هل ذكر الرب يسوع المسيح الأقباط في الإنجيل ؟

☆ ” مَنْ أَحَبَّ أَبًا أَوْ أُمًّا أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ أَحَبَّ ابْنًا أَوِ ابْنَةً أَكْثَرَ مِنِّي فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي، وَمَنْ لاَ يَأْخُذُ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعُني فَلاَ يَسْتَحِقُّنِي. مَنْ وَجَدَ حَيَاتَهُ يُضِيعُهَا، وَمَنْ أَضَاعَ حَيَاتَهُ مِنْ أَجْلِي يَجِدُهَا.(متي١٠) .

” وَكُلُّ مَنْ تَرَكَ بُيُوتًا أَوْ إِخْوَةً أَوْ أَخَوَاتٍ أَوْ أَبًا أَوْ أُمًّا أَوِ امْرَأَةً أَوْ أَوْلاَدًا أَوْ حُقُولاً مِنْ أَجْلِ اسْمِي، يَأْخُذُ مِئَةَ ضِعْفٍ وَيَرِثُ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ “. ( متي ١٩ )

☆ إن الذي يقرأ آيات الكتاب المقدس هذه بدون عمل الروح القدس سيجد شيئاً من الصعوبة في الفهم وربما التناقض الظاهري بين دعوة المسيح إلي التحلل من إرتباطات تفرضها محبة الإنسان للآخرين وبين ما جاء في الآية التالية من التأكيد علي أن محبة الأخوة هي علامة تظهر بالضرورة علي من أقامه المسيح من الأموات وانتقل الي الحياة :

” نَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّنَا قَدِ انْتَقَلْنَا مِنَ الْمَوْتِ إِلَى الْحَيَاةِ، لأَنَّنَا نُحِبُّ الإِخْوَةَ. مَنْ لاَ يُحِبَّ أَخَاهُ يَبْقَ فِي الْمَوْتِ ( يوحنا الأولي ٣ ) .

▪ إن ” الأخوة ” الذين ذكرهم الإنجيل هنا ، هم الذين بلا أخوة أو فقدوا من يحبهم او حبهم . هذا بديهي من فهم الآية لأن محبة أقربائنا بالجسد لا تعطي حياة ابداية بل تعطي حياة إنسانية . لذلك تسميهم الكنيسة ” إخوة الرب ” .

▪ إن طبيعة الإنسان الساقطة ليست مؤهَلة – بعد فسادها بالسقوط في آدم – لأن تحب الآخر . ولكن متي تجددت في المسيح فإنها تنفتح علي محبة أخوة الرب.. أي العالم كله ، لأنها صارت مسيحاً ” نحن من لحمه وعظامه ” .

▪ لذلك فإن إتساع أطناب الانسان في المسيح يسوع يحوله الي إنسان كوني يهتم ويحب كل إنسان . بل يحب الكون وكل خليقة الله فيه . فلا عجب أن تأتي سير القديسين بالكثير من أمثلة لطاعة الطبيعة الصماء وخليقتها العجماء لهم . لأن الخليقة الجديدة – في المسيح يسوع – عندما تتجلي فينا ، فإنها تعود بالخليقة العجماء إلي حالة ماقبل سقوطها في آدم ، عندما خضعت له إذ أقامه الله كاهناً للخليقة كلها .

▪ إن تحولنا في المسيح يسوع إلي هذا الإنسان
” الكوني” ، يحقق جزئياً – علي الأرض – قول الكتاب أن يصير الله هو الكل في الكل ” وَمَتَى أُخْضِعَ لَهُ الْكُلُّ، فَحِينَئِذٍ الابْنُ نَفْسُهُ أَيْضًا سَيَخْضَعُ لِلَّذِي أَخْضَعَ لَهُ الْكُلَّ، كَيْ يَكُونَ الله الكل في الكل “.

▪ فعندما يتحد المحدود باللامحدود تنتقل مواصفات اللامحدود الي المحدود . فكل انسان يصير فيه الله . والله هو الكل . من هنا نقول أن الانسان يصبح كونياً في محبته ونحو كل بشر . لان الله ” الكل” ملأه بإتحاد الإنسان في المسيح له المجد .

▪ومثال ذلك هو قطرة حبر في ماء صافي . فكلما امتدت الي كل محتوي الماء ، كلما تلاشت في كيانها كقطرة حبر و “ضاعت ” . هذا ما ذكره الرب يسوع أن ملكوت السموات يشبه خميرة تخمر العجين كله . وقال أيضاً ” من وجد نفسه يضيعها ” . ” ومن أضاع نفسه من أجلي يجدها ” .

▪إن كثيرين يخدمون الإنسان في هذا العالم من جهة احتياجاته المادية بدوافع مختلفة ومنها الدوافع الإنسانية الجليلة . ولكن الرهبنة القبطية هي تطبيق إنجيلي لخدمة خليقة الله الناطقة والعجماء من جهة إسترداد صورتها الأولي لمشروع الله في الخليقة قبل السقوط . بل والإمتداد بها إلي تجلي حياة ملكوت السموات ” ثبت يارب قيام صفوف غير المتجسدين في البشر ” ( القداس الإلهي) . إن الله ينظر ويسر ويفرح ويدافع عن أولئك الملائكة الأرضيين . أنظروا قول الرب يسوع المسيح عن المرأة التي سكبت قارورة الطيب كثير الثمن ودهنت به قدمي الرب .فبينما إنبري الكثيرون يلومونها بسبب ما إعتبروه إتلاف مال ، إذ كان من الأفضل خدمة المحتاجين بهذا المال ، نجد الرب يدافع عنها قائلا ” أتركوها ” لقد فعلت هذا لتكفين جسدي ، وأن الفقراء معكم في كل حين .

