هل يحق للأكراد أن يكوّنوا دولة؟

رسلان عامر

تعتبر المشكلة العرقية، ولاسيما الكردية، إحدى المشكلات الحساسة والخطيرة في الشرق العربي، مثلها مثل مشاكل الطائفية والتطرف الديني، والقمع السياسي، وتدني مستويات الثقافة والمعيشية، وهي ليست مشكلة منفصلة عن غيرها من المشاكل، ولا يمكن حلها حلا صحيحا بشكل منفصل عن سواها، وهذا ما سنتحدث عنه في مقالنا هذا، الذي ستتم فيه محاولة بيان أسباب وإمكانيات حل المشكلة الكردية، وما يشبهها من مشاكل الهوية.

1- السعي لتحقيق الدولة القومية المستقلة:

نمت فكرة الدولة القومية في أوروبا في القرن التاسع عشر، ومنها انتشرت إلى بقية مناطق العالم، ومن بينها الشرق الأوسط، فظهرت حركات قومية كالحركة العربية والتركية والكردية وسواها، حيث سعت كل قومية إلى تحقيق دولتها الموحدة المستقلة أو إعادة هندستها على أساس قومي، وقد استقل معظم العرب في دول خاصة بهم، وتحولت تركيا إلى دولة قومية، أما الكرد فقد بقيوا موزعين بشكل رئيس بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، وباستثناء العراق الذي اعترف لهم شكليا بحكم ذاتي في اتفاقية 1970، بقيت القومية الكردية غير معترف بها في تلك الدول، وبسبب وجود نزعة قومية استقلالية عند الأكراد، فقد صار هذا يعرضهم بدرجة ما إلى قمع ذي طابع سياسي قومي خاص.

إن الدافع الرئيس لتشكيل الدولة القومية عند الأكراد هو بالطبع دافع قومي أو هويوي، وهم فيه كجوراهم وكغيرهم من الشعوب التقليدية، التي ما تزال لديها “الهوية الجماعوية” على درجة كبيرة من الحدة والتصلب، وما تزال القومية عنصرا كبير الأهمية في هذه الهوية، التي ما تزال فكرة الدولة القومية شديدة الارتباط بها، فيما يمضي العالم المتقدم الحديث متجاوزا الدولة القومية، ليعيد صياغة مفهومه للدولة على أسس إنسانية غير مقومنة.
ومما لا شك فيه أن وجود الأكراد في دول هي نفسها تتخذ هوية قومية وتتبع سياسات قومية، يعزز لديهم النزعة القومية الخاصة، ويدفعهم أكثر إلى السعي لامتلاك الدولة الكردية، التي لا يكونون فيها أغرابا قوميا.
عدا عن ذلك، فالظروف الاجتماعية المتردية في هذه الدول، وإن تباينت في درجات ترديها، لا تجعل الكردي يحس بأنه في تلك الدول مواطن حاصل على حقوقه الإنسانية، وتجعله يعتقد بأن دولته الكردية المأمولة ستكون أفضل في هذا الميدان، وستعطيه حقوقه المواطنية والإنسانية.
وما تقدم يعني أن سعي الأكراد لتكوين دولتهم الخاصة يأتي استجابة لنزعة الهوية الشديدة لديهم من ناحية، ودفاعا عن الحقوق القومية والإنسانية المنتقصة في دول تواجدهم من ناحية ثانية.

2- هل المطلب الكردي عادل؟

أسوة ببقية القوميات المحيطة، لم لا يكون الأمر عادلا؟ فلماذا لا يحق للكردي أن يكون لديه قوميته ودولته القومية، في حين يحق للعربي والتركي والإيراني ذلك؟!
ولماذا يعتبر الكردي انفصاليا مجرما إن هو فكر بدولة كردية وسعى لتحقيقها، وهذا ما فعله العربي عندما استقل عن العثمانيين؟!
ولماذا على الكردي أن يعتبر إيران أو تركيا أو العراق أو سوريا وطنه، وليس كردستان، طالما أنه لا يتمتع بحقوقه الهويوية الخاصة والإنسانية العامة في هذا البلدان، فهل يعتبر بلدا لا تحترم فيه هذه الحقوق بالحد الكافي وطنا حقيقيا؟!

3- التقييم المنطقي والأخلاقي للمطلب الكردي:

بناء على ما تقدم، يمكن القول أن الكردي ليس مجرما ولا خائنا إن هو فكر بإقامة دولته المستقلة وسعى لتحقيقها، فهو في هذا يتساوى مع العربي والتركي والإيراني، ولا يفعل شيئا لا يفعلونه هم، وتجريمه أو تخوينه من قبلهم هو جور عليه، وكيل بمكيالين!

مع ذلك فهذا القياس على الغير لا يجعل المطلب الكردي شرعيا من الناحيتين الأخلاقية والمنطقية، فمفهوم الدولة الحديثة يقوم على فهمهما كمؤسسة قيادية إدارية، تقوم بتنظيم شؤون المجتمع وقيادته، لتلبية كل احتياجاته كمجتمع إنساني، ومن أجل هذا لا بد من قيام الدولة الحديثة على أسس إنسانية أخلاقيا وعقلانية وعلمية عمليا، والقومية ليس لها دور في هذا المجال، وإقحام أية عناصر قومية في سياسة الدولة هو إخلال بمبدأ المساواة بين المواطنين، لكن القومية في الدولة الحديثة تُحترم بشكل تام للجميع باعتبارها حقا من حقوق الإنسان في الهوية.

