بندٍ حول كميّة ومقدار المواد الثمينة والباهظة التي تدخل في تصميم العمل الفنّي ؛ مثل ؛ الذهب والألوان الثابتة ؛ مما يؤدي الى إثارة شّكوك الزبون حول مدى دقّة استخدامها في المشروع . وقد يتعين على العمل الفنّي بعد انتهائه ؛عرضه على لجنة من الفنانين المحايدين لتقييمه في حالة إنجازه لصالح الحكومة ؛ وذلك لضمان الإتقان والجودة .

على الرغم من ذلك ؛ فقد كان بعض كبار الفنانين يضغطون على الحكومة في قبول بعض الأعمال المُنفذّة ، حتى لو كان هناك احتجاجات يطلقها بعض المتشددين عند عرضها على الجمهور. وتعتبر اللوحات الجدارية التي نفذّها الفنّان “مايكل أنجلو ” في كنيسة سيستينا مثالاً جيداً على ذلك ؛ عندما اعترض بعض رجال الدين على مقدار العري في عمله . وتشير الحقائق إلى أن الخروج عن المألوف في الأعمال الفنيّة يتم التفكير فيه بجدّية ؛ لأنه قد يشكل خطورة على حياة وسمعة الفنّان ؛ حتى لو كان مشهوراً مثل مايكل أنجلو ؛ وذلك عند تجاوز الأعراف والتقاليد السائدة آنذاك .

كان هناك تنافس كبير بين مدن إيطالية في تفوّق الفنّ ؛ مثل ؛ فلورنسا ، البندقية ، مانتوفا ، و سيينا . إذ كان من المألوف محاولة الحكّام والسلطات المدنية استقطاب أي فنّان بعيداً عن مدينته عن طريق إغرائه بحوافز مالية واعتبارية ، وإنشاء ورشة عمل جديدة فيها . وكان الهدف من ذلك ؛ هو تعزيز الفنّ في مدنهم كي يعلو شأنها بين المدن المتنافسة . علاوة على ذلك ؛ كان بعض الفنّانين عندما تسنح لهم الفرص في تنفيذ أعمال فنّية تستغرق زمناً طويلاً ؛ يتركونها أحياناً غير مكتملة ، ويتجهون إلى مشاريع جديدة أخرى ؛ وكان لابدّ من إكمال المشاريع المتأخرة عن طريق مساعديهم . إذ اشتهر الفنّان ليوناردو داڤنشي (عام 1452-1519 م) في عدم إنهاء مشاريعه ، حتى أن كبارالفنّانين قد حذّروا بعضهم من هذا السلوك الغير مقبول .

المتدرّبون

لم تكن ورش العمل مجرّد أماكن يتم فيها صناعة الفنون ؛ بل هي مدارس لتدريب الأجيال القادمة من الفنانين . فقد كان المتدرّبون يحذون حذو آبائهم في المهنة ؛ ولكنه ليس شائعاً مثل الحرف الأخرى . إذ يُرسل الأولاد الذين لديهم موهبة فنيّة إلى ورشة صاحبها فنّان مشهور.

النحّات الشهير”لورينزو گيبيرتي” (عام 1378-1455 م) كان يمتلك ورشة عمل كبيرة في فلورنسا ؛ وعمل لعقود من السنين على أبواب معموديتها . إذ تتلمذ العديد من الفنانين على يديه وبعد ذلك عملوا مساعدين له ، لا سّيما النحّات “دوناتيلو” ؛ والرسّام “پاولو أوچيلو” (عام 1397-1475 م) .

في مثال آخر؛ قام الفنان الفلورنسي “أندريا دل فيروچيو” (عام 1435-1488 م) بتدريب كل من “پیترو پيروجينو” (1450-1523 م) ؛ و “ساندرو بوتيچيلي” (عام 1445-1510 م) ؛ و “ليوناردو داڤنشي” (عام 1452-1519 م). وبدوره قام پيروجينو بتدريب الرسّام والمهندس المعماري “رافائيل أوربينو” (1483-1520 م) في ورشته عند مدينة پرّوجا . وكان الفنانون في عصر النهضة على دراية بما ينتجه المنافسون لهم ؛ سواء في مدنهم أو المجاورة لها .

