وثيقة أهالي قرقوش إلى لجنة الموصل 1925


د. رياض السندي

تمهيد
لا تسقط الدول إلا بالظلم. وواحدة من أدهى ممارسات سياسة الدول العظمى هي دفع الحكومات إلى قمع شعوبهم لقيام حالة الظلم التي تشكل دوماً مؤشراً على قرب سقوط الدولة أو الحكومة، في الأقل. وحوادث التاريخ كثيرة في هذا المجال، وأنظمة الحكم في دول الشرق الأوسط زاخرة بالعديد من تلك الحالات.
وهذا ما حدث مع الدولة العثمانية بداية الحرب العظمى عام 1914، فتعاملت مع تطلعات شعوبها بالقسوة والقمع، مما ولَّد الظلم الذي كان سبباً في سقوط الدولة وإنهيارها وتمزقها.
ويكشف لنا وثائق عصبة الأمم الملغاة والمحفوظة ضمن أرشيف الأمم المتحدة، عن خفايا تلك الحالات، وتفاصيلها الكثيرة والمثيرة.
وهذه هي الوثيقة الثالثة ضمن سلسلة وثائق عصبة الأمم التي دأبنا على نشرها مؤخراً. وهي عبارة عن رسالة وجهها أهالي مدينة قرقوش في أطراف لواء الموصل إلى لجنة عصبة الأمم حول قضية الموصل وتحديد عائديتها، إما لتركيا أو لدولة العراق الحديث، بتاريخ 15 شباط 1925، موقعة من عدد من رجال الدين المسيحيين ووجهاء المدينة.

مضمون الوثيقة
” قد تشرفنا وكتبنا لكم قبلا وطلبنا مواجهتكم وتنازلكم لزيارة قريتنا. والآن نرانا مضطرين لأن ندنو منكم بأحترام وثقة ونعلمكم بأننا ولفيف الذين نتكلم بأسمهم إنما نحن سكان قرية قرقوش القريبة من الموصل وذات الشهرة التاريخية. وإننا من صنف الزراع وأصحاب المواشي. ومن طائفة السريان الكاثوليك ومن القومية العراقية. ونحن نعتقد فيكم حتماً العدل والرحمة لتمثيلكم جمعية عصبة الأمم المحترمة المعروفة كشريعة قويمة ودستور منظم لمهام العالم كله.
بمناسبة وجودكم بيننا مثل حكَم فاحص ومدقق قضية حدود الموصل وما يتعلق بها فمن شأننا أن نرفع إليكم أمرنا معربين عما حلّ بنا من الأضرار في زمن الأتراك وما إحتملناه من جورهم بتوالي الأعوام ولا سيما مدة الحرب 1914-1919 من التعديات التي لا يمكن السكوت عنها بتّةً.


فمع كل خضوعنا لأوامرهم وتحكماتهم الخارجة عن الوسع البشري قد إرتكبوا بحقنا جرائم شتى قد ذُكر بعضها في الجدول المقدم لكم من طيه البالغ 48290 ليرة ذهباً تقاضاها الأتراك بدون رحمة. وقتلوا وأبادوا منا ثلاثين شخصاً ومن جملتهم كاهنين جليلين مع تخريبات أخرى توجب الأسف، حتى أصبحت قريتنا الكبرى المضاهية لمدينة وحاوية من الكنائس فقط نحو السبعة في أشد حالات الاضطراب.
فإليكم يا فخامة الرئيس وإلى لجنتكم الموقرة نرفع شكوى بتألم من مظالم الأتراك ونطلب منكم أن تتنازلوا وتبلغوا رسماً عصبة الأمم المحترمة في جنيف صدى صوتنا الأسيف لتتأمل في مصيرنا وترثي لحالنا وتنصفونا جميعاً بإلزام الأتراك بالتعويض بدل الأموال التي سلبوها والأنفس التي قتلوها منا بسوء نية مجرداً لأننا مسيحيين وعراقيين.
ولا جناح إن قلنا إننا نتعجب كيف إن العالم المتمدن يسكت إلى الآن عن محاكمة الأتراك ومعاقبتهم وتضمينهم ما إقترفوه من الجرائم المدهشة مع الإنسان والكائنات. وعن لزوم أخذهم تحت المراقبة إصلاحاً لنفوسهم غير المنكفة عن السوء.
لعمر الحق إنه لم يسمع قط إن حكومة ما، صنعت برعيتها وأبناءها ما صنعته تركيا مع الأبرياء من الإيقاع والشرور وهذا دليل كافي على إن حكومة الأتراك بعنصريتها التورانية هي غريبة عن هذه الديار ومعادية لعنصريتها العربية وتعمل على إستئصالها. ولا يهمها حياة أو ممات الشعب العراقي، بقاء أو دمار الموصل. ومع ذلك فتبلغ بهم الشجاعة وبالأحرى الجسارة بل ويفسح لهم مجالاً للتشبث بالرجوع ثانيةً إلى هذه البلاد العراقية التي لا حق لهم فيها ولا علاقة طبيعية كانت أو مكتسبة فضلاً عن الذكر الردي وآثار الخراب التي تركوها هنا وإنصرفوا غير مأسوف عليهم. فالتاريخ والعنعنات القومية، واللسان وأدبياته، والعنصرية العربية المنتهية إلينا من الأجداد العظام تردُ تطلباتهم وتُنكر عليهم قولهم. فهذه مقررات المؤتمرات الدولية في مدّة الحرب وبعده مع قواعد ويلسن المعلومة المؤيدة بتصديق وحكم جمعية الأمم نفسها تبطل مدعياتهم وتنبذها بعدما تقرر بالإجماع إن كل أمّة أو شعب ذات قومية عريقة وماضي دولي يحق له الإنسلاخ من حكومة شدّدت عليه الخناق وأعدمتْه التمتع بالحرية والإستفادة من بلاده. وله أن يحيي قوميته ويستعيد حكومته وليستقل في بلاده.
فَمن هو أحقُ منا بذلك نحن الشعب العراقي والتاريخ يشهد والآثار تؤيد بماضياتنا المجيدة. وسيادة دولتنا العربية الراقية المعظمة أجيالاً طوالاً في عهد الخلفاء العباسيين فاتحي الأقطار وممصِّري البلاد.
فماذا يقصد الأتراك من محاولة الرجوع ثانية إلى بلادنا ولا شيء يجمعنا معهم، أهَلْ لكي يكملوا سيئاتهم معنا أو ليواصلوا فينا ضغائنهم ووقائعهم الدموية الوسيفة التي أوقفتها يد الله العادلة وحطمتها بإخراجهم من هنا حاسرين. فنحن نرفض بتاتاً إحتمال ظهورهم بيننا ثانية وتدّخلهم في شؤون بلادنا التي أخذت تتنفس قليلاً بتواريهم عنّا.
ومن جهة أخرى فلا نرضى قَط ولا يجدر أبداً أن ينفصل شيئاً من الموصل ومحيط أقضيتها. لأنه كما إن العراق وضمنه بغداد لا يمكن أن يعيش بدون الموصل. فالموصل يمكنها بتّةً أن تعيش بدون أقضيتها وملحقاتها بما فيها. ولا مندوحة من إسترجاع حدودها القديمة الواسعة المعروفة عند كل جيوغرافي ومؤرخ ذي خبرة وإطلاع الكافلة بصيانة منافعها الطبيعية والإقتصادية والإدارية والسياسية والعسكرية إلخ. وغَني عن البيان إن سكان جبال الموصل هم قوم أكراد لا نسب ولا صلّة لهم مع الأتراك أو للأتراك معهم. ومن قديم الدهور آغاهم مشتركون وتابعون أهل الموصل بإتحاد تام في سائر شؤونهم الاقتصادية والإدارية والإجتماعية. وفوق ذلك فإن فيهم من هم من أصل عربي كالمضري وغيره مثل قبائل المزورية والبروارية فيشهد على نفسه أميرها مفتخراً بأنه من نسل العباسيين.
وبالإفتراض إذا وجد أحد يعود إلى الأتراك فينطبق عليه لا محالة أصول مبادلة السكان الجاري عندهم. فيذهب مِن هنا مَن يريد الإلتحاق بهم ويأتي إلينا من إخواننا الساقطين في بقعتهم وهم يأنون متنهدين من سيطرتهم وشدّة الجفاء وأنواع العذاب الذي يتجرعوه عندهم. فإنهم بلا ريب، إذا ما جرى هذا التبادل مع إخواننا المعتقلين هناك ويمّموا ديارنا فينظر إليهم بصفة من يقدم على حجّ وطني ويكونوا قد أتوا أهلاً ووطئوا سهلاً.
هذا وإن قريتنا قرقوش منذ عرفتْ بقدوم لجنتكم المحترمة يا فخامة الرئيس قد أخذ ينكشف عنها شيئاً من ستر المأتم الذي أنزله عليها الأتراك بتعدياتهم الفظيعة. لأننا كلنا نعتقد بسلامة نواياكم وحسن إستعدادكم بما فيه حفظ بلادنا وصيانة وطننا والرفق بالضعيف ومعاضدة الأقليات نظيرنا التي ما تناقصت ولا قلّت إلا بفتك تلك المظالم. وتأمين حياتنا بعدم السماح لظهور الأتراك مرة أخرى في هذه بلادنا العربية العراقية. وما نحن قاطنوها إلا ساميون عرباً وسرياناً، إسلاماً ومسيحيين يجلّون حكومتهم العراقية ومليكها المعظم ويحترمون الدين ويعبدون الله القادر على كل شيء.
ثم من واجبنا أيضاً أن نعلن بأننا نذكر بالمعروف حكومة بريطانيا العظمى لأنها حافظت على بقية حياتنا وموجوديتنا في تلك الأوقات العصيبة بظهورها بيننا كحليف منقذ ساعة خروج أنفاس الحرب ونجّتنا من القتل العام الذي كان قد هيأه الأتراك. ونشكر لها حسن تعاملها منذ نهاية الحرب إلى حين تشكيل دولتنا العراقية المعظمة. حتى وقد عقدنا معها معاهدة لمدة أربع سنين لفائدة البلاد وعند لزوم الحال فسوف نمدها بقدر الإحتياج. وبهذا كله يبدأ الدور الجديد لحياتنا الاجتماعية والسياسية بحرية الإدارة ورائد الإستقلال حيث نحن الآن مع حكومتنا العربية الجليلة بعناية جلالة مليكنا المعظم بإستراحة تامة وسعادة. ولا نريد تركها أو الإنفصال عنها بوجه من الوجوه لا سمح الله.
وعلى هذا الأمل نتشرف ونقدم لكم يا فخامة الرئيس وبكم إلى اللجنة الموقرة جزيل إحترامنا وعظيم إعتبارنا ونكون لفخامتكم مدى الحيوة.

