هل خدم المال السياسي أي مشروع وطني للجماهير العربية؟

الكاتب الفلسطيني نبيل عودة

نبيل عودة

* -نحن امام ظاهرة هامة جدا: شخصا فردا، أصبح قادرا ان يهزم انتخابيا حزبا سياسيا تاريخيا بتنظيمه وإعلامه ورجالاته، وعلي سلام نموذجا!!*

*-القول الكريم “يد الله مع الجماعة” جرى اسقاطه من الذين يتوقع ان يتمسكوا به أكثر من الآخرين*

******

يمكن القول بلا تردد ان المال السياسي هدم الحياة الحزبية وأنهى دور الأحزاب التقليدي. والسؤال المشروع هنا: ما هو الدور السلبي اذن الذي لعبه المال السياسي (او الفئوي الانتهازي) في التأثير على نهج الأحزاب العربية في اسرائيل، على تحالفاتها، من العداء الى الوحدة، من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ومن النهج العلماني الى الاندماج مع النهج الديني الاصولي.

من اليوم الأول رأيت انها حالة سياسية عبثية ضررها سيكون أخطر من فائدتها المؤقتة، وهذا ما ثبتت صحته بشكل مطلق، لدرجة ان القائمة الموحدة بعد انشقاقها اصبحت ضمن حكومة، الأولى من نوعها التي يرفض رئيسها حل المشكلة الفلسطينية على أساس دولتان لشعبين. هذا برأيي اهم من أي مكسب تدعي المشتركة انها أنجزته للجماهير الفلسطينية في إسرائيل!!

النتائج السلبية لضم الموحدة للقائمة المشتركة، تبدو اليوم أكثر وضوحا من أي تحليل او مقال يحاول ان يفلسف الواقع العربي في اسرائيل، وصولا الى الانشقاق الذي هدم مبنى تحالف المشتركة المريض بتركيبته أصلا، وأفقده ثلث اعضاء الكنيست، طبعا لا ابرر الانشقاق لأنه نفذ على صعيد انتهازي لا يمت بصلة لأي حس وطني او اجتماعي يؤخذ بالحسبان كحاجز ممنوع تجاوزه، في الواقع الاجتماعي والسياسي الذي تعاني منه الجماهير العربية. لكنه اثبات آخر ان الحركات القائمة على مشروع ديني، لا تخدم أي قضية اجتماعية او سياسية للجماهير العربية، لأن ما يقرر نهجها ليس قضايا مجتمعها، بل ذاتيتها الانتهازية.

إن نسف المكانة القوية برلمانيا للجماهير العربية في اسرائيل، لحساب انتهازية شخصانية اصولية في تفكيرها السياسي والاجتماعي، هي خطوة انا شخصا توقعتها، بل وتوقعت ان تحدث بعد الجولة الانتخابية الأولى، لكنها تأخرت حتى أصبح الانشقاق ملائما لبرامج المنشقين.

الموضوع ليس اضعاف جسم سياسي لا اقبل عقيدته العلمانية، لأن الوحدة نشأت على اساس شمولي لكل القوى الناشطة في الساحة المحلية العربية، وتغليب الذاتية الانتهازية هنا هو قرار لم يأخذ بعين الاعتبار ان القوة العربية الناشطة برلمانيا كقوة موحدة، سيكون لها قوة الحسم السياسي برلمانيا او وقف مهزلة تشكيل حكومات على صعيد عنصري، يتنكر لمبدأ دولتان لشعبين، وتسهيل فضح هذا النهج السياسي دوليا، وربما شل الحياة السياسية حتى تقر مطالب سياسية، وطنية وتطويرية هامة للمجتمع العربي في اسرائيل. للأسف ما جرى كان خيارا تجاريا اعتمد سياسية انتهازية لا تقدم الا الفتات للجماهير العربية. وحتى الفتات لم يظهر بعد!!

قصدا لا اريد ان اقول التيار الديني، لأن الدين ليس احتكارا لسياسات انتهازية، بل يبقى القول الكريم “يد الله مع الجماعة” قولا جرى اسقاطه من الذين يتوقع ان يتمسكوا به أكثر من الآخرين.

لم يعد سرا الكشف الذي اعرفه من الاتفاق الأول لتشكيل قائمة برلمانية مشتركة، ان المال السياسي لعب دورا في تشكيل المشتركة وأثر على نهج الأحزاب العربية في إسرائيل، بالتنازل عن ايديولوجياتها الماركسية والقومية والدينية، والتحالف الذي أحدث قفزة بقوة وتأثير المجتمع العربي على الواقع السياسي في اسرائيل، حمل املا لتطوير المشروع الوطني، اجتماعي، ثقافي، تعليمي وصحي. لكن الواقع ان المال السياسي لم يخدم في النهاية الا مصالح ضيقة جدا.

هل باستطاعة أي مواطن عربي ان يشير إلى مضمون ايجابي واحد أنجزه المال السياسي للمجتمع العربي، تجاوز تشكيل قائمة مشتركة؟

ماذا تبقى اليوم من فكرة المشتركة؟ سوى عدد من الأعضاء هامشيين سياسيا بتأثيرهم على أي حدث سياسي او غير سياسي يخص المجتمع العربي. حتى من تشاطر ودخل الائتلاف بوهم ان يقرر سياسة مختلفة، لم نر الا زرعا بلا ثمار. ومن الواضح ان المكانة الشخصية الاعلامية هي ما أطربت السيد منصور عباس.

