هل ينقذ “الإسلاميون” الأسد مرة أخرى؟

رستم محمود “موقع الحرة”

سوريون يتظاهرون في بلدة معرة النعسان في إدلب ضد اعتداء “هيئة تحرير الشام” على تظاهرة مدنية
بالنسبة لرأس النظام السوري، والحلقة الأضيق حوله، فإن مجموع الأحوال المحيطة بهم، خصوصا خلال الشهور الثلاثة الماضية وعلى أكثر من مستوى وديناميكية، إنما تشبه الظروف التي كانت خلال الأسابيع الأولى من الثورة السورية، في الربع الثاني من العام 2011، حينما كانوا يستشعرون خطرا حقيقيا على سلطتهم، وقدرتهم على الاستمرار في حُكم البلاد.
أربعة مؤشرات واضحة تدل على ذلك. الصراعات الهزلية بين “أجنحة” ومراكز قوة النظام صارت واضحة تماما، حتى داخل العائلة الأسدية نفسها. صارت تُخاض على شبكات التواصل الاجتماعي، بأسلوب وإخراج يحمل كل إيحاءات التهديد المتبادل، ويدل على عدم قدرة رأس النظام على ضبط التناقضات المحيطة به، حتى ضمن الدائرة العائلية الأضيق.
لم يكن لهذه التباينات أن تظهر، لولا الترهل والتفسخ الواضح الذي أصاب حيوية النظام، الذي وصل درجة عدم قدرته على تأمين الحاجات الأولية الأكثر بساطة للمناطق التي تحت سيطرته، وللطبقات الاجتماعية الأكثر موالاة له. هذا التفسخ الذي بات يدفع الكثير من المدافعين عن النظام لأن يتنازلوا عن موقفهم المؤيد له، وأن يقفوا على الحياد على الأقل. ولأن تتطور وتقوى شوكة قادة المناطق الطرفية والمحاور الهامشية والسلطات المحلية، بالذات منهم هؤلاء الذي يُشيرون ويغرون السكان المحليين بقدرتهم هم على تأمين حاجاتهم الأولية، أكثر من سلطة النظام المركزية، واعتبار أن هذه السلطة المركزية إنما هي ثقل كبير يحول دون تحقيق ذلك للسكان المحليين.
إن اعترافا وتوافقا متبادلا بين جميع القوى السورية، قائما على التخلي المتبادل عن الأجندة الإقليمية، هو الأساس والدرب الأقصر والأسهل للتجاوز المشترك لهذه المحنة القاسية
في هذه الأثناء، تُظهر روسيا مزيدا من التململ والحنق من النظام السوري، ورئيسه بالذات، وتشك بقدرته على الاستمرار في قيادة البلاد، وتلبية المصالح والتطلعات الروسية. حينما تفعل روسيا ذلك، التي هي الحامي الحقيقي للنظام السوري، فإنها تفتح بابا واسعا أمام الدخول في تفاهمات ومساومات إقليمية ودولية، بشأن مستقبل الملف السوري، وإمكانية إغلاقه والانتقال به ليكون مختلفا تماما، وهو ما يشكل مسا وجوديا بالنظام السوري.
يحدث كل ذلك، في وقت يعيش فيه النظام الإيراني أحلك لحظاته، في ظلال حصار دولي وأزمات داخلية اقتصادية واجتماعية، معانيا من تراجع قدرته على التحكم بالاستطالات الإقليمية التابعة له، بالذات في العراق. فالنظام الإيراني غير قادر على تأمين حماية تامة لحليفه السوري، خصوصا لو تخلت روسيا عن تلك المهمة، أو حتى لو أصرت على نفوذها في حاضر ومستقبل سوريا.
كل تلك العوامل، توحي بأن الشهور القادمة ستكون عصيبة على استقرار النظام السوري، وأن السوريين يملكون بارقة أمل ما، للعيش من دون هذا النظام الرهيب.
♦♦♦
لكن، قبل قرابة عقد من الآن، خلال الشهور الأولى لاندلاع الثورة السورية، كانت ثمة ضغوط هائلة على النظام السوري وقتئذ، شبيهة بقوتها وزخمها بما يتعرض له راهنا. كانت تلك الضغوط وقتها مثل الآن، توحي بأن أيام النظام السوري صارت معدودة. لكن النظام السوري تمكن وقتئذ من تجاوزها كلها. خلق شبكة تحالفات إقليمية ودولية متينة، ومارس أفظع أنواع الإجرام بحق السوريين، مطمئنا للصمت الدولي الأرعن، وفوقها تمكن من خلق تناقضات سياسية ومناطقية وطائفية بين الكتل السكانية السورية، تجاوزت بحدتها مناهضة أيا من تلك الكتل لنظام الأسد الشمولي نفسه.