قرقوش 15 شباط 1925 الداعون الحقيرون
هيئة الرؤساء الروحانيين ومقدمهم في قرقوش
الموقعون على الوثيقة
وقّع على هذه الوثيقة مجموعة من رجال الدين المسيحيين يتقدمهم القس جبرائيل حبش، وخمسة كهنة أخرين يمثلون الرؤساء الروحانيين لأهالي القرية، إلى جانب مختارين لقرقوش هما: سمعان زكو، وعبد الله منصور، بالإضافة إلى (26) أخرين من وجهاء قرقوش وختياريتها، وبذلك يكون العدد الكلي للموقعين على هذا الطلب هو (34) شخصاً. وهم: –
أولا. الرؤساء الروحانيين
القس جبرائيل حبش – رئيس كهنة قرقوش
القس يوسف دديزا
القس إسحاق موشي
القس منصور دديزا
القس يوسف موساكي
القس إسطيفان سكرية

ثانيا. هيئة الأختيارية، الشيوخ ووجهاء القرية
سمعان زكو – مختار قرية قرقوش
بطرس عبدال
كرومي جبو سكرية
جرجس يوسف قاشا
نوح متي قاشا
داود ددو
حنا ياكو
عبد الله منصور – مختار سريان قديم
يوسف بهنان أوسو
بهنان قس متي
كرومي بهنان فرنسو
باجي دديزا
يعقوب توما
ججو القس يوسف
متي حنا حبش
حنا موما
منصور متي إيو
أبراهيم عبا
بطرس شيتو
عبد المجيد بهنان هدايه
يعقوب متي عولو
جرجس بهنان أوسو
موسى جبو
يعقوب جبو
يعقوب موسى حنونا
كرومي هدايه
سمعان فرنسيس
متوكا سمعو

قائمة بأضرار القرية
ضمّت الوثيقة ملحقين لها، تضمن الأول بياناً بالخسائر البشرية التي ألحقها الأتراك بأهالي القرية أثناء الحرب (العظمى) العالمية الأولى 1914-1919، فيما تضمّن الملحق الثاني بياناً بالأضرار المادية وحيوانات النقل والأموال والأرزاق التي أجبرت القرية على دفعها للجيش التركي (الجندرمة) لإدامة الحرب، والتي بلغ إجماليها (48290 ليرة ذهب). وهذا ما سنبحثه بشيء من التفصيل.

الملحق الأول/الأضرار البشرية
جاء الملحق الأول متضمناً الخسائر البشرية بالإضافة إلى أضرار مادية توثيقاً لبعض لحالات محددة، ونصَّ على ما يلي:

الملحق الثاني/الأضرار المادية
أما الملحق الثاني المرفق بالشكوى فقد تضمّن بياناً بالأضرار المادية التي ألحقها الأتراك بقرية قرقوس طيلة سنوات الحرب العامة (الكونية) 1914-1919، مع الطلب إلى عصبة الأمم بالسعي لتحصيل تلك الأموال وإلزام الأتراك بتقديم تعويضات مادية وأدبية (معنوية) عن تلك الجنايات والمظالم الفظيعة التي جرت بحقهم. وكما يلي:

تحليل الوثيقة
إن نظرة فاحصة على الوثيقة المذكورة تثير عدد من الملاحظات، وهي: –
إن الوثيقة مكتوبة بلغة عربية فصيحة وبخط يد أنيق.
إن رجال الدين هم في طليعة الموقعين على الطلب، ما لم يكونوا هم من دعا إليها ووجه بتقديمها. وهذا يعطي مؤشراً على مدى نفوذ رجال الدين -على مختلف الأديان- في المجتمع العراقي.
إنها تعرب عن رغبة أهل قرقوش في ضَم الموصل إلى العراق، وبقائهم تحت سلطة المملكة العراقية.
إنها تتضمن وصفاً شاملاً لإنتهاكات الأتراك ومظالمهم تجاه أهالي قرقوش، حيث بلغ مجمع القتلى (30) شخصاً من أهل القرية، بضمنهم إثنين من الكهنة هما: القس يوسف جبو سكرية والقس بهنام خزيمة ، وثلاثة من المدنيين هما: داود بن يعقوب عيسو وحودي بن فتوحي عيسى، وسمعان بن يوحنا مقدسي شمعون، إلى جانب 25 شخصاً آخرين.
إنها تتضمن جرداً لمعظم الخسائر والأضرار المادية والتي بلغت إجماليها (48,290 ليرة ذهبية)، طالبت الوثيقة عصبة الأمم الشكوى من الأتراك لتعويضهم. وتثير هذه الفقرة بحد ذاتها، جملة من الملاحظات، مثل: –
إن الإدارة الحكومية التركية كانت على قدر كبير من الفساد.
إن الجيش التركي كان يسلب الناس أموالهم وممتلكاتهم، ويفرض عليهم الأتاوات.
إن أفراد مخفر الشرطة التركية (الجندرمة) في قرقوش كانوا مرتشين وفاسدين ويقتلون الناس لأتفه الأسباب، لا بل يأخذون أهالي القرية كلهم بجريرة المذنب.
إن إدارة الجيش التركي كانت تعتمد في تجهيزاتها على أفراد الشعب، فتسلبهم ما يملكونه من حيوانات للتنقل، مثل البغال، وكذلك في توفير العلف لهذه الحيوانات. لذا فإن الخسارة كانت مضاعفة وثقيلة على كاهل الأفراد في ظِل الحكم العثماني.
من الضحك أن أهالي القرية في شكاواهم يطالبون عصبة الأمم بتعويضهم عن الكحول (العرق) الذي إستولى عليه الشرطة من أهالي القرية وشربوه. وهذا يلقي الضوء على واحدة من الممارسات المتناقضة لأنظمة الحكم الديني الإسلامي، والتي نراها واضحة في عراق اليوم في ظِل الحكم الإسلامي.
6. إن طلب أهالي قرقوش، وهم في غالبيتهم من المسيحيين السريان، يفيض بممارسات القمع التي مارستها السلطات العثمانية. وإن ممارسات الدولة العثمانية المذكورة في أعلاه، قد ألحق بها سمعة سيئة، وصلت حد الكره والحقد عليها، وهذا ما أكسب رغبة البريطانيين والعراقيين بالوصاية، في إبقاء الموصل ضمن العراق قبولاً لدى عصبة الأمم والدول الأعضاء فيها، ساعد إلى حد كبير في إتخاذ قرار العصبة الشهير بإلحاق الموصل بدولة العراق الحديث. كما رغب الملك فيصل الأول في دمج ولاية الموصل بالعراق، نظراً لغالبية السكان السنية، وأعتقد أنه بحاجة لها لتحقيق التوازن مع السكان الشيعة. ولولا ذلك، لكان العراق دولة شيعية منذ قيامها حتى يومنا هذا.
وختاماً، فإن إضطهاد المسيحيين ومعاناتهم زمن الدولة العثمانية، ومناشداتهم الكثيرة، كما تدّل عليها رسائلهم، كان لها الأثر الكبير في بقاء الموصل ضمن دولة العراق.
د. رياض السندي
كاليفورنيا 13 تشرين الأول 2019
[email protected]

About رياض السندي

د. رياض السندي دكتوراه في القانون الدولي
This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.