كان المتدرّبون جميعهم من الأولاد الذكور تقريباً (من حين لآخر يقوم فنان بتدريب ابنته الموهوبة) ، ويتم قبولهم في سن الحادية عشرة أو في أوائل المراهقة . يستمر التدريب عادة من ثلاث إلى خمس سنوات ؛ ويمكن أيضاً أقل أو أكثر من ذلك ؛ اعتماداً على قدرة المتدرّب وتقدّمه. وكان يُمنح للمتدرّب الطعام والسكن والملبس وبعض الأجور القليلة أحياناً .

يبدأ المتدربون القيام في مهام الأعمال الروتينية اليومية البسيطة ، وبعد فترة من الزمن يتعلمون صناعة فرش الرسم من شعر الخنزير ؛ ثمّ ينتقلون الى مرحلة تحضير المواد اللاصقة ؛ وطحن الأصباغ في أحواض الرخام . بعد ذلك تأتي بعض الأعمال الأكثر أهمية ؛ مثل خلط (الجسو gesso) ؛ وهو مزيج تقليدي لمادة لاصقة من الغراء الحيواني ( عادة ما يكون غراء جلد الأرنب) ، مع الطباشير( البورك) ، بالإضافة إلى صبغة بيضاء . وكذلك يقوم المتدربون في تلك المرحلة بصناعة الجبس وإعداد اللوحات القماشية .

تظهر المهارات الفنيّة الحقيقية للمتدربين من خلال الرسم باستخدام الفحم أو الحبر ، والتي تمّ التركيز عليها بشكل كبير في عصر النهضة. إذ نسخ المتدربون أعمالاً غير متناهية من الرسومات التي أنجزها الآخرون . وعند تقدمهم أكثر ؛ يُعهد إليهم برسم أشكال مجسمّة جديدة ثلاثية الأبعاد . أمّا المرحلة الأخيرة ؛ كانت الرسوم تُنفّذ عند العروض الحيّة ( المودل ) ، بأزياء مختلفة يرتديها المتدربون كي يرسمون بعضهم البعض الآخر . حيث غالباً ما يرتدي المتدربون أزياء الرعاة أوالملائكة ؛ أو بدون ملابس (عراة ) ، أو يرتدون ملابس تسمح للفنان بإتقانه تجسيد طيّات الملابس .

كان هناك مصدراً آخراً لإثبات مهارة المتدرّب وهو؛ رسم الجثث الميّتة والأطراف المقطوعة ، والتي يمكن الحصول عليها من عيادات الأطباء في مناطقهم . اعتبرت هذه الطريقة ذات فائدة للرسامين والنحاتين كي يتمعنوا شكل العضلات البشرية بشكل أفضل ؛ و ليتمكنوا من تمثيلها بدقة في أعمالهم الفنيّة . كما تم تنظيم رحلات الى خارج المدينة وحولها لرسم المباني والأشجار والطيور. كما أوصى ليوناردو داڤنشي ذات مرة؛ “أي فنّان يحترم نفسه ؛ عليه أن يحمل معه دفتراً للرسم دائماً ؛ كي يكون جاهزاً لاقتناص فكرة جديدة ومثيرة للاهتمام “.

