وحيدا على ضوء يعسوب….

الاديبة السورية سوزان محمد علي

وحيدا على ضوء يعسوب….نص قديم لي، يذكرني بي.
لا تلمني، لا تلم الخزانة ولا معطفك المعلق كمشنقة في الزاوية، لقد ملّ الشحوب من هلاوسك واكتفى بنفسه، وعندما كنتَ تكذبُ على أصدقائك وتدعي الفوضى والمرض، كانت اللوحات المعلقة تتذكر رسامها بألم وتباعد البياض بين فراغها، وعندما كنتَ تشرب حبوب المنوم، كانت الأريكة تضرب جسدها وتتجهز كي تدخل منامك وتحميكَ، من أرجوحتكَ الصدئة.
تعودتْ ستارة الصالون على حياتكَ، فلا تطالبها بالأمومة الآن، ولا ترنُ إليها كعجوز، فلقد كبرت معك أكثر من عمرها الحقيقي، وليس في بالها شيء غير أن تنتهي مستورةً دافئةً في بيتها.
وأنت تدوس العتم، دونما صديق أو زوجة أو سكين، ثق بهذه الموسيقى التي أعطتكَ سرها، فالموسيقى أقدم منك، هي لا تعرف الغيوم، لا تحفظ أي وجه، ولا تغادر بحقيبة أو تحتاج إلى سنونوة تنتظرها في الربيع، إنها تنتشر وتتوزع كعاصفة، كمن ينتحر مصفوعًا بقلبه، وفي اليوم الذي داخت الموسيقى في رأسكَ وأنقذتكَ، أتذكر؟ كان يومًا صيفيًا، وكنت تضع مسدسًا في رأسكَ وتصغي إلى خفقان الريح في حمّالة صدر سوداء، فوق حبل غسيل جارتكَ الوحيدة.
الثلج يتساقط في الخارج، وعصافيرُ صغيرةٌ تحدق في ظهركَ المطعون، وأنتَ تمسكُ دفتر هاتفكَ وتلفظُ الأرقام بصوتٍ عالٍ، تتمرنُ على النسيان، وتحاول تذكر آخر رقم طلبته، تستعيد اللهفة، يقاطعكَ الثلج مرةً أخرى، ويخرمش عصفوره على نافذتك، ولكنك حزينًا تدخل الضباب بمزمار مكسور وبحة صوتٍ تقول: أعبد عظامكَ.
أنت الآن لا ترى جريمتكَ في الخارج، تتنفسُ بصعوبةٍ، تبلعُ ريقك وتختنق وكأن في فمكَ سمكة، تريدُ أن يرنَّ الهاتف فيرن، تريدُ أن تسمع صوتًا أليفًا فتسمع ذاك الصوت، تريدُ أن تذوّب نبضكَ في نبض المسافة الهشّة، فيذوب وينسحقُ ويصير عشًّا، ثم تريدُ وبكلّ ثقةٍ وحزنٍ وكبرياء أن يكون للصوت القادم بيتٌ ودرجٌ وسرير، فتسمع صوت أيائل وشرارة حطب وقهقهةً تركض.
لقد بقي كل شيء في أذنك طريًّا إلا لحظة الحب تلك، تطالبها بالعودة بالأكل والشرب والنوم، بدأتَ تبحثُ عن جعبة لليد، اليد ذاتها التي أحببتها وهي تلوح عارية في الطرقات.


أنت شهيّ لكنك لا ترى أثركَ، وحضوركَ سؤال مكرر عن عينيك، جاءت الحرب كي تعلمّك هذا، وصدقني لا دخل للندبات في لون ثيابكَ، صدقني ليست الأغاني في حنجرتك اليابسة، هي من وضع سريرك تحت النافذة.
في كفّة ميزان تجلس نشوتكَ، تصعد وتهبط أمام بجعات بحيرة خضراء، وفي الكفة الأخرى وضعتْ لك العزلة جوربيها، وقفزت كي تعيشَ موتها، ولن تستطيع رؤية شجرة الكينا كما في الماضي، سكرى هائمة، فقاعة أوكسجين، سلة ظلال برية.

This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.