لتحقيق كل ذلك، اعتمدت الأسدية على عوامل مختلفة، لكن استغلاله واستثماره في عامل “الإسلاميين السوريين” كان على رأس تلك الديناميكيات. حيث لولا ذلك العامل الإسلامي، لما تمكن الأسد من فعل كل ما فعله، ولا كانت ستنجده أية عوامل أخرى، وكان سقوطه حتميا.
طوال قرابة عقد من عمر الثورة السورية، كانت الأسدية تعي وتستخدم الإسلام السياسي السوري بمهارة تامة، وتتلقى من شبكات وتنظيمات ذلك الإسلام ما يلبي حاجاتها تماما، وإن كان ذلك يحدث بشكل موضوعي، وليس ذاتي.
فالإسلاميون السوريون وفروا للأسدية غطاء كاملا ليعتبر أن جوهر الصراع في سوريا طائفي محض، بمعنى أن البعد السياسي المتمثل بالاعتراض على الشمولية الأسدية صار تفصيلا ثانويا، وبذا خسرت الثورة السورية سلطتها الأخلاقية وتمايزها السياسي عن الأسدية، صارت الثورة مجرد صورة أخرى للسلطوية الطائفية، شبيهة بالأسدية، وإن من موقع الضد.
في الطريق إلى ذلك، طرح وفرض الإسلاميون على السوريين انقساما شاقوليا، صار الأسد معه، موضوعيا وبموجب طروحات الإسلام السياسي السوري، صار ممثلا سياسيا لكتلة واسعة من السوريين، من أبناء الأقليات الدينية والطائفية والطبقات الوسطى، وبالذات من ذوي أنماط الحياة المدنية، الذين يملكون رعبا من الإسلاميين وفروضهم على الحياة العامة. تلك المكانة التي ما كانت لتكون متوفرة للأسد قط، لولا أفعال وطروحات الإسلاميين السوريين هذه. بسلوكيات وطروحات الإسلاميين، صار للأسد موالون بالملايين، متأتون من تلك القواعد الاجتماعية، بعدما كان الأسد ممثلا لحلقة ضيقة من السلطويين فحسب.
إلى جانب ذلك، فإن الإسلام السياسي “المُعتدل”، وبسبب موقفه الانتهازي وغير الحازم من اشكال الإسلام المتطرف والعنيف، إنما نسج الأساس المتين للحالة السورية البائسة طوال السنوات الماضية، التي تقول بأنه “لا بديل للأسد في تلك البلاد”، وأن التطرف الإسلامي هو القوة والديناميكية المنظمة الوحيدة التي يمكن لها أن تشغل الفراغ الذي سيتركه الأسد. وبذا فإن البديل الوحيد خطر متعدد الأوجه، على المجتمعات الداخلية السورية أولا، ومعها على الحساسيات الإقليمية وكامل الأمن والسلام الدوليين، لذا فأن الأسد أفضل ما هو موجود.
قوة الأسدية التي تأتت طوال السنوات الماضية من قدرتها على اللعب بالورقة الإسلامية، لا تبدو وكأنها قد ترهلت
كان ذلك بالضبط المتن الذي بنت عليه الأسدية حربها العشواء على السوريين وتطلعاتهم. فقد كانت متأكدة ومطمئنة إلى صمت المنظمات الدولية وتواطؤ القوى الكبرى معه، ليفتك بالسوريين كيفما يشاء، طالما هم متأكدون بأن البديل عنه سيكون خطرا على كامل الاستقرار العالمي. صارت القوى العالمية موضوعيا شريكة للأسد، بالذات في حربه على السوريين.
على أن الأقلمة كانت على رأس الخطايا التي ارتكبها الإسلاميون السوريون بحق بلادهم وثورة شعبهم. فمنذ الاجتماعات والمؤتمرات الصحفية الأولى التي عقدها قادة الإخوان المسلمين السوريين في اسطنبول، في الأيام الأولى من الثورة السورية، مرورا بكامل شبكة تحالفات وشكل تعاطي الإسلاميين السوريين مع مختلف القوى والمحاور والحساسيات الإقليمية، كان ثمة إصرار من قبلهم على جر المسألة السورية لتكون صراعا شرسا بين القوى الإقليمية، بين الدول والكيانات التي تحكمها قوى سياسية إخوانية، ضد تلك التي ليست كذلك.
هذه الأقلمة التي قادت حيزا وفيرا من قوى الثورة السورية لأن تكون في عداء تام ضد أبناء بلدهم، خدمة للأجندات الإقليمية، بالذات الأجندة التركية المناهضة للأكراد. لكنها جوهرا فتحت المسألة السورية لأن تكون صراعا مع كامل المحاور والدول الإقليمية المناهضة لاستراتيجيات الإسلام السياسي، بالذات الإخواني منه. صار صراع السوريون يتجاوز الأسدية وشموليتها، ليكون حربا في سبيل تكريس هيمنة الإخوان على كامل المنطقة، يكون السوريون حطب تلك المعركة العبثية.