خلال عصر النهضة ؛ كان من الشائع أن يتعلم المتدربون المهارات عبر وسائل الفنّ المختلفة مثل ؛ الجداريات الجصّية ، و لوحات الرسم باستخدام ” تيمبيرا” ؛ وهي طريقة تلوين سريعة الجفاف ؛ حيث تتكون من صبغة ملونة مخلوطة بمادة صمغية لاصقة ذات وسط مائي، وفي الأغلب يُستخدم فيها صفار البيض أو الأصباغ الزيتية . ويتعلّم المتدرّب أيضاً؛ النحت والنقش في الحجر والمعادن ، وأعمال الفسيفساء ، وأسرار الصياغة . كما يتعلم الفنانون الشباب المهارات العلمية والعملية في صهر وصبّ المعادن مثل البرونز ، وكيفية تجميع أجزاء ذلك العمل النحتي في كتلة فنيّة واحدة . تعلموا أيضاً ؛ تقنيات الصقل والتلميع chasing ؛ وطلاء الأعمال النهائية . كذلك تعلموا طرق مزج الألوان ؛ ودرسوا تقنيات مثل ؛ الاستخدام المتباين للضوء والظل chiaroscuro ؛ والانتقال من اللون الفاتح إلى ألوانه الداكنة المتدرجة sfumato ؛ وعن كيفية التحقق من الإحساس بالمنظور عند المشاهدة .

أخيراً وقبل كل شيء ؛ سيتعلم المتدرّب الخطوات الفنية المميزة التي يقوم بها صاحب الورشة ؛ وأن يتبعها كي يرتقي سلّم النجاح .

المساعدون

بعد أن تعلّم المتدرّب كل المهارات المذكورة أعلاه ؛ يتخرج ويصبح مساعداً، ويحصل على أجرٍ كامل . عند ذاك ؛ يمكنه العمل نيابة عن صاحب الورشة الذي يضع توقيعه على العمل الفنّي النهائي ؛على الرغم من أن بعض العقود تنصّ على جوانب مهمة في العمل الفنّي ؛ وعلى صاحب الورشة إنجازها بنفسه . إذ يمكن الوثوق بالمساعد الموهوب في تنفيذ الأجزاء الثانوية من العمل الذي كان أستاذه قد بدأ به . على سبيل المثال ؛ أطراف كائن حي ( إنسان أو حيوان ) ؛ خلفية مشهد ما ؛ أو تشكيل أوراق الأشجار المذهبّة .

أمّا المساعدون الأقل موهبة ؛ قد يتم تكليفهم بمزيد من المهام البسيطة مثل ؛ إضافة بعض النقوش والزخارف السهلة إلى الأعمال الفنّية ؛ وهي ممارسة شائعة جداً في عصر النهضة .

قد ينضّم المساعدون إلى نقابة الفنانين في مدنهم ؛ وبالتالي يمكنهم إنتاج أعمالهم التي تخصّهم لوحدهم ، حتى وهم لا يزالون يعملون لدى ورشة عمل فنّان مشهور، كما حصل مع ليوناردو داڤنشي في بداية حياته المهنية .

أمّا إذا أرادوا إنشاء ورش خاصّة بهم ، فعليهم قبل كل شيء تقديم “عمل فني راقي “، وعند الموافقة عليه في نقاباتهم المحليّة قد تمنحهم الحق القيام بذلك بعد دفع الرسوم المطلوبة .

مجموعة أخرى نادراً ما يتم ذكرها ولكن تم توثيقها في أنها موجودة ، وهي مجموعة العبيد ضمن فريق ورش العمل . على عكس المتدرّبين أو المساعدين ، فهم لا ينالون أجوراً على أتعابهم . وقد كانت أعمالهم خدمية فقط ، إذ تقتصر مهامهم على التحميل والنقل والتنظيف . وبعضهم من كان يملك موهبة فنيّة فيتدرّب على بعض الفنون وينتج أعمالاً خاصة به .

الإنتاج الواسع والتقليد

على الرغم من كل هذا الاهتمام في تعليم الفنّ نظرياً وعملياً ؛ أصبحت العديد من الورش مصانعاً للفنون المتنوعة ، ومعظم إنتاجها لم يكن التحف الفنيّة التي نراها اليوم في متاحف العالم ؛ بل كان هناك المزيد من النقوش والزخارف والتماثيل واللوحات في الكنائس الصغيرة والمنازل الفخمة وعلى واجهات المباني .

