هل يشكل المفكر خطرا على السياسي‎

لفت انتباهي، في الفترة الأخيرة، كثافة الهجوم وعنفه على المفكر العربي عزمي بشارة، ولدى محاولة الاستزادة حول الموضوع، نهضت، بالتداعي، حكاية طريفة حدثت للمنوِّر المصري “أحمد لطفي السيد” حين دعا إلى الديمقراطية.. ففي العام 1913م رشح لطفي السيد نفسه للمجلس النيابي، وأمر طبيعي أن يدعو في خطبه الانتخابية إلى ما يؤمن به، عند ذلك، استغل مُنافِسُه جهل الناخبين، فزعم لهم أن معنى ديمقراطية “لطفي السيد” هي أن تتزوج المرأة أربعة رجال أسوة بالرجل! وعندما سأل الناخبون أحمد لطفي السيد بالذات: هل ينادى بالديمقراطية حقاً؟ أكَّد لهم ذلك مباهياً من غير شرح لماهية الديمقراطية ومحتواها السياسي والاجتماعي، فانصرفوا عنه إلى خصمه دون أن يفاتحوه بشيء..! وهكذا سقط لطفي السيد في الانتخابات”. وتراجع بالفكر الجاد أمام التضليل والعقلية الشعبو

ما قرأته كمٌّ كبير جداً، لكنه لا يعدو أن يكون مزيجاً من التلفيق، وخلط الأوراق وما هو واضح خلف سطوره، وبين مفرداته، ينم عن رعب حقيقي لا من عزمي بشارة كشخص، بل من فكره، ومن مشروعه الذي يمهِّد لمستقبل قادم، ويلاقيه، إذ هو قادم لا بإرادة شخص ما، بل بفعل حركة الحياة، وقوانينها الطبيعية.. مستقبل يفسح في المجال لقوى سياسية جديدة صاعدة، وفي الوقت نفسه، ينذر بإسقاط قوى وحكومات وأحزاب استهلكها الزمن واستهلكت نفسها وأفكارها، ومبررات وجودها، وبالتالي، هي تتخبط لافتقادها سبل نهبها ورفاهها وتحكمها.. ومن هذه الزاوية يأتي ذلك الهجوم على الرجل في محاولة عبثية لإيقاف حركة التاريخ أو إعادتها إلى الوراء.. وبالتالي الإساءة لمن يلاقي هذا الجديد بفكره، ويمهد له الطريق!

إنَّ المفكر اليوم، والمثقف عموماً أمام استحقاق، هو متابعة ما انقطع من مشروع بل مشاريع النهضة العربية التي بدأها المنورون العرب والمسلمون أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين سواء في تيارها الديني أم القومي أم الماركسي وتنازعها فيما بينها، ثم انكفائها مع حضور العسكر الذين أتوا في خضم الصراعات الدولية فيما بينها وعلى المنطقة، وقدّم العسكر أنفسهم قوى ثورية تقوم بأعباء النهوض، وبما تدعو إليه تلك التيارات الثلاثة في خلطة كيميائية عجيبة، أضاعت الوجه الأصلي لكل من هؤلاء. ولاقى العسكر بالشعارات التي رفعوها تشجيع أحد طرفي الصراع فيما عرف بالحرب الباردة أو كليهما أحياناً، وهكذا تبددت أحلام تلك التيارات على أيدي العسكر، وبفعل تسلطها واستبدادها وفسادها، ونشأت تيارات سلفية متطرفة لا يألفها الإسلام ولا علماؤه ولا هي تألفهما..! لكنَّ بعض الأنظمة تعود في أساس بنائها، وفي نمط تفكيرها إلى القرون الوسطى، تبنت تلك التيارات سراً أو علانية، ووظفتها لخدمة مصالحها، فأسالت دماء غزيرة في المنطقة، ودعمت أنظمة