▪إن إختيار الرب لكلمة ‘ تكفين جسده’ بأن تسكب المرأة حياتها ( التي استُنزفت في عمل يومي من أجل توفير المال لشراء الطيب ) لا يخلو من بُعد سري مستيكي. فالتكفين هو عمل محبة من البشر كمحاولة يائسة للحفاظ علي جسد المتوفي . هذه المرأة ، ومن وراء وعيها ، أضاعت حياتها – جزئياً – لبقاء البشرية المتجسدة في المسيح يسوع والتي مزجت حياتها بها من خلال حركة حب قوي كلفها حياتها جزئياً .

▪هذا هو مامدحه الرب ، وهذه هي المسيحية، و الرهبنة القبطية هي إحدي روائع تجلياتهاالمحبوبة جداً من الرب والتي مدحها في تلك المرأة التي أحبت كثيرا .

▪ومن أهمية ما يمثله عملها في فهم المسيحية ، أعلن الرب أنه حيثما يُكرز بالإنجيل في المسكونة كلها يُذكر ما فعلته تلك المرأة تذكاراً لها .

▪… يا إلهي … أيتجاسر أحد بعد ذلك علي الرهبنة القبطية صاحبة قارورة الطيب كثير الثمن !!!

▪ هذه هي دعوة الرهبنة المسيحية التي ينالها البعض. ليست هي انكفاء علي الذات بل اتحاد بالكل في المسيح يسوع . فمن اتحد بالرب يحب أخوة الرب . وهم كل انسان سقط من إهتمام المجتمع .

▪إن من إستحق المسيح لا تحصره محبة الذات و ذويها بل تنتطلق محبته في المسيح إلي أبعاد غير محدودة لأن المسيح غير محدود . هذه الأبعاد لم يحددها المسيح في إنجيله وتركها مطلقة. واستخدم أقصي ماتستطيعه كلماتنا البشرية لتعبر عنها مثل كلمة “الكل” كما في الآية. أعلاه .

▪لقد ذكرت الأنباء العالمية هذا الأسبوع (نوفمبر ٢٠١٨) عن شاب امريكي عمره ٢٦ سنة ذهب مبشرا بالمسيح في جزيرة هندية نائية لم يختلط سكانها بالعالم بل يقتلون من يأتي إليهم ، لذلك تمنع البحرية الهندية الإبحار إليها. أصابوه بسهم في اول محاولة ثم كسروا قاربه في ثاني محاولة فرجع عائما إلي الصيادين المرابطين في المحيط الذين ينتظرونه . وترك رسالة طالباً من ذويه أن لا يغضبوا من الله أو منه او من أهل الجزيرة إذا قتلوه في محاولته الثالثة والتي رأي الصيادون من بعيد أهل الجزيرة يجرون جسده قتيلا .

▪لا أحد ، ولا الكنيسة ترضي لنا أن يكون هذا سلوكنا . ولكن لا أحد له ان يحكم علي هذا الحب الكوني لهذا المبشر الأمريكي الصغير . هكذا كان خروج انطونيوس الشاب الي الرهبنة . تحرُك شخصي مؤسَسَ علي الإنجيل ولكن ذو اتساع كوني في خروجه من حيز الذات الضيق الي اتساع حب الله الكلي حيث يصلي من أجل العالم . لذلك تبع العالم انطونيوس في حركات رهبنة شعبية ليست لها علاقة بإدارة الكنيسة . لذلك فإن الرهبنة القبطية لا يكون فيها كهنوت إلا للضرورة.

▪ إن هناك الكثير من اليقين الشخصي المبني علي أساس إنجيلي قوي ولكنه ليس ضمن تعليم الكنيسة الرسمي . إلا أنه لا ينبغي أن يحكم فيه أحد . لأن لا أحد له سلطان علي فكر الله وحبه وكيف يمت في الإنسان الذي إتحد بالمسيح ، طالما لا يتعارض مع تعليم الإنجيل بل يمتد فيه . والأمثلة كثيرة ومنها الخلاص الشامل او آراء شخصية لعلماء في الكنيسة ( أنبا إغريغوريوس ) عن متي تحل الروح في الجسد المخلوق أثناء تكوينه وأمور أخري كثيرة نري الإدارة في كنيستنا القبطية خلال ٥٠ عاما انقضت أعطت لنفسها حقا -ليس لها – لتحكم فيها وتحرم أصحابها بدون وجه حق . بينما الكتاب يقول” تحكمون في كل شئ ، و لا يُحكَم فيكم من أحد” ، من جهة الأبعاد الكونية لإنطلاقة عمل روح الله القدوس فينا – نتيجة إتحادنا بالمسيح يسوع – من جهة تحقيق صفات الله فينا من محبة ورحمة وقدرة .

والسبح لله .
بقلم د. رءوف إدوارد

About رءوف إدوارد

د.رءوف إدوارد كاتب قبطي ليبرالي حر
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.