لوحظ ان ورشة پيروجينو على سبيل المثال ؛ قامت بتصنيع القطع الفنيّة التي كانت توضع خلف عتبة مذابح الكنائس (Altarpiece ) ؛ مع مجموعة كبيرة جداً من أعمال نحتية لأصابع ورؤوس وأطراف ؛ وغيرها من النماذج ؛ متبعة في تصميمها كتالوگ قياسي للرسومات .

كانت تلك الأعمال مصنوعة يدوياً وبجهود فردية ؛ ويتم من خلالها إنجاز أعمال فنية شبه متكاملة من خلال التجميع ( Assembling ) . ويُعدّ هذا النهج طريقاً إلى بوابة الفنّ في إنتاجه الواسع آنذاك . بيد ان هذا التوجّه قد تعرّض لأشد الانتقادات من قبل عشّاق الفنّ الرفيع . لكن تلك الأعمال الفنيّة المتواضعة كانت طريقاً للتجارة بالنسبة للمتدرّبين .

هناك طريقة أخرى لزيادة إيرادات الورش ؛ وهي إنتاج أعمال فنيّة منقوشة على ألواح نحاسية . هذه الأشياء أصبحت شائعة بشكل متزايد عام 1470م وما بعده . ولم تسمح تلك الفكرة فقط للطبقة المتوسطة أو لما دونها في اقتناء قطعة واحدة أو أكثر ؛ ولكنها ساعدت أيضاً في نشر الأفكار الفنيّة في جميع أنحاء أوروبا . حيث قام فنانون مثل “آلبريخت دورر” (عام 1471-1528 م) ؛ بعمل مخططات مرسومة (sketches) لأعمال فنية تعود إلى فنانين معروفين ، وكان مستوى الحرفية المستخدمة لإنتاج تلك النقوش عالي جداً .

كانت بعض الورش المشكوك في نشاطها الفنّي تجني مكاسب كبيرة من خلال إنتاجها للآثار المزيّفة. وعندما كان هناك طلب كبير على الآثار الفنيّة المصرية والاتروسكانية ( حضارة ايطالية تاريخها عام 900 قبل الميلاد ) ، وكذلك اليونانية والرومانية ؛ قامت بعض الورش بإنتاج نسخاً حديثة منها وباعتها على أنها تحف أثرية قديمة . وحتى عندما كانت تُكتشف بعض الآثار في المواقع المحتملة ؛ تتعجّل ورش متخصصة في إضافة نقوش جديدة الى القطع الأثرية الأصلية كي يتسنى بيعها بسرعة . وللسبب نفسه ؛ غالباً ما كانت تضيف أطرافاً وأنوفاً مفقودة إلى التماثيل القديمة، أو إعادة تصميم لبعض الأعمال الفنيّة الأخرى ؛ مما زاد من ضبابية الخطوط الفاصلة بين القديم والحديث ؛ وهي ممارسة تحدّت مؤرّخي الفنّ منذ ذلك الحين .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

گوردن كامپبيل ـ تاريخ أكسفورد المصوّر لعصر النهضة ـ طباعة جامعة اكسفورد ـ 2019 .

جي . آر .هيل ـ التاريخ والثقافة ( عالم الفنّ ) للنهضة الإيطالية ـ ثامس وهدسون للنشر ـ 1985 .

مايكل وايت ـ رفقة كامبريدج لعصر النهضة الإيطالي ـ طباعة جامعة كامبريدج ـ 2014 .

ديڤيد راندل ـ موسوعة هچنسون في عصر النهضة ـ هودر آرنولد للنشر ـ 2000 .

جون پاوليتي ـ فنّ عصر النهضة في إيطاليا ـ پيرسون للنشر ـ 2011 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.