الماركسية ايضا التي كانت وما تزال محور فكري للجبهة، لم يعد لها علاقة بالواقع. كانت ماركسية الجيل القديم ماركسية إنسانية تمد التنظيم بروح رفاقية من التعاضد والتعاون والتكافل. ذلك النهج تلاشى منذ وقت طويل ويمكن القول مع انتهاء الدور التاريخي الذي لعبته الطليعة السياسية ومع بدء الوضوح ان الماركسية التقليدية لم تعد تستجيب كأداة فكرية لفهم الواقع الذي يتطور ويتجاوز كل طروحات الماركسية التقليدية القديمة.

الأمر الأكثر اهمية هو اننا اليوم أمام ظاهرة شاملة لنهاية حقبة الأحزاب السياسية، هذه الظاهرة أكثر بروزا في الدول الأوروبية، خاصة بما يتعلق بأحزاب الحركة الشيوعية، حيث نجد أنها تحولت إلى مجرد مكاتب وبعض الممثلين البرلمانيين. هل سمعتم مثلا خبرا عن حزب شيوعي فرنسي؟ أو ايطالي؟ او بريطاني له موقف من أحداث عالمنا؟

طبعا هذا جانب واحد من الأزمة، الجانب الذي أود ان اطرحه هو تدفق المال السياسي على الأحزاب بأساليب وكميات غير مسبوقة، لم يخدم أي هدف سياسي الا إذا اعتبرنا اقامة وحدة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار هو المكسب العظيم، لكنه مكسب لم يصمد نتيجة تفكير انتهازي شخصاني وليس تفكير سياسي حول واقع عربي يحتاج الى تضافر كل الجهود للتأثير السياسي على قرارات السلطة، وليس للظهور التلفزيوني والاعلامي وكأنه المكسب العظيم للجماهير العربية.

لم تعد الصيغة الطبقية صالحة لتعريف الأحزاب. لا تحدثوني عن حزب طبقة عاملة مثلا، لا أجدها في قيادة الحزب ولا في علاقاته الداخلية بين قادته وكوادره. لا تحدثوني عن يسار سياسي أو وطني كل مشاغله إقامة صناديق لتجنيد الأموال.

أقام قبل سنوات أحد الأحزاب الوطنية حسب تعريف نفسه، مؤسسة للثقافة. تلقت ملايين كثيرة من مصادر عديدة، بما فيها مصادر فلسطينية، بهدف تنشيط الحياة الثقافية للوسط العربي. ماذا أنجزت المؤسسة الثقافية؟ أي مشروع ثقافي تركته في مجتمعنا بحيث يمكن ان نتذكرها به؟ دارا لنشر الإبداعات المحلية مثلا؟ دعم للمسرح الذي بتنا نفتقده؟ دعم لفرق الفنون الموسيقية والراقصة؟ دعم لفن الرسم والنحت؟

هل استخدمت بعض هذه الأموال مثلا لدعم مشروع تنويري في المدارس العربية؟ هل استخدمت مثلا لتطوير مكتبات عامة أو مدرسية؟ هل قامت بتزويد طلاب فقراء بحواسيب يفتقدونها في بيوتهم؟ هل كرست بعض هذه الأموال في دعم دراسات طلابنا في الجامعات، وكلنا نعرف ما يعانيه الشاب العربي من مشاكل مادية ولوجوستية معقدة؟

للأسف لم يتحقق أي شيء له علاقة بالثقافة، بل مكاسب شخصية وحزبية وإعلامية!!

ظاهرة اسمها “علي سلام”

الصورة التي بدأت تتشكل، بان شخصا فردا، لا يملك حزبا ولا أموالا سياسية ولا تنظيما حزبيا ولا كوادر معبئة فكريا وتنظيميا، أصبح قادرا ان يهزم حزبا سياسيا تاريخيا بتنظيمه وإعلامه ورجالاته، واشرت سابقا لهذه الظاهرة وهي ظاهرة علي سلام رئيس بلدية الناصرة. المدينة الحمراء كما كانت تسمى، هو تحول سياسي ستكون له أهميته على ساحة المجتمع العربي في إسرائيل قاطبة!!

اهمية هذه الظاهرة انها فتحت الساحة اما مئات الشخصيات التي لا تنتمي لتنظيمات سياسية، ان تقتحم ساحة النشاط الاجتماعي والبلدي بإحداث انقلاب في العلاقات مع الجمهور بعيدا عن القيود الحزبية الضيقة.

أرى ان الحياة الحزبية باتت تفتقد لشخصيات مستقلة بتفكيرها عن أوامر تنظيماتها في نشاطها بإطار وادارة السلطات المحلية، وبات من الملح والضروري ان تتقدم القوى ذات القدرات الادارية والتطويرية لاحتلال المقدمة في سلطاتنا المحلية!!

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.