عدا عن ذلك فبنتيجة وجود الأكراد القديم في منطقة ذات تنوع سكاني، فقد حدث بينهم وبين الشعوب الأخرى تداخل يجعل “كردية كرستان” المزعومة لا تختلف فعليا “عروبة سوريا” المفترضة، وعند إقامة دولة قومية كردية، فهي لن تكون عندها بلا أقليات قومية، وسيصبح وضع هذه الأقليات فيها منتقصا بشكل مشابه لوضع الكرد في الدول القومية التي انفصلوا عنها، وهذا سيعيد انتاج نفس المشكلة القائمة حاليا بين الأقليات والدولة القومية؛ أما من الناحية الثانية، فبسبب التداخل الديموغرافي، ووجود العصبية القومية المرتفعة عند كل شعوب المنطقة، فأي مسعى كردي للانفصال، سيتسبب في نزاعات خطيرة بين الكرد وجيرانهم، وهذه حالة تتكرر في أية محاولة أو عملية انفصال تجري في بيئة تعيش فيها شعوب تقليدية متشددة هويويا، ولذلك فلن تجلب المساعي الانفصالية لا للأكراد ولا لجوارهم الخير، بل ستتسبب بالشر الكبير، وهذا ما نرى بعضا منه يحدث اليوم على أرض الواقع في سوريا والعراق بشكل جلي.

4- ما هو الحل السليم؟

لماذا الدولة القومية؟
هل هي في قوميتها إلا إرضاء لنزعة الانتماء؟
صحيح أن الإنسان هو كائن انتمائي، والانتمائية هي حالة غريزية موجودة عند الإنسان، وعند العديد من الكائنات الأخرى، ولكن لكي لا تصبح الانتمائية قوة عمياء تتحكم بالإنسان وتسيطر عليه مثل غريزة القطيع، فالانتمائية هذه يجب أن تخضع دوما للعقل وتوضع تحت سلطانه، وتَُتبع للإنسانية التي يجب أن تتقدمها وتعلو عليها!
والدولة القومية لا تستطيع أن تقدم للإنسان أي حق لا تستطيع أن تقدمه له دولة مبنية على أساس إنساني، بل على العكس من ذلك، فالدولة القومية بدرجة ما تهدد حقوق من ينتمي إليها نفسه، لأنها تضع قوميته فوق إنسانيته، وتجعله هو نفسه تابعا للجماعة القومية، التي تتصدر حقوقها كجماعة حقوقه كإنسان، ما يتسبب في كثير من الأحيان بالانتقاص من هذه الحقوق أو هدرها، وعدا عن ذلك فهذه الدولة التي تنمّي لدى المنتمي إليها العصبية القومية، وتعطيه امتيازات قومية، تبقيه في حالة من الحساسية والتوتر مع أبناء القوميات الأخرى، وهذا ما يمكن أن يتطور إلى نزاعات قومية.

أما الدولة اللاقومية، أو الدولة الوطنية فهي تساوي بين جميع القوميات، وهي كدولة حديثة، تبنى على أسس عقلانية علمية، تكون أيضا أقدر على حل المشكلات الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان.
وهكذا فما يحتاجه الكل في الشرق الأوسط، من كرد وعرب وترك وإيرانيين وسواهم، هو الدول الوطنية الديمقراطية، فهذه الدولة هي الحل السليم لكل إشكاليات الهوية ومشاكل حقوق الإنسان والمعيشة، وهي التي تستطيع أن تكون وطنا إنسانيا حقيقيا يستطيع الإنسان أن يحيا فيه كإنسان وأن ينتمي إليه كإنسان.
وبالتالي، ففي الدول التي يعيش فيها العرب والكرد وغيرهم من القوميات، على الجميع أن يتعاونوا معا على بناء الدولة الحديثة، التي تساوي بينهم جميعا وتحترم حقوقهم وتلبي ضروريات وكماليات إنسانيتهم، وهذه الدولة لا تحتاج إلى قومية، فكما أنه ليس هناك مثلا وزارة صحة عربية أو كردية أو شركسية و ما شابه، بل هناك وزارة صحة تقوم على أسس علمية وقانونية لكي تكون وزارة صحيحة وناجحة، فالحال مشابه مع مؤسسة الدولة ككل، وهي كمؤسسة يجب تكون قائمة على العقل والعلم والقانون، وألا تتدخل فيها القوميات وما شابه من المسائل التي تنتمي إلى مجالات الغريزة والعاطفة والإيمانية، وكل ما لا يخضع لإرادة ومنطق الإنسان كائن عاقل.

*

‏22‏/10‏/2019

About رسلان عامر

نبذة عن الكاتب: مهندس سوري من موليد 1968.. متخرج من أو كرانيا عام 1994 باختصاص الطاقة الحرارية. يحمل ماجستير في الطاقات المتجددة 2007، و ماجستير في الإدارة عام2001، و دبلوم في الطاقة الشمسية عام 1999، ودبلوم تأهيل تربوي عام 1999 من جامعة دمشق. له كتاب مترجم عن الروسية منشور في دار الكلمة بدمشق، عام 2003 عن فلسفة الحب الطاوية الصينية. و يشارك اليوم في مجلات و مواقع رقمية سورية و عربية.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.