من يقرأ سيرة عزمي بشارة يدرك أن هاجسه الدائم هو هذا المشروع الفكري/السياسي/الديمقراطي المتوازن، المتماسك والقادر على سد تلك الثغرة المفتوحة على التخلف والفساد وبالتالي على الهزائم في دنيا العرب بمن فيهم الفلسطينيون! ولعلَّ قوة المشروع تكمن في قامات ثقافية مشهود لها، وأقلام حرة متعددة المشارب.. كما تكمن في أنه أخذ بُعده الإعلامي ليكون نقطة انطلاق رئيسة للنهوض والتنمية، ولملاقاة تلك الحركات الشبابية الثورية المستفيدة من ثورتي الاتصالات والمعلوماتية التي انطلقت في أكثر البلدان العربية حساسية لإنجاح حركة التحرر العربية في نهضتها الثانية، (إذا صح التعبير)، بعد تعثرها إن لم أقل فشلها على يد العسكر الذين اعتمدوا المركزية المفرطة ما قطع الطريق على كل رأي مخالف فالتم حولهم المطأطئون وأصناف الفاسدين عديمو الوطنية والأخلاق، وما كان لذلك كله أن يحصل لولا تغييب الحريات العامة، ومستلزمات الديمقراطية من أحزاب سياسية وصحافة حرة، وانتخابات نزيهة وقضاء نزيه مستقل وع

إنّ تحقُّقَ مشروع عزمي وفي منطقة الخليج العربي بالذات هو ما يرعب الخانعين بأنظمتهم وممالكهم التي لاتزال تسبح في عالم الحاكم وأسرته، وأهوائه ونوازعه، فهؤلاء هم وراء ذلك التضليل والتلفيق ضد أيِّ مشروع يؤسس لفكر عربي تحرري يقارب العلمانية ولا يستبعد الدين كحالة روحية، وحتى كحالة حزبية تقبل بالديمقراطية (تونس/تركيا) وهو ما يهدد تلك الأنظمة التي تجاوزها الزمن. وما جعل خوف تلك الأنظمة مضاعفاً مجيء ذلك المشروع متزامناً على نحو أو آخر مع ما سمي بثورات الربيع العربي التي آذنت بعهد جديد، وخصوصاً أن الهبّات الشعبية لها وزنها وحساسيتها الوطنية وتتطلع إلى بناء دولة حديثة إذ وجدت في بلدان متميزة عن غيرها على نحو أو آخر.. ولعل سعي بعض الأنظمة للتطبيع مع إسرائيل يأتي في سياق هذا الخوف.. ما سمي بـ (اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل)

استطاع مشروع عزمي بشارة أن يواكب ذلك الحدث ويعمل لا على تغطيته عبر وسائط شركة “فضاءات ميديا ليمتد” المتعددة الوسائط، بل عبر المركز العربي لدراسة السياسات على تحليل أسبابه البعيدة والعميقة ويدين الأنظمة التي تواجهه كفكر سياسي تغييري.. فكيف إذاً لا يخيف فئات وشرائح اجتماعية حاكمة تستفيد من واقعها ومن تخلفه.. يرى بعض الباحثين أن كتابات عزمي بشارة.. “كتابات غير تأملية، بل حيوية تماماً، ومنبثقة من صميم المشكلات التي يضج بها المجتمع العربي، والفكر العربي معاً. وبمعنى آخر، فإن ما يكتبه الرجل من بحوث ودراسات ومقالات لا يندرج في سياق التنزه بين الأفكار، بل هو مكابدة شاقة ومعاناة قاسية، كي يتمكن من تقديم رؤية أو فكرة جادّة للمستقبل”. (صقر أبو فخر/العربي الجديد).

أخيراً إنَّ عزمي بشارة هو ذلك النائب الذي كنا منتصف تسعينيات القرن الماضي وحتى منتصف العقد الأول من القرن الجديد نتابع مداخلاته دفاعاً عن فلسطين وتماهياً في مشروع منظمة التحرير الفلسطينية، وفصائلها الأكثر تنوراً على أرضية عروبة القضية وضد العنصرية الصهيونية. ولعله الأبرز من بين الأعضاء العرب الذين مثلوا المواطنين الفلسطينيين داخل البرلمان “الإسرائيلي”، وقد “جرت عدة محاولات لنزع حصانته البرلمانية”، كما وُجّهت إليه تهمة “مساعدة العدو في زمن الحرب” والمقصود الوقوف إلى جانب المقاومة اللبنانية خلال حرب لبنان 2006، كما وُجّهت له تهم “رفض يهودية الدولة، والتحريض على التظاهر خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية” وعزمي بشارة حاصل على جائزة ابن رشد للفكر الحر في العام 2002. وجوائز أخرى..

About عبدالله حسين

أنا عبدالله حسين. مواليد الحسكة عام 1972تخرجت من الجامعة كلية الأداب والعلوم الإنسانية قسم صحافة جامعة دمشق عملت مدرس لدى وزارة التربية في محافظتي إدلب والحسكة غادرت سوريا في بدايات عام 2012لأسباب معروفة مقيم في تركيا حاليا وشكرا.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.