هل الملكة الآشورية سموـ رامات هي نفسها سميراميس ؟؟

عاجيّات نمرود في بلاد آشور ‎‎

بقلم : عضيد جواد الخميسي

(سموـ رامات) أصبحت وصية على عرش الإمبراطورية الآشورية (عام811-806 قبل الميلاد) ، بانتظار بلوغ ابنها (أدد ـ نيراري الثالث عام ـ 811-783 قبل الميلاد) لسنّ الرّشد . كما عُرفت أيضاً باسم (شموـ رامات) ؛ ولكن (سميراميس) كان اسمها الأشهر .

مضى قرن ونيّف من الزمان ولا يزال الجدل قائماً بين العلماء والباحثين حول سميراميس . فهل كانت أسطورتها مستقاة من سموـ رامات ؟ وهل هي حقّاً شخصية تاريخية ؟ وهل حكمت بلاد آشور أصلاً ؟

لا يُرجَّح أن يصل النقاش حول تلك التساؤلات إلى نتيجة حاسمة في المستقبل القريب ، لكن وعلى ما يبدو يمكن القبول ؛ أن فترة حكم الملكة سموـ رامات ساعدت في تعدد الأساطير المتعلقة بسميراميس .

كانت سموـ رامات زوجة الملك (شمشي ـ أدد الخامس ـ عام 823-811 قبل الميلاد) ، ولمّا توفى زوجها تقلّدت الحُكم بصفتها وصية على عرش ابنها (أدد ـ نيراري الثالث) حتى بلوغه ، وعندما بلغ تنازلت له .

تصفها البروفيسورة (گويندولين ليك) في تعليقها التالي :

“حقّقت هذه المرأة شهرة وقوة لافتتين للنظر في حياتها ومماتها. حيث تُظهر السجلات التاريخية ذات العلاقة تأثيرها المهم في البلاط الآشوري” (ص 155). وتبيّن الدلائل التاريخية ؛ كيف استطاعت سموـ رامات أن تحافظ على العرش بعد وفاة زوجها؛ عندما كان لايُسمح للنساء أن يتقلدن مناصب قيادية في الإمبراطورية الآشورية ؛ وإلاّ كيف بامرأة واحدة تمكنت من الوصول إلى العرش في ذلك الزمان ؟! . ليس بالمستطاع حصول ذلك إلا إذا كانت تلك المرأة قوية جداً !.

إذا كانت سميراميس هي سموـ رامات ؛ فإن عهدها كان بلا شك مميّزاً عن الذين سبقوها ؛ فقد طُبع اسمها في ذاكرة الآشوريين والإغريق والأرمن وشعوب أخرى؛ باعتبارها شخصية شبه مقدّسة عندما ولدتها الآلهة ورعتها الطيور . أما المصدر الرئيسي الذي تناول قصص سميراميس فهو كتابات المؤرخ الإغريقي (ديودورس الصقلّي ـ عام 90 ـ 30 قبل الميلاد) ؛ الذي استعار مؤلفات (كتسياس ـ القرن الخامس قبل الميلاد) المفقودة حالياً . كما ورد ذكر سميراميس في مؤلفات (هيرودوت) و(سترابو) ، وانتشرت الأساطير عنها في أعمال كتّاب كثيرين بينهم (پولياينوس) ،(بلوتارخ) ،(يوستينوس) ، و(يوساپيوس) .

ذكر بلوتارخ المقطع التالي في أحد مؤلفاته :

” أمرت سميراميس بإقامة نصب تذكاري أمام ضريحها يحمل العبارة التالية: الملك الذي يريد الكنز ويفرح به ؛ عليه أن يفتح هذا القبر. فتحه الملك داريوس [الملك الأخميني دارا الأول] فلم يجد كنزاً؛ إلاّ أنه وجد نقشاً آخر يقول: لو لم تكُن خسيّساً جشِعاً؛ لما أزعجت الموتى وهم رقّدٌ في قبورهم !! “.

كما يذكر(يوساپيوس) شكوى الكاتب البابلي (برهوشا) أو (پيروسوس ـ باليونانية)؛ أن الإغريق ينسبون لسميراميس مشاريع عمرانية عظيمة لم تكن لها يد فيها، بينما ينقل (پولياينوس) نقوشاً نسبها لسميراميس تشهد بمآثرها وبنائها الأسوار المنيعة حول مدن مملكتها .