♦♦♦
اليوم، يبدو أن الأسد والحلقة الضيقة المحيطة به في أضعف أحوالهم. لكن قوة الأسدية التي تأتت طوال السنوات الماضية من قدرتها على اللعب بالورقة الإسلامية، لا تبدو وكأنها قد ترهلت. على العكس تماما، فإنها تظهر استعدادا تماما لإعادة تدوير واستخدام ما تعودت على استخدامه مرارا.
لتجاوز هذا المأزق، على الإسلاميين السوريين أن يعرفوا أن فرصة إسقاط الشمولية الأسدية، التي تلاشت قبل عقد من الآن، يمكن لها أن تتبدد من جديد، فيما لو اتبعوا نفس الاستراتيجية السابقة، التي تدخل أولا، وموضوعيا، في خدمة هذه الأسدية الشمولية، وبشهادة دماء ملايين السوريين الأبرياء.
فأية تطلعات أو استراتيجيات من قِبل الإسلاميين السوريين، لأن يشيدوا سوريا ككيان ذا صبغة إسلامية/طائفية، إنما يفتح أبواب حروب أهلية غير منتهية، ستكون فيه العديد من الحساسيات السورية مدافعة عن أنفسها، وليس عن الأسدية، كما كانت توحي الدعاية الإسلامية المبطنة خلال السنوات الماضية.
لذا، فإن تجاوز الإسلاميين السوريين للعقلية الطائفية والتطلعات “الرجعية”، خصوصا في قضايا حقوق النساء والحريات المدنية والمساواة الطائفية في التعليم والقضاء المدنيين، والانزياح لأن يكونوا تيارا سياسيا مدنيا، وإن محافظا، يمارس ويدافع أعضاؤه ومؤيدوه عن معتقداتهم الدينية في المجتمع وحياتهم الخاصة فحسب، هو توفير لجهد عظيم، قد يدفع جميع السوريون ثمنه من دمائهم ومستقبلهم، بما في ذلك الإسلاميين أنفسهم، لو استمر الإسلاميون السوريون بما هُم عليه.
كل تلك العوامل، توحي بأن الشهور القادمة ستكون عصيبة على استقرار النظام السوري، وأن السوريين يملكون بارقة أمل ما، للعيش من دون هذا النظام الرهيب
كذلك، فإن الإسلاميين يجب أن يكونوا متأكدين بأن التنظيمات والقوى الإسلامية المتطرفة ليست أداة صالحة بيد أحد، بما في ذلك الإسلاميين المعتدلين، الذين يتوهمون بأنهم يستغلون هذا الإسلام المتطرف، بينما العكس تماما هو الذي يحصل. فخلق قطيعة تامة مع ذلك الإسلام المتطرف والعنيف، عقائديا وسياسيا ورمزيا، هو البوابة الوحيدة لأن يُجترح إسلام سياسي شبيه بالحركات المحافظة الأوربية، لا تستطيع الأسدية معها أن تدعي بأن البديل الوحيد عنها هو مجرد تطرف أرعن، خطر على الداخل السوري والأمن العالمي.
أخيرا، على الإسلاميين السوريين، مثل غيرهم من القوى السورية، أن يعوا الطبيعة المركبة والحساسة للكيان السوري، بجغرافيته ومجتمعاته وشبكة تداخله مع القضايا الإقليمية، وأن ذلك التموضع لن يسمح لأية جماعة ونزعة سورية لأن تفرض أجندتها على الأخريات، أياً كانت طبيعة التغطية والتحالفات الإقليمية لهذه القوة السورية الساعية لذلك، أو تلك.
لذا، فإن اعترافا وتوافقا متبادلا بين جميع القوى السورية، قائما على التخلي المتبادل عن الأجندة الإقليمية، هو الأساس والدرب الأقصر والأسهل للتجاوز المشترك لهذه المحنة القاسية. وهذا فرض على الإسلاميين السوريين أولا، لأنهم أكثر القوى السورية انخراطا في تلك الأقلمة، وإلى جانب ذلك، الأكثر وهما بأن تلك التغطية الإقليمية إنما يمكن أن توصلهم لتشكيل وحكم سوريا، وحيدين.
قبل عقد من الآن، كان السوريون يعتقدون بأن أيام الأسدية معدودة، سقط مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء، تحطمت نصف مدن البلاد، وصار أهل دمشق يحصلون على الخبز على شكل حصص، وبات السوريون أخوة/أعداء، وما تزال الأسدية تحكم البلاد، يمكن أن يحدث أمر مشابه، بضحايا أكثر وفترة زمنية أطول، لو حدثت خطايا شبيهة بتلك التي جرت وقتئذ، وكانت سندا موضوعيا لأن يحدث ما حدث.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.