#حامد_عبد_الصمد: هل لعنت #أمريكا اليوم وتمنيت زوالها؟ هل شمت فيها بسبب تفشي وباء ال #كورونا في كل ولاياتها؟

عزيزي المثقف العربي،
هل لعنت أمريكا اليوم وتمنيت زوالها؟
هل شمت فيها بسبب تفشي وباء الكورونا في كل ولاياتها؟
بعض المثقفين العرب إسلامجية حتى ولو كانوا لا يحبون الإسلاميين. لديهم مشكلة نفسية كبيرة مع الولايات المتحدة الأمريكية، أولاً لأن معظمهم دخلوا طريق الثقافة من بوابة اليسار، والذي يعتبر العداء للرأسمالية، وللغرب بصفة عامة، هو الركن الأساسي من أركان هويتهم، ويظهر هذا العداء في هذه الأيام حين نرى بعض هؤلاء المثقفين يشيدون بالصين وطريقة محاربتها للفيروس ولا يخفون شماتتهم تجاه تزايد أعداد الإصابات والوفيات في الولايات المتحدة، ولا يخفون رغبتهم في أن تحل الصين وروسيا محل أمريكا في قيادة العالم.
المثقف العربي الذي يحلم بالديمقراطية والحرية ومحاربة الفقر يشيد بأنظمة قمعية مستبدة تستغل فقر مواطنيها للعمالة الرخيصة ولا تتورع عن الزج بهم في السجون حين يخالفون الحكام في الرأي، وهي دول ليست اشتراكية فعلاً بل أشد شراسة في رأسماليتها، لأن الرأسمالية الصينية والروسية لا تحكمها منظومة القيم والقوانين الموجودة في أمريكا، ولأن العامل الصيني أو الروسي لا يتمتع بالحقوق التي يتمتع بها العامل الأمريكي، ولا يحلم بدخله الشهري ولا بحقوقه السياسية والمجتمعية.
قد تختلف أو تتفق مع سياسات دونالد ترامب أو أسلوبه في التعامل مع خصومه، وكان لي عدة انتقادات له من قبل، ولكن ترامب ليس الولايات المتحدة، وفي النهاية هو مازال مقيد بمنظومة القيم والقوانين التي تجبره على الشفافية والتوازن، وسينتهي حكمه بعد شهور أو بعد أربعة سنوات وستستمر الولايات المتحدة في ديمقراطيتها. ولو كان لي خيار بين الصين والولايات المتحدة فلن أتردد لحظة في اختيار الولايات المتحدة، لأنها أول بلد في العالم أسس دولة على مبادئ أخلاقية وحقوقية، وأول بلد جعل محاسبة الحكام من أهم بنود الدستور، وأول بلد معظم سكانه مهاجرين ولكل مهاجر فرصة الحياة في حرية ورفاهية وأن يصير أحد أبنائه رئيس الدولة.
ستقول لي ولكنهم أساءوا معاملة السكان الأصليين للبلاد والعبيد وأقروا نظام الفصل العنصري. نعم حدث ذلك، ولكنه أيضاً البلد الذي حارب فيه جيش من البيض ضد جيش آخر من البيض لتحرير العبيد، وهو البلد الذي اعتذر قادته عن تاريخه العنصري، وهو البلد الذي انتخب ابن مهاجر أفريقي رئيساً للجمهورية. وهو البلد الذي يدافع عن حقوق نائبة مسلمة في لبس الحجاب، وهو البلد الذي تسافر إليه وتمشي في شوارعه بحرية وتتنقل من ولاية لولاية بحرية وتنتقد رئيسة بحرية، دون أن تخاف من مراقبة أو سجن أو طرد.
الديمقراطية ليست رومانسية وحالمة. هي ورشة تصليح سيارات، فيها خبط وحرق وصهر، فيها روائح كريهة وعرق وأخطاء، ولكن في النهاية يتعلم الميكانيكي من أخطائه ويطور من نفسه وتعود السيارة للطريق من جديد بلا مشاكل، لأن لديه قطع الغيار الصحيحة ومنهجية فعالة.. الديمقراطية الحقيقية قادرة دائماً على تطهير نفسها والعودة للمسار الصحيح، لأنها تعترف بأخطائها، بينما الحالمون بيوتوبيا كاملة الأركان يقودون البشرية دائماً من كارثة لأخرى.. أنظر مثلاً لليتوبيا الفاشية أو اليوتوبيا الشيوعية أو اليوتوبيا الإسلامية، وكيف ذهبت بشعوبها بل بالعالم كله من خراب إلى خراب، وذلك لأنه لم يكن لديها منظومة قيمية عالمية ولم يكن لديها القدرة على نقد الذات والعودة للمسار الصحيح..
لو أردت أن تعرف الفرق بين منظومة القيم الغربية والصينية أنظر ماذا فعلت شركة “ميدترونيك” وهي شركها أسسها الأمريكي إيرل باكين صاحب براءة اختراع منظم ضربات القلب الاصطناعي، وهي متخصصة في صناعة الأجهزة الطبية. وقد نشرت بعد تفشي فيروس كورونا خطط تصنيع جهاز التنفس الصناعي الذي تمتلك براءة اختراعه على الانترنت مصحوباً بسوفتوير التشغيل حتى يتمكن العالم كله من تصنيع الجهاز بالمجان لإنقاذ الأرواح. هل تذكر إسم جهاز طبي اخترعته الصين؟ الصين تتجسس عادة على مثل هذه الشركات وتطور أجهزتها بسعر أرخص وكفاءة أقل!
أمريكا ورأسماليتها جزء من منظومة القيم الغربية التي حققت كل ما يحلم به المثقف العربي من حقوق إنسان وحرية تعبير وحرية تنقل وحرية اتصالات وحماية الأقليات وانفتاح الشعوب على بعضها، وجودة البحث العلمي والتقدم التكنولوجي والطبي وحرية الإبداع، وهذا المثقف لا يحلم بأن يرسل أولاده للصين للدراسة، لكن للولايات المتحدة أو ألمانيا، ولا يستطيع أن يستغني عن البضائع والتكنولوجيا والأدوية الأمريكية أو الألمانية من اللابتوب لميكروسوفت إلى أيفون ومن فيسبوك إلى جوجل وأوبر، ومن الأدوية إلى الأجهزة الطبية، ولكنه يستطيع أن يستغني بسهولة عن كل ما هو صيني. ولكن هذا المثقف يتهم أمريكا أنها بلد بلا حضارة ويتمنى زوالها أو هزيمتها. ولكن ما هي الحضارة؟ قد لا يكون لأمريكا تاريخ طويل تسرد فيه أسماء ملوك وامبراطوريات مروا عليها، ولكن لديها ثقافة وحضارة قوية هي امتداد للحضارة الغربية منذ الإغريق حتى اليوم. والحضارة الجذابة تقوم على منظومة قيمية وثقافة عمل وحقوق إنسان وإبداع وعلم، وهو الخليط الذي لم تصل إليه الصين بعد، لأنها تضع الإنتاج قبل الإنسان وحقوقه الشخصية في بؤرة الاهتمام. وأنا أتمنى أن تصل الصين وروسيا وشعوب منطقتنا وكل العالم إلى هذا الخليط، وأتمنى أن تطور الولايات المتحدة من نفسها وتتعلم من أخطائها أكثر، لأن هذا البلد والطاقات العلمية والإبداعية والسياسية والإنسانية الموجودة فيه مهمة جداً للعالم، خاصة في ظل الأزمات والتحديات التي تواجهها البشرية هذه الأيام…

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

* Copy This Password *

* Type Or Paste Password Here *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.