وتشرب من فنجانك..

صورة ارشيفية لمنزل دمشقي بالياسمين

من سنة ونص تقريباً كنت عم اركض لتحضيرات العرس المعتادة..حجوزات وحفلة وموسيقى واضاءة ومعازيم وغيرو وغيراتو من هالقصص يلي ما بتخلص وكفيلة لتخلي أي عرسان يعصبوا ويطوش حجرون.
من بين القصص يلي كان علينا تحضيرها كان في الكروت يلي طبعاً أنا ما بقتنع فيون لأنو آخرتون عالزبالة.. المهم بعد ما اخترعنا شكل الكرت والكتابة وخلصوا طباعة بقيت مرحلة وحدة هي مرحلة تخطيط اسماء المعازيم على الكرت.. وبوقتها جبت رقم خطاط ليقوم بهالمهمة.
دقيتلو للخطاط.. اسمو أبو عيسى.. بيجاوبني صوت وقور ورخيم.. فدغري استنتجت أنو عمو.. دلني على عنوان بيتو واتفقت معو الساعة ١٠ الصبح..
– بتمشي بالقيمرية لاخرتها.. بتلف عاليسار كأنك رايح على مكتب عنبر.. قبل مكتب عنبر في دخلة عاليمين فيها سبيل مي.. بيتي تالت باب بعد السبيل عاليسار.
ما احتاج يعيد العنوان مرة تانية.. الشام القديمة حافظها حارة حارة ونارنجة نارنجة.
كان يوم ربيعي بأذار.. سما صافية وشجر بلش يرجع يخضر.. الناس رجعت تلبس الوان فاتحة.. الخضرجي شال اغطية النايلون عن الخضرة ولفواكي.. محل الشالات بالقيمرية رجع فردهون عالواجهة.. والحلاق عند حمام البكري عم ينشر مناشفو برا.. الشام حلوة بيلبقلها الألوان الفرح والحياة.. هيك فكرت انا وعالطريق لعندو.. ونسيت الوقت ماحسيت اني تأخرت.
عديت باب تنين تلاتة.. باب بني عتيق كتير عليه جرس مكتوب عليه أبو عيسى.. عتيق لدرجة لسا عليه مدقتين.. الصغيرة للنسوان والكبيرة للرجال.. هيك كانو أيام زمان ليعرفو إذا يلي عم يدق رجال ولا مرة ليعرفو مين يبعتو يفتح.. استهوتني الفكرة ودقيت بالمسكة الكبيرة.
نطرت شوي.. سمعت صوت حدا جاية وعم يسعل.. فتح الباب رجال كبير بالعمر لأول وهلة حسيتو جدي.. شعر أبيض مسرح على جنب.. نضارة عضم بنية.. عيون عسلية غامقة فيها طيبة كتير.. ابتسملي وقلي تفضل يا ابني يا ميشيل.
فتت من دهليز قصير معتم بآخرتو ضاوية أرض الديار..
– وين بتحب نقعد
– أكيد هون عمو غير إذا بتبرد..
– لا الطقس حلو اليوم.. بس لا تواخذني الديار مكركبة شوي بس أنا وحداني وما اجت البنت يلي بترتب هالاسبوع.
– ولا يهمك عمو..
– لح اعمل فنجان قهوة وارجعلك
قعدت على كرسي هو أخد صينية كانت على جنب البحرة فيها فنجانين قهوة.. واحد فاضي وواحد مليان.. استغربت بس ما عطيت الموضوع أهمية..وصرت أتأمل البيت..الدار ما كانت كبيرة ابداً.. بس بحرتها الصغيرة والياسمينة على جنب وقطتين صغار عم يركضوا مع بعض كانوا كافيين ليرسموا نفس الضحكة لما فوت عبيت ستي.. ضحكة مو على وجي بس.. ضحكة على روحي.
رجع معو صينية صغيرة عليها الفنجانين وكاسة المي وعرق ياسمين.. وعلبة برازق.
– هي البرازق العريس يلي قبلك من حمص جبلي ياها.
هيك خبرني هو وعم يناولني كاسة المي بإيد يمين عم ترجف.. استغربت كيف بدو يخطط فيا.. حسيت إني بعرفو مع زمان مع أني اول مرة بشوفو.


-طمني عنك.. كيف التحضيرات لعرسك.
-منيحة عمو.. انت طمني عنك.
و عرفت عنو اشيا كتير.. ابو عيسى ختيار عمرو ٨٣ سنة كان يشتغل بدائرة التخطيط بالدولة يعني يرسم مخططات.. ودارس أدب عربي وخطوط عربية.. مرتو توفت من زمان.. عندو صبي متزوج بأميركا وبنت كمان متزوجة بالسويد.. بس طلع عالتقاعد ما كان يقديه الراتب و ما بدو ياخود من ولادو فصار يشتغل بتخطيط الكروت أو لما يجي أي شغل براني يشتغلو وبيعيش على قد ما بيطلع.. كل الحارة بيحبوه وبيحترموه.. متعلم يعمل اكل لحالو بحكم الوحدة.. بوقت فراغه بيروح عالنوفرة ومرات بيلعب طاولة مع رفيق واحد بقيان عايش من رفقاتو ما بيسمع ولا بيشوف منيح بصير بيعيطلو.. “جهار و يك”.. ما سمعت.. “ لك جهار و يك جهار و يك”..
اتفقت أنا وياه على كلشي و سلمتو الكروت وقائمة المعازيم وودعتو.
وبمتل كل عرس بيضل بيطلع مفاجئات وقصص بتطلعو عن دينو للواحد مشان هيك كل تنين قبل العرس بيضوجوا وبيتخانقوا.. وبعد يومين صار في تغيير بالمعازيم.. دقيت لأبو عيسى واتفقت معو على وقت و رجعت زرتو.
هالمرة كان برد.. ففوتني عالغرفة يلي بيشتغل فيها.. متل يلي فات على متحف أو مرسم.. ريحة حبر بكل مطرح.. وراق ملفوفة وخرايط وكتب محطوطة عالطاولات.. ريش رسم وأقلام كتير..
حط نضارتو وقعدني جنبو.. قبل ما اشرحلو شي اطلع فيني وقلي..
– انت اليوم مانك منيح.. مضغوط؟
– يمكن
هو ما كمل حديث.. بلش يخطط عالكروت بإيدو اليسار.. كان فنان بكل معنى الكلمة.. بقلم اسود تخطيط عادي عم تطلع معو الأسماء متل اللوحة.. وهو عم يخطط من دون ما يحرك عينو حاكاني..
-عمو.. اتطلع على ارض الديار.. جنب البحرة.. شو بتشوف.
– في كرسيين.. في فنجانين قهوة على حفة البحرة واحد فاضي وواحد مليان.. ليش؟
-مرتي كانت كل يوم تعملي قهوة الصبح وتحطلي بالصينية عرق ياسمين وتكون طالعة فيروز عالراديو.. كانت تحب الياسمين لأنو بتحس الشام إذا كانت وردة فلح تكون ياسمينة.. هيك كانت تقول… كانت تحب الشام كتير.. ومن وقت ما تجوزنا وهي بتقلي ايمتى هيك بدي فيق شي يوم لاقيك انت مساويلي القهوة وجاية و جايبلي ياها.. ونضحك.. مرتي ما كانت تطلب كتير.. أي شي كان بيخليها تضحك..
سكت شوي عم يجمع كلماتو..
– من ١٠ سنين فقت الصبح كانت هي قاعدة بأرض الديار.. قررت فاجئها و حققلها هالحلم وأعمل لأول مرة فنجان القهوة أنا.. فيروز كانت عم تغني “و تشرب من فنجانك واشرب من عينيك”.. فتت عالمطبخ وعملت القهوة ورتبتها مع كاسة المي وعرق الياسمين متل ما بتحب.. وطلعت لعندا حطيت القهوة قدامها وقلتلها تفضلي.. هي صار متل ما بدك..
إيدو صارت ترجف .. نزلت دمعة عالكرت ومح الحبر شوي.. وبصوت مخنوق قلي..
– انا عملتلها القهوة بس هي ما شربتها.. كانت ميتة عالكرسي.
لقيت دموعي عم تنزل لحالها.. وهو كان صلب بصوتو الأجش هو وعم يقلي..
-عمو ميشيل انتو عم تعيشوا احلى ايامكون.. حبها من قلبك.. ما تخلي قوة بالدنيا تاخدكون من بعض.
ورفع راسو شوي واطلع بعيونو التعبانة من الحب والبكي والعمر وقلي..
– ولا تنسى.. عملها فنجان قهوة.
انا بوقتها حسيت بخنقة.. حسيت لازم ابكي بس مو قدامو.. طلعت من عندو.. وأنا راجع عالبيت لقيت محمصة بأول باب توما.. ضحكت وقلت.. ما رح انطر لهي تطلب مني.. وجبت بن.
بآخر يوم نزلت لجيب الكروت.. كان أبو عيسى مجهزلي ياهون بكياس.. وعطاني بظرف لحالو كرتونة مستطيلة أكبر من ورقة ال a4.. كان مخططلي بخط إيدو كرت عرسي عكبير وقلي هي ذكرى إلك مني.. أنت فتت لقلبي.. عزمتو على عرسي ودعتو و وعدتو بزيارة قريبة كتير و نلعب فيها طاولة كمان.
أبو عيسى اجى على عرسي.. وأنا طار عقلي.. مع انو هو كل العراس بينعزم عليها بحكم انو هو يلي مخطط الكروت.. بس انا كنت حس حالي خاص عندو.. بس الغاليين علينا منبكي قدامون.. كان بالهندام الكامل.. الرجل الدمشقي الثمانيني الأنيق العتيق.. حسيت حالي بس أكبر بحب كون متلو.
أبو عيسى كان يعتبر الشام القديمة بنتو مشان هيك ما كان يحس بالوحدة.. كان يخانق الولاد بس يكبو بالشارع.. و بس يشوف واحد عم يبزق عالأرض يزورو.. ويوم الجمعة بيفطر فول وتسئية و ما بيعرف يقدر الكمية.. فالجمعة كان يفرد صفرة ل ٦ اشخاص هنن ولادو واصهرتو ومرتو.. الانسان صعب يتقبل الوحدة.. وبالأزمة أبو عيسى صحلو يسافر برا البلد مستعمل الجملة التقليدية تبع هو متل السمكة والشام هي المي يلي مافيو يطلع منا.
ومرقت الأيام وأنا متاخد بالجازة وما بعد الجازة وعزايم وشغل ودور الحاجز ودور المازوت ودور الغاز ودور المي ودور منطقتنا بالقذايف وكلشي ادوار بتخطر عالبال.. وأبو عيسى دايماً ببالي وقول لازم روح زورو.. لازم بكل هالوحدة يلي هو فيها يجي مين يشرب معو فنجان قهوة لولا شي.. بس لأنو بيحبو.. لاجى يوم فقت الصبح وقررت أنو اليوم زيارة أبو عيسى.. من نفسها محمصة باب توما أخدت البن.. وقطفت عرق ياسمين وأنا وعم اتمشى عبيتو.. وصلت ودقيت الباب هالمرة بالمسكة الصغيرة.. ما سمعني.. رجعت دقيت بالمسكة الكبيرة.. كمان ما سمعني.. دقيت ودقيت.. لانفتح باب البيت يلي جنبو.. وقلي مين بتريد.. قلتلو ابو عيسى..
– أبو عيسى عطاك عمرو..
– نعم!
– يومين ما طلع من بيتو كسرنا الباب وفتنا لقينا قاعد عالكرسي جنب البحرة.. ومقبيلو فنجانين قهوة.. مليانين..
تركت البن وعرق الياسمين عباب بيتو ومتل المجنون صرت اركض عالبيت.. رجعت نكشت بالوراق كلها بالبيت بدي اطمن انو كرتو موجود.. حسيت لازم يكون في شي منو يبقى معي.. لقيتو .. وكانت أول مرة بنتبه أنو عليه من ورا كاتبلي:
-لا تنسى.. عملها فنجان قهوة..
ميشيل نصرالله

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.