لقد ارتبطت سميراميس بعشتار (إنانا) والآلهة عموماً منذ عهد بعيد سبق زمان ديودورس الصقلّي؛ فقد قدّسها الآشوريون وشتمها الأرمن (ربما بسبب قيادتها حملة عسكرية ناجحة ضدهم) . لكنها حظيت بالتقدير والإجلال عموماً حتى ظهور المسيحية التي سلبتها قدسيتها مثلما فعلت مع عشتار وأفروديت وعشتروت وباقي الآلهة القديمة الأخرى .

شهَّر الوزير الأسكتلندي (ألكسندر هيسلوب ـ عام 1807 ـ 1865م) بسميراميس في كتابه (المملكتان البابليتان) المناهض للعقيدة الكاثوليكية. إذ ربط الملكة بعاهرة بابل المذكورة في سفر رؤيا يوحنا ؛إصحاح ( 17:5) ( وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «سِرٌّ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ») .لكن تلك الرؤيا لم تذكرها بالاسم ؛ ولم يرد ذكرها أبداً أو ذكر اسم يشبه اسمها سلباً في كتاب التوراة .

بصرف النظر عن مدى صحة ما ورد أعلاه ؛ فإنَّ العلماء والباحثين استمروا بتحدي فرضية تطابق شخصية سموـ رامات مع سميراميس منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي . وينقسمون أيضاً؛ حول ما إذا كانت سموـ رامات قد حكمت آشور فعلاً ؛وهل حُكمها جاء بشخصية سميراميس ؟؛ وما هي إنجازاتها العظيمة المحفوظة في الذاكرة ؟. رغم كل ذلك ؛ قد تبقى سميراميس إحدى أكثر الشخصيات التاريخية إثارةً للجدل .

عهد سموـ رامات التاريخي

كان الملك شمشي ـ أدد الخامس (زوج سموـ رامات) ابناً للملك (شلمنصر الثالث) ، وحفيداً للملك (آشور ناصربال الثاني). وقد حَكَم الأخيران الإمبراطورية الآشورية وقادا حملاتهما العسكرية بنجاح ؛ مما مهّد لشمشي ـ أدد الاستقرار وحفظ الموارد الكافية ؛ ليبدأ عهده الجديد بخطى ثابتة لولا إنقلاب أخاه الأكبر على والدهما . حيث تمرّد ابن الملك شلمنصر الأكبر (آشور دانن بال) على حُكم والده سنة 826 قبل الميلاد بعد أن سئم بانتظار وفاته (كما يبدو) ليخلفه العرش ؛ إلا أن شمشي ـ أدد قد ساند أباه في القضاء على التمرّد بعد ست سنوات من إثارته .

أدّى الانقلاب الفاشل إلى هزيمة آشور دانن بال ؛ و ضياع موارد كثيرة كان يمكن استثمارها في تعزيز اقتصاد الإمبراطورية ، صاحبه ضعف سياسي مع أوضاع معيشية غير آمنة .

في ذلك الوقت برز اسم سموـ رامات في السجلات التاريخية ، ورغم أن تاريخ زواجها بالملك غير معروف ؛ إلاّ أنها كانت قادرة على تأمين الاستقرار للإمبراطورية حتى وفاة زوجها وتوليها العرش .

يعتقد المؤرخون ومنذ تولي سموـ رامات الحكم ؛ كان الشعب الآشوري غير مطمئن على ما ستؤول إليه الأمورمستقبلاً. إلاّ أن الحكم الناجح للملكة المرأة كان من شأنه أن يخلق نوعاً من الرهبة أكبر من تلك التي يتمتع بها الملك الرجل ، وذلك لغياب التجارب السابقة للنساء في إدارة الحكم . فقد كانت سموـ رامات قوية لدرجة نُصبت لها مسلّة خاصة بها ووضعها في مكان بارز من مدينة آشور ؛ حيث تشير مقدمتها إلى العبارة التالية :

“مسلة سموـ رامات ملكة [زوجة] شمشي ـ أدد ملك العالم ، ملك آشور، والدة أدد ـ نيراري ملك العالم، ملك آشور، زوجة ابن شلمنصر ملك الجهات الأربع” .

لا تُعرف المنجزات التي قامت بها سموـ رامات إبّان عهدها بالضبط ، لكن يبدو أنها بدأت عدداً من المشاريع العمرانية وقادت بنفسها حملات عسكرية .وحسب ما ذكره البروفيسور (ستيفن بيرتمان) في تعليقه التالي عن دورها في الحكم :

“قبل وفاة شمشي-أدد ، اتخذت سموـ رامات قرار غير عادي بمرافقة زوجها في حملة عسكرية واحدة على الأقل ، وقد ورد ذكرها بشكل بارز في النقوش الملكية” ( ص102). وبعد وفاته ؛ يبدو أنها استمرت في قيادة مثل تلك الحملات بنفسها ؛على الرغم من أن هذا الحدث وغيره قد أثار التساؤلات عند العلماء والباحثين .

أيّاً كان الأمر؛ فإن أداء سمو ـ رامات قد مهّد إلى استقرار الإمبراطورية بعد الحرب الأهلية ، وتركت لابنها إمبراطورية واسعة وآمنة عند توليه العرش . ومن المعروف أيضاً أنها قد هزمت الميديين وضمّت أراضيهم ، وربما غزت الأرمن . وحسب ماذكره هيرودوت في مؤلفاته ؛ ربما قامت ببناء السدود في بابل على نهر الفرات التي كانت مشهورة في عهدها. لكن ما أنجزته أيضاً تداخل مع جملة الأساطير في السنوات التي أعقبت حكمها. كتبت البروفيسورة (سوزان وايز باور) عن هذا الموضوع في المقطع التالي :

” تسلّقت الأميرة البابلية سموـ رامات سلّم الحكم فنالت عرشه . ولم يكن قد حصل ذلك من قبل تولّي امرأة الحكم في آشور. إن النُصب الذي أقامته لنفسها؛ لربما بسبب أنها كانت تعاني من بعض الصعوبات السياسية؛ فحشرت اسمها مع أسماء الملوك الآشوريين البارزين . ولم تدّعي سموـ رامات فقط أنها زوجة الملك شمشي-أدد ، و أم الملك أدد ـ نيراري ؛ بل أيضاً زوجة ابن شلمنصر ملك الجهات الأربع . فقد كانت قبضة سمو ـ رامات على السلطة قوية جداً ؛ لدرجة ورود اسمها في الذاكرة التاريخية البعيدة لشعوب حديثة نسبياً ؛ فتذّكرها الإغريق ومنحوها الاسم اليوناني [سميراميس]. كما وصفها المؤرخ اليوناني كتيسياس ؛ أنها كانت ابنة إلهة السمك التي رعاها الحمام ، وتزوجت من ملك آشور وأنجبت ابناً يُدعى [نينياس] ،وعندما توفي زوجها ؛ استولت سميراميس غدراً على عرشه. كما جاء في القصة القديمة اسم نينياس ابن الملكة الأسطورية بدلاً من أدد ـ نيراري . وهذه ليست القصة الوحيدة التي تلمّح إلى أن سموـ رامات سلبت الحكم بطريقة القراصنة. إذ يخبرنا مؤرخ يوناني آخر واسمه ديودوروس :أن سميراميس أقنعت زوجها بمنحها الحكم مدة خمسة أيام فقط ؛لمعرفة مدى قدرتها على إدارته. وعندما وافق ؛أمرت بإعدامه واستولت على العرش .” ( ص349)

تركت سميراميس انطباعاً حميداً لدى الناس في ذلك الوقت من خلال قيادتها للحملات العسكرية واهتمامها بالمشاريع العمرانية ، بالإضافة إلى إدارتها المقتدرة للسلطة ؛ لدرجة أنها عززت مكانتها لتصبح أعظم من الحياة نفسها. وقد كتب المؤرخ القديم (سترابو) المقطع التالي : “تمت الإشارة إلى أعمال سميراميس في جميع أنحاء القارة تقريباً ، فأعمال البناء تحمل اسمها ، والأسوار والحصون ، وقنوات الرّي والطرق التي تشبه السلالم فوق الجبال ، والقناطر والطرق والجسور” (16.1.2) . وكانت تعليقات هيرودوت سلكت المنحى نفسه ، وأضاف (ديودوروس) أنها كانت مخلوقة إلهية .

تم توثيق تلك المنجزات عن سميراميس من قبل المدونين القدماء ، إلاّ أن العلماء والمؤرخين في عصرنا هذا ؛ يعتقدون أن ما نُسب اليها لم يكن حقيقياً ، أو ربما لم يكن لها وجود أصلاً ، أو أن سموـ رامات لا علاقة لها بشخصية سميراميس الأسطورية .

كتب البروفيسور الألماني (ولفرام ڤون سودين) التعليق التالي حول تلك الشكوك : ” طُرحت فكرة أن سموـ رامات [أو] سميراميس في الأدب اليوناني ، فهي كانت وصيّة مؤقتة على العرش الآشوري بعد عام 810 قبل الميلاد . إلاّ أن ذلك لا يمكن إثباته” (ص 67). بيد أن علماء آخرين مثل (سوزان باور) يرى عكس ذلك . وأيّاً كان الخلاف؛ قد يبدو بوضوح أن أصل أسطورة سميراميس هو الملكة الآشورية التاريخية سموـ رامات؛ استناداً إلى المتشابهات التي تصل أحياناً حد التطابق في القصص التاريخية القديمة بين الملكة الآشورية التي غزت كل من ميديا وأرمينيا ، والملكة الآشورية المحاربة سميراميس .

قصة سميراميس الأسطورية

حسبما ذكر المؤرخ ( ديودورس) في مؤلفاته عن سميراميس:

” خُلقت سميراميس ؛ عندما غضبت أفروديت من إلهة السمك ديرسيتو في مدينة عسقلان [في سوريا] ؛ ألهمتها برغبة جارفة للحبّ مع شابّ وسيم من رعاياها، لتنجب منه بنتاً . وما لبثت ديرسيتو أن شعرت بالخزي والعار من فعلتها؛ قتلت الشاب وتركت الطفلة في صحراء صخرية ؛ولشعورها بالحزن الشديد ؛رمت بنفسها في بحيرة فتحول جسمها إلى سمكة ” (4.2).

كادت الطفلة تموت لولا مساعدة سرب من الحمام؛ إذ جلبت الطيور الحليب لها من قرية قريبة وأطعمنها بمناقيرهن، وبالجبن الممضوغ بعد حين ، وحافظن عليها من البرد بريش أجنحتهن . بيد أن المزارعين قد لاحظوا تناقصاً في الجبن والحليب ،فأخذوا يبحثون عن السبب ؛ حتى عثروا على طفلة يبلغ عمرها ما يقرب السنة على ضفة البحيرة ويحيطها الحمام . وكان مزارع من بينهم يدعى(سيماس) قد حضن الطفلة وذهب بها إلى بيته ، ثمّ أطلق عليها اسم ( سميراميس)، وحسب ديودور إن معنى الاسم هو “الحمام ” .

كبرت سميراميس وترعرعت في بيت المزارع ؛ فأصبحت امرأة جميلة معروفة بذكائها ورشاقة مظهرها . وذات يوم زارهم في المزرعة حاكم سوريا واسمه (أونس) ، فعندما رآها وقع في غرامها ، وعلى الفور طلب يدها للزواج من سيماس ؛ فوافق .

ذكر المؤرخ ديودورس وصفاً عن سميراميس في العبارة التالية :

“وبما أن صفات سميراميس الأخرى كانت تتماشى مع جمال وجهها ، فقد أصبح زوجها عبداً مطيعاً لها في كل شيء، ولأنه لم يكن يخطو خطوة دون مشورتها، فقد سعدت حياتهما.” (5.2) . ثم تدرّج أونس في مناصبه الملكية بفضل توجيه ونصائح زوجته حتى كان من بين أكبر مستشاري الملك ثقة .

في ذلك الوقت ، بدأ الملك نينوس حملة عسكرية ضد “باكتريا” (المنطقة القديمة في أواسط آسيا والتي تقع بين جبال هندو كوش ونهر جيحون وعاصمتها باكترا)، فاستولى على جميع مدنها باستثناء عاصمتها التي كان طامعاً بها أكثر من غيرها . فقام بحصارها ، لكنها كانت عصيّة عليه لدفاعاتها القوية. وبعد استمرار الحصار لبعض الوقت ؛ فكّر أونس في استشارة زوجته سميراميس لعله يجد الحل عندها .

كتب ديودوروس عن هذا المشهد في مؤلفاته من خلال هذا المقطع :

“ولمّا طال حصار المدينة ، أرسل زوج سميراميس في طلب زوجته ، الذي كان متشوقاً اليها في أوّج حملته مع الملك . استجابت سميراميس لرغبة زوجها . فاغتنمت الفرصة لإظهار قدراتها طالما تمتلك الفهم والإدراك والجرأة في حسم الأمور.

استعدت سميراميس لرحلة تستغرق عدة أيّام ، حيث أخاطت لها ثوباً يجعل من المستحيل تمييز مرتدوه رجلاً كان أم امرأة. كان هذا اللباس ملائما لاحتياجاتها أثناء السفر سواء في الطقس الحار أو لحماية لون بشرتها . كما يمنحها حرية الحركة،لأنه كان مرناً وجذّاباً ومناسباً للشباب ؛ لدرجة أن الميديين الذين كانوا مهيمنون في آسيا آنذاك ، كانوا يرتدون دائماً زّي سميراميس ، كما فعل الفرس من بعدهم .

بعد أن وصلت سميراميس إلى باكتريا ؛ شاهدت حصار الجيش للمدينة . ثمّ تنبهّت سميراميس إلى أن المهاجمين قد تموضعوا في السهول ، لذا كان سهلاً على المدافعين مهاجمتهم ، ولكن لم يفكر أحداً في مهاجمة قلعة المدينة الحصينة ، كما أن المدافعين عنها قد تركوا مواقعهم فيها لإسناد رفاقهم المحاربين الذين يتعرضون لهجمات متتالية عند أسوار المدينة. ونتيجة ذلك ؛ فكرّت سميراميس بجمع عدد من المقاتلين الأشدّاء الذين يمتلكون الخبرة في تسلق المرتفعات الصخرية ، ثمّ شقّت طريقها معهم عبر واد ضيّق و وعر، فاستولت على جزء من القلعة، وأعطت إشارة الالتفاف لأولئك الذين كانوا يحاصرون السور في الأسفل ؛ مما أصاب المدافعون الرعب والخذلان بعد الاستيلاء على القلعة ، فتركوا الأسوار وتخلوا عن الأمل في إنقاذ أنفسهم .” (6.5-8).

أخيراً ؛ سقطت المدينة بيد الملك نينوس ، ولكنه أراد أن يعرف من مستشاره أونس كيف حصل ذلك . أدرك الملك أن الفضل كان يعود إلى سميراميس زوجة أونس . وقد كان الملك مندهشاً من قدراتها وأفكارها الناجحة ؛ فأوعز اليها ولزوجها حفنة من الهدايا والمكارم . لكن سرعان ما وقع الملك في غرامها ! . وكما ذكر ديودوروس :

“أن الملك نينوس حاول إقناع زوجها في أن يتنازل عنها له طواعية مقابل أن يزوجّه ابنته [سوسين] . ولمّا رفض أونس عرض الملك ؛هدده نينوس بأن يقتلع عينيه ما لم يوافق على طلبه. إنهار أونس بسبب الخوف من تهديدات الملك من جهة ومحبته لزوجته من جهة أخرى ، فأصابه مسّ من الجنون والهلع . بعد تلك المأساة؛ لفّ أونس حبلاً حول رقبته وشنق نفسه. وهكذا أصبحت سميراميس في منصب الملكة.” (6.9-10)

بمجرد أن أصبحت سميراميس ملكة ؛ نالت الثبات والقوة بشكل كبير من خلال الحملات العسكرية ومشاريع البناء .

مات الملك نينوس؛ فدفنته سميراميس تحت تل كبير في جانب نهر الفرات (عن القبر ـ ادعى ديودوروس أنه لا زال قائماً في عهده). ثم أعادت إعمار مدينة بابل ، وشيّدت قصرين هائلين يفصل بينهما نفق تحت الأرض ، وسدود لدرء فيضان المدينة . ومن هناك بدأت حملاتها العسكرية. إلاّ أن العديد من العلماء والمؤرخين ؛ يرون أن وصف ديودوروس لحملتها العسكرية ضد الهند وغزوها للميديين؛ له وجه الشبه مع تلك الحملات التي كان يقوم بها الإسكندر الكبير .

ولعدم رغبتها في أن يسيطر عليها رجل آخر؛ اختارت سميراميس عدد من الرجال الأكثر وسامة من صفوف جيشها كعشّاق لها . حيث كانت تنام معهم ليلاً ، وتأمر بإعدامهم صباح اليوم التالي ، أو حسب روايات أخرى ؛كانت تدفنهم وهم أحياء في اليوم التالي .

وعند جميع نشاطاتها العسكرية؛ أظهرت سميراميس براعة في استخدام الحيل (مثل استخدامها الفيلة المزيفة في حملتها على الهند) ، وحملت قساوة شديدة مثل أي ملك آشوري . وفي نهاية عهدها ؛ كانت جميع بلاد الأناضول وبلاد الرافدين وآسيا الوسطى تحت وصايتها.

توفيت سميراميس عن عمر ناهز 62 عاماً بعد أن حكمت 42 سنة ، ومن ثم تحولت إلى حمامة طارت إلى السماء بعد وفاتها.

رواية أخرى ألمح إليها ديودوروس وهي أن بعد وفاتها؛ هبطت الحمائم التي رعتها في طفولتها وحملتها إلى السماء .

الخلاف في شخصية سميراميس

من البديهي أن يعتمد القارئ كليّاً في خياراته على المصادر والمؤرّخين لها ؛ كي يبني اعتقاده عن مدى علاقة سميراميس الأسطورية بفترة حكم سموـ رامات . وبعد الكتابة عن سميراميس في عشرين فصلاً ؛ اختتم ديودوروس قصته بالقول : “هذه إذن ؛ الروايات المتضاربة التي يمكن العثور عليها عند المؤرخين فيما يتعلق بشخصية سميراميس” (20.5).

الشيْ نفسه ينطبق على العلماء والمؤرخين في عصرنا الراهن . إذ بدأ السير (هنري رولنسون ـ عام 1810-1895 م) ، الذي يُعتبر [الأب في علم الآشوريات] ، في حلّ ألغاز نقش (بهيستون) عام 1835 م . وقد نُحت هذا النقش في منحدر صخري مرتفع قد ذكره مؤرخون قدماء في مؤلفاتهم مثل ؛ “كتسياس” (مصدر ديودوروس الرئيسي عن سميراميس) ، وأنه نُفّذ بموجب أمر ملكي بابلي قد صدر من سميراميس، ولكن تبيّن فيما بعد أن الملك الفارسي (دارا الكبير) من أصدر هذا الأمر عام 522 قبل الميلاد .

يبدو أن رولينسون هو أول مؤرّخ حديث قد ربط مابين سميراميس و ساموـ رامات ؛ في محاولة للعثور على ملكة آشورية تاريخية أُسند إليها دور سميراميس الأسطوري .

لقد فعل رولينسون ذلك من خلال ربط العلاقة بين ادعاء كتسياس عن نقش بهيستون مع شخص له تاريخ حقيقي . وفي النتيجة ؛ حاول رولينسون التفتيش في النصوص التاريخية الآشورية للملكة (ريجنت) ، التي حكمت مابين عامي 811-806 قبل الميلاد ، لإيجاد علاقة بينها وبين شخصية سميراميس في شنّ الحملات العسكرية. بيد أن بعض المؤرخين قد أيّده في ذلك، وعارضه البعض الآخر، حيث استشهد الكثيرون منهم بنفس المصادر القديمة في حججهم . ثم أن هناك جدلية معقّدة أخرى تكمن في ربط بعض الروايات من الكتاب المقدّس مع قصة سميراميس من قبل بعض المؤرخين .

لوحظ أن اسم (شميراموث) يظهر في كتاب التوراة (سفر أخبار الأيام الأول) من الإصحاح ( 15:18 )( وَمَعَهُمْ إِخْوَتَهُمْ الثَّوَانِيَ: زَكَرِيَّا وَبَيْنَ وَيَعْزِئِيلَ وَشَمِيرَامُوثَ وَيَحِيئِيلَ وَعُنِّيَ وَأَلِيآبَ وَبَنَايَا وَمَعَسْيَا وَمَتَّثْيَا وَأَلِيفَلْيَا وَمَقَنْيَا وَعُوبِيدَ أَدُومَ وَيَعِيئِيلَ الْبَوَّابِينَ.) ، والإصحاح (15: 20 ) (وَزَكَرِيَّا وَعُزِّيئِيلُ وَشَمِيرَامُوثُ وَيَحِيئِيلُ وَعُنِّي وَأَلِيَابُ وