وحشة شوارع #دمشق وقسوتها ما بعد الحرب… سكّانها يتحدثون

منى حلّاق: موقع رصيف 22

سنة وبضعة أشهر مرّت، منذ إعلان دمشق انتصارها في حربها مع الجماعات المسلحة التي كانت تتمركز في ريفها، توقفت أصوات الحروب التي اعتاد السكان سماعها طيلة سبع سنوات مضت، كما توقف سقوط الصواريخ وقذائف الهاون التي طالت معظم أحيائها، وارتفعت بالمقابل أصوات الفقر والحاجة أكثر، زال عنهم هاجس خطر المعارك لتتفاقم بعدها هواجس الأمور المعيشية، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمرّ بها البلاد. حقيقة دمشق بعد الحرب لا نجدها إلّا بخيارات البحث عنها بكل الطرق المتشعبة ووجهات النظر المتباينة، فبدأنا ببحثنا عنها من الشارع، فهناك نستطيع رؤية الواقع بكلّ تجرّد بدون تجميل.
من قلب الشام، (كما يحلو للسوريين مناداتها) بدأنا، تحديداً عند تقاطع سوق الهال القديم بنهاية حي العمارة وشارع الثورة، ازدحام يومي خانق للسيارات والعربات والناس، البسطات المتنوّعة والباعة الجوّالون ينتشرون في كلّ مكان، إضافة لبعض النسوة اللواتي يبعن الخضار والفواكه الموسميّة، بعضهنّ ينادي بصوتٍ مسموع عن الأسعار لتشجيع الناس على الشراء، إلّا أم ابراهيم، الأرملة الخمسينية، تجلس بصمتٍ وأمامها سلال من ورق العنب “الفرنسي” وبعض الفطر الأبيض، أقتربُ منها فتبقى صامتة، أسألها لماذا لا تنادين على الأسعار كباقي النسوة، تزيح منديلها الأبيض قليلاً عن فمها وتقول: “يلي بدّو يشتري عنجد رح يسأل” تبتسم وتضيف: “هي الحقيقة فالرّزقة مقسومة”، تأتي أم ابراهيم إلى هذا المكان منذ 8 سنوات تقريباً، عقب مغادرتها لبيتها في بلدة كفربطنا في الغوطة الشرقية، بعد مقتل ابنها البكر إبراهيم، الذي كان مقاتلاً مع إحدى المجموعات المسلّحة، لتقرّر بعدها المغادرة إلى منطقة صحنايا لحماية بناتها الثلاث من الاشتباكات في الغوطة الشرقية، عن أحوالها بعد إعلان دمشق النّصر منذ ربيع العام الفائت تبتسم وتقول : “يلي صار صار وأنا ما بفهم بهالأمور، خدي شوية ورق عنب طري وتازة متل هالنصر، وبراعيكي فيه”.


حقيقة بحثنا عن أحوال دمشق بعد الحرب كانت قاسية كأحوال الناس في البلاد
نلمح أثراً آخر “لحقيقةٍ” مغايرة على كرسي متحرك، فنتبعها في زحمة هذا الشارع المختنق بدخان السيارات وغضب المدينة المتعبة، وصولاً الى “سوق الحرامية ” و”سوق الكهربا”. فوضى وصراخ وتسجيل صوتي بجودة سيئة يصدح من البسطات: “أي قطعة بـ 200 ليرة يا بلاش والبوط بألف” يعاين حسام الحذاء بإعجاب ويفكر بشرائه لاقتراب موعد تركيب قدمين صناعيتين له، بعد أن تبرّعت إحدى الجمعيات بتركيبهما ويقول ساخراً: “سيبدو رائعاً مع الأقدام البلاستيكية بس أهم شي ما يزحلط”. مضى 4 سنوات على آخر حذاء اشتراه حسام، قبل أن يُصاب بقذيفة هاون في دمشق القديمة، بعد أن كان متجهاً لمكان عمله في أحد المحلات التجارية في سوق العصرونية، ليدخل بعدها بمرحلة اكتئابٍ شديدة استطاع الخروج منها مؤخراً، يقول حسام: “الحقيقة إنني اليوم عاجز جسدياً لكن صاحب المحل “أبو علاء” الذي أعمل فيه أصرَّ على استمراري بالعمل، ولم يقطع راتبي أثناء مرحلة العلاج، حتى إنه تكفّل بجزء من تكاليف علاجي على نيّة عودة ابنه الذي خُطف بداية الأحداث ، فالحقيقة أيضاً أن الخير مازال موجوداً في حياتي رغم خسارتي الفادحة، تُرى من منّا خسارته أكبر، أنا أم أبو علاء؟”. أمّا عن رأيه بواقع دمشق اليوم بعد الحرب فأجاب بلهجته الساخرة: “دعيني أشتري هذا الحذاء اللّقطة لأركض معانقاً هذا الواقع، أو ربما لأضربَه بهِ إذا لم يتحسّن اقتصادياً”.
يقاطعنا حسين بعد أن استمع لحديثنا قائلاً: “خسرتُ أخي حسن شهيداً في شباط/ فبراير 2012، في بلدة يبرود بالقلمون، وقد كان مقاتلاً مع إحدى القوات الرديفة للجيش السوري في هذه الحرب، الخسارة كبيرة ولا تعوض لكن البدائل كانت غير مقبولة، والتضحية كانت من باب دفع الشرّ بشرٍّ أقل، لكن الندم والخسارة الحقيقيين عندما نرى استغلال الثغرات والفساد المنتشر والخطاب المرتبك للمؤسسات والأداء الضعيف المُحبط، مازلت احتفظ ببعض الأمل لأن الأكثرية اليوم هم من الفقراء والمتعبين، ولا بديل عن خطوات لتحسين الأمور لامتصاص الغضب الحانق”.
لسان حال الشارع السوري اليوم بات طليقاً تجاه الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، فبعدما كان الوضع الأمني هاجس السوريين لسنوات، ورغم سيطرة الجيش السوري على معظم أراضي البلاد، إلا أن الهموم الاقتصادية باتت تُثقل كاهل الشعب، التذمر وعدم الرضى عن الأوضاع المعيشية وطوابير الانتظار الطويلة للحصول على مستلزمات الحياة الرئيسية، عدا عن قطع الكهرباء والبطالة، وتراجع سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي، الحجّة الأولى التي يبرر بها التجارُ الارتفاعَ الجنوني المتلاحق للأسعار، في حين ترزح الشريحة الأكبر من الشعب تحت خط الفقر بنسبة 83%، وفق آخر تقرير للأمم المتحدة عن سوريا 2019، والذي رصد الاحتياجات الإنسانية.
حقيقة دمشق بعد الحرب لا نجدها إلّا بخيارات البحث عنها بكل الطرق المتشعبة ووجهات النظر المتباينة، فبدأنا ببحثنا عنها من الشارع، فهناك نستطيع رؤية الواقع بكلّ تجرّد بدون تجميل
المشاهدات من شوارع دمشق لا تنتهي، ولا يمكن اختصارها ببضع شوارع وأمثلة، من غير الدخول إلى الأحياء الشعبية والضواحي الأكثر بؤساً، الوجوه المتعبة لا تحصى والعيون السارحة في اللاشيء كثيرة
بالعودة الى واقع الشارع السوري، كان لا بد من المرور تحت جسر الرئيس، وهو المنطقة الواقعة بآخر شارع شكري القوتلي والذي يعرف بشارع المعرض، مكان وجود فندق الفورسيزونز الأفخم في المدينة، والمتوسط لعدة مناطق هامة وحيوية كالبرامكة، منطقة تجمّع العديد من الكليّات السورية، ومبنى جامعة دمشق العريق مجاوراً التكية السليمانية، وقريباً من أحياء دمشق الراقية كأبو رمانة والمالكي.
تعرّضت منطقة جسر الرئيس وما حولها طوال سنوات الحرب لسقوط القذائف الصاروخية والهاون، تبدو ملامح تعب الشارع السوري وفقره واضحة هنا، وترتفع نسبة البؤس في وجوه من تجده هنا من المثقلين بقساوة الأرض، تجمّع كثيف للحافلات والسرافيس باعتبارها نقطة تجمّع مواصلات عامة لأغلب أحياء المدينة وضواحيها، أعداد كبيرة من البسطات والأكشاك تبيع كل ما يخطر بالبال، أصوات الازدحام غطت على تهامس وتذمّر الناس، فالجميع هنا يعلم أن لكل شيء آذان.
تنام الشوارع في دمشق كل ليلةٍ على تعب وحزن مريديها، ولسان حالها يقول: “لم أكن أبدو يوماً بهذه القسوة، إلا أنها الحقيقة”
من بين عشرات المشرّدين والمتسوّلين ألتفت لامرأةٍ طاعنةٍ في التشرّد تجلس على إحدى درجات الجسر تسأل جميع العابرين: “أديه الساعة؟ وتطلب ممن هم أخف منها بؤساً بقليل ما يسد رمقها، أسأل الباعة القريبين منها عن سبب سؤالها المتكرّر عن الوقت، لأعرف أنها كانت تنتظر عودة ابنها الوحيد الذي اختفى منذ 6 سنوات، وتسأل عن الساعة لتعرف كم من الوقت تأخّر، لينتهي بها الأمر إلى أمراض عقلية دفعتها للبحث عنه في الشوارع والتشرّد. عدد كبير من الأطفال استبدلوا طرق التسول بإقناعك بشراء ما معهم من ورود أو بسكويت رخيص وربما منتهي الصلاحية، البسكويت الذي أصبح بعض سائقي المواصلات العامّة يعطونه للرّاكب لتصفية حساب أجرة الركوب عوضاً عن الخمسين ليرة التالفة، يحدّثني أبو هشام وهو سائق حافلة نقل داخلي: “ما حدا أحسن من حدا، في المؤسسات الاستهلاكية يعطوك كيس ملح بدل الخمسين الباقية، هم يرفعون الضغط ونحن نرفع السكر”. يستعدّ للانطلاق بعد أن أصبح الركّاب في الحافلة متراصّين بكثافة منادياً بصوتٍ عال: “فوتوا لجوا، لسّا في فراغ بالنص”. أسأله: “عن أي فراغ تتحدث يا عم؟!”، يجيب بأسى: “فراغ الجيوب والإحساس” وينطلق.
يلفتني صراخ امرأة على أطفالها بعد أن رموا الغربان الواقفة على سور نهر بردى بحجارة، وترغمهم على مساعدتها في حمل ربطة الخبز وبعض أكياس الخضار، حصيلة تعب يومها في خدمة البيوت، يهدّئها رجل ستيني قائلاً: “طولي بالك عَ الولاد هدول سند لكبرتك لتبطلي خدمة البيوت”. عرفنا منه لاحقاً أنه وحيد بلا سند، بعد هجرة أبنائه الثلاثة وأضاف: “ليس صدفة وجود الغربان بكثرة هنا، فهي تكون بأكثر الأماكن وحشةً وقسوة”.
المشاهدات من شوارع دمشق لا تنتهي، ولا يمكن اختصارها ببضع شوارع وأمثلة، من غير الدخول إلى الأحياء الشعبية والضواحي الأكثر بؤساً، الوجوه المتعبة لا تحصى والعيون السارحة في اللاشيء كثيرة، وحقيقة بحثنا عن أحوال دمشق بعد الحرب كانت قاسية كأحوال الناس في البلاد، بمقدار قهرهم ومعرفتهم بأن هناك في المدينة نفسها من اتخذ من الشوارع والأرصفة مفهوماً آخر، بافتتاح مقاهٍ ومطاعم بالغة الترف، والتباهي بالمرور بسياراتهم الحديثة الفارهة، مدركين حقيقة اتساع الهوّة بين طبقات المجتمع، خاصةً بعد ظهور أغنياء الحرب.
تنام الشوارع في دمشق كل ليلةٍ على تعب وحزن مريديها، ولسان حالها يقول: “لم أكن أبدو يوماً بهذه القسوة، إلا أنها الحقيقة”.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.