واشنطن: موسكو تخرق اتفاقها مع واشنطن والنظام يتواطأ مع “داعش”

خاص “المسيرة”  
تواصل قوات «قسد» تطهير بعض الجيوب في هذه المنطقة، التي لا تزال تحت سيطرة «داعش». وفي نهاية المطاف، فإن الخطة، تضمن الاستمرار في الضغط على «داعش» في المناطق التي يسيطرون عليها، وصولاً إلى التقدّم نحو وادي نهر الفرات الأوسط، وتحديداً في منطقتي الميادين، في أبو كمال. في خضم الانشغالات الأميركية بالتطورات الداخلية ولا سيما تكرار «هجمات الأعاصير» الكثيفة هذا العام، والاستنفار الشديد الذي سببته «المراهنات النووية» للنظام في كوريا الشمالية وتهديده باستهداف وتدمير الولايات المتحدة، اختار «العدو اللدود الروسي» خرق الاتفاقات الموقعة مع شريكه الأميركي المفترض في الأرض السورية علّه يستطيع كسب المزيد من الأوراق قبل أن يحين موعد التسويات الكبرى.
هذا الخرق الروسي استدعى تحركاً أميركياً على المستويين السياسي والعسكري، تمثل الأول بعقد اجتماع عاجل بين وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون ونظيره الروسي سيرغي لافروف فور وصول الرجلين إلى نيويورك، والثاني عبر محادثات هاتفية استمرت لساعة من الوقت بين رئيسي أركان جيوش البلدين. العنوان البارز لهذه الاجتماعات معركة دير الزور التي تنذر بخربطة حقيقية للستاتيكو الذي يفترض أن يبقى قائماً في سوريا مع ما يعني ذلك من إعادة قلب التوازنات بين القوى المحلية والإقليمية في هذا البلد. وقد عرضت مصادر متابعة في واشنطن حقيقة ما يجري بين البلدين على هذا الصعيد.
منذ أن أنجز «حزب الله» والنظام السوري الاتفاق مع تنظيمي «جبهة النصرة» و«داعش» على خط الجبهة الحدودية بين لبنان سوريا انطلاقاً من منطقتي جرود عرسال والقاع وصولاً إلى القلمون السورية، أدرك المراقبون أن طهران ومعها موسكو تدفع باتجاه ضمان حدود انتشار «سوريا المفيدة» وجعلها موقعاً رئيسياً لنفوذهما في سوريا المستقبل، وبمعزل عن البعد الجيو – سياسي لأحلام وخطط النظامين في روسيا وإيران، فإن القيادة العسكرية الأميركية أبدت شكوكاً واضحة حول التفاهمات المعلنة على الأرض وفي الأجواء السورية مع روسيا وفق نقطة الالتقاء الرئيسية وهي محاربة التنظيمات الإرهابية، فإذا بها تجد نفسها أمام تصرف موسكو الأحادي بمباركة أو بغض الطرف عن إتفاقات مشبوهة مع الإرهابيين، وعليه سارعت الولايات المتحدة عبر التحالف الدولي لمحاربة «داعش» إلى التدخل سريعاً لوقف تقدّم قافلة التنظيم التي انطلقت من الجرود باتجاه مناطق نفوذ هذا التنظيم في دير الزور، لأسباب عدة:
أولاً: شكل التشابك الأميركي الروسي حول قافلة «داعش» دليلاً على المخططات الروسية الإيرانية في سوريا، مما دفع بالقوات الأميركية الجوية إلى إعاقة وصول هذه القافلة إلى وجهتها على حدود العراق شرق سوريا، لكن هذه القوات سمحت بتزويد قافلة «داعش» بالطعام والمياه لأنها كانت تضم عائلات بالإضافة الى المسلحين، ووصلت إلى القيادة العسكرية الأميركية معلومات أفادت بأن عدد المُرحلين من جرود القلمون بلغ 637 شخصا، توزعوا على 17 حافلة، و11 سيارة إسعاف، وهم 375 مسلحا، بينهم 25 جريحا، و150 امرأة وطفلا من عائلات عناصر التنظيم، و 112 لاجئا من جرود عرسال انضموا إلى المرحلين.
وتبعاً لذلك واصلت الطائرات الحربية التابعة للتحالف مراقبة القافلة، ووضعت في أهبة الاستعداد الدائم لقصف أي عناصر داعشية تحاول الوصول إلى القافلة، وهو ما فعلته طائرات التحالف مرارا.
ثانياً: كان لافتاً أن قافلة «داعش» ظلت محمية من قبل عناصر «حزب الله»، بالقرب من مدينة السخنة، على بُعد 150 ميلاً من وجهتها، وهي مدينة البوكمال في ريف دير الزور. وظلت أحد عشر حافلة في موقعها، في حين عادت ست حافلات إلى نقطة انطلاقها وتوجهت نحو مناطق تقع تحت سيطرة النظام السوري وحلفائه من الميليشيات المسلحة. ومع ذلك أكدّ مسؤولون في البنتاغون، إن طائرات التحالف كانت تطلق النار مباشرة على كل من يحاول مغادرة المكان الذي تحاصر فيه القافلة.
ووصف أحد المسؤولين الأميركيين كيفية تطويق القافلة بقوله: «حتى إذا حاولوا التنزه قليلاً للترفيه عن أنفسهم، نطلق عليهم النار»، وأن الطائرات التي تتعقب القافلة كانت تقضي على أي محاولات قادمة من الشرق، أي من مناطق سيطرة «داعش»، لتزويد القافلة بالمؤن. وكانت واشنطن تهدف من كل هذا التحرك العسكري الحازم إلى منع وصول القافلة إلى الأراضي العراقية مما يسمح بمدّ تنظيم «داعش» بمزيد من المسلحين ويعطي هذا التنظيم جرعة دعم في ظل الخسائر المتتالية التي يتلقاها إن في العراق أو سوريا.
ثالثاً: استمر الوضع على ما هو عليه نحو أسبوعين، إلى أن أعلن «حزب الله» بنفسه في الثالث عشر من أيلول الحالي أن ما تبقى من قافلة «داعش» دخل إلى المناطق المقصودة في دير الزور، وان الصفقة أنجزت بالإفراج عن أسير منه كان يحتجزه «داعش»، ولكن المعلومات كشفت أن روسيا دخلت أيضاً على خط إيصال القافلة إلى مقصدها النهائي حيث أعلن التحالف الدولي صراحة أنه ونزولاً عند طلب روسيا، أوقفَ مراقبته عبر الطائرات المسيرة للقافلة التي كان أجبرها على التوقف لأيام في منطقة صحراوية في البادية السورية، وأوضح التحالف أنه لضمان تجنب الاصطدام في جهود هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية، غادرت طائرات المراقبة التابعة للتحالف المجال الجوي المحاذي بطلب من المسؤولين الروس خلال هجومهم على دير الزور. وقد أبلغت روسيا التحالف عبر خط تجنب الاصطدام أن قوات النظام السوري ستمر عبر المنطقة في طريقها إلى مدينة دير الزور، طالبة إخلاء المنطقة من الطائرات الأميركية.
رابعاً: بعد إتمام الصفقة واصلت عناصر نظام الأسد، والميليشيات الداعمة لها، من جهة، وقوات سوريا الديمقراطية من جهة أخرى معاركهما المنفصلة ضدّ تنظيم «داعش» في دير الزور في تقسيم واضح للأدوار بين خطين فاصلين وهما غرب نهر الفرات وشرقه، وذلك وفق اتفاق ضمني بين الولايات المتحدة وروسيا حول حدود ومعالم المعارك العسكرية في دير الزور، حيث أبلغت واشنطن الروس أن قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها لن تدخل إلى قلب مدينة دير الزور بل ستبقى إلى شمال شرق المدينة عند حدود شرق نهر الفرات، وأن العمل سيجري من أجل تحديد المسافات بين الخطوط الأمامية لكل من قوات سوريا الديمقراطية وبين عناصر النظام السوري، من أجل نزع فتيل التصادم بينهما وعدم الاحتكاك من خلال العمليات العسكرية الجارية ضدّ تنظم «داعش».
خامساً: وعلى هذا الأساس وضع التحالف الأميركي خطة لقوات سوريا الديمقراطية تعمل على تنفيذها وتقضي، بعدم دخولها مدينة دير الزور في الوقت الراهن، وتنفيذ الهدف الأول المتمثل في السيطرة على الأجزاء الأولية من وادي نهر خابور. حيث
وفي المقابل فإن هناك الجزء الشمالي من وادي نهر الفرات حيث وضعت خطة لدحر «داعش» منه، ولا تزال القوات الأميركية تنظر في احتمال مشاركة فصائل من المعارضة السورية مثل عناصر من مغاوير الثورة التي تواصل تدربيها في قاعدة التنف العسكرية، في هذه المعركة، وبحسب المصادر العسكرية الأميركية فإنه إذا فرضت التطورات مشاركة مغاوير الثورة في معركة دير الزور فإنه سيصار إلى تأمين الطرق اللازمة لنقل عناصر منها الى المنطقة.
سادساً: في ظل استمرار معركة دير الزور وفق ما متفق عليه، فاجأت موسكو واشنطن من خلال قصفها المتعمد مواقع قوات سوريا الديمقراطية شرق نهر الفرات وذلك بمثابة إعلان حرب ضدّ القوات الكردية، على الرغم من السعي المشترك كل من جبهته لقتال تنظيم «داعش» وتحقيق انتصارات عليه. وقد رفضت وزارة الدفاع الروسية هذه المزاعم قائلة إن طائراتها استهدفت فقط متشددي تنظيم الدولة الإسلامية وإنها نبهت الولايات المتحدة بخططها للعمليات قبلها بفترة كافية. وجاءت الغارات، التي نفت موسكو شنها، قبل أن يبدأ تطبيق اتفاق خفض التصعيد في إدلب الذي نص على نشر مراقبين روس وأتراك وإيرانيين في أول خطوة من نوعها سمحت بوجود عسكري تركي بموافقة دمشق ضمنته موسكو. وقد أبلغت قوات سوريا الديمقراطية قوات التحالف بتفاصيل الغارات ضدّ مواقعها، ورفضت بشدة إمكانية السماح لقوات النظام السوري و»حزب الله» بالعبور إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات للالتفاف على مدينة البوكمال والهجوم عليها من طرفيها، وأكدّت قوات «قسد» أنها لا تريد للعبور أن يحصل، وهي ستقوم بتحرير مناطق شرق الفرات وريف دير الزور من عناصر «داعش» مهما كان ثمن ذلك وبالتزامن مع معركة طرد التنظيم من الرقة؛ معقله شرق سوريا. وصارحت قوات «قسد»، قوات التحالف بأنها تشعر حقيقة بأن قوات النظام تواطأت مع تنظيم «داعش» في عقريبات في ريف حماة، وكشفت أن أحد بنود صفقة «داعش» في منطقة القلمون والتي سمحت بخروج عناصر التنظيم من القلمون إلى دير الزور، هو ألا يقاتل «داعش» قوات النظام في دير الزور.
سابعاً: إستدعت هذه التطورات الدراماتيكية على الخط العسكري، عقد اجتماع على المستوى السياسي، بين وزير الخارجية الأميركي ونظيره الروسي في نيويورك جرى في خلاله وضع ترتيبات سريعة لإعادة العمل بالاتفاقات بين التحالف الدولي وروسيا لجهة فض الاشتباك بينهما في الأرض السورية، كما أن الجنرال فاليري غيراسيموف، رئيس هيئة الأركان الروسية المشتركة، أمضى ساعة كاملة على الهاتف مع نظيره الأميركي الجنرال جوزف دنفورد لبحث مسألة قصف مواقع قوات سوريا الديمقراطية، وكرّرت موسكو موقفها الذي التزمت به سابقاً لجهة إبلاغ الولايات المتحدة قبل ساعتين على الأقل من أي ضربة في سوريا ثم تطلعها بعد ذلك على المعلومات في شأن الأهداف التي ضربتها. وبحسب مراقبين فإن موسكو لم تنف مطلقاً قصف قوات «قسد»، ووصفوا ما جرى بأنه محاولة متجددة من روسيا لمزيد من التعاون مع تركيا بعد إقرار شراء صواريخ إس 400 الروسية لصالح أنقرة، وأن موسكو لم تبلغ واشنطن بقرارها توفير المزيد من الدعم العسكري لقوات النظام السوري، وأرسلت تعزيزات ومعدات عسكرية لتسهيل عبور حلفائها نهر الفرات، كما أن الجيش الروسي أسس مركز مراقبة في عفرين شمال حلب بين الجيش السوري الحر وقوات سوريا الديمقراطية وسمح لتركيا بمنع ربط إقليمي للإدارات المحلية شرق الفرات والحسكة والقامشلي في إقليم كوباني عين العرب غرب النهر.
وفي ضوء كل هذه المعطيات فإن النزاع السوري دخل مرحلة دقيقة من لعبة التوازنات بين مختلف اللاعبين، وتبعاً لمجريات المعارك العسكرية سيتحدد المسار الذي ستسلكه تسوية هذه الأزمة في المدى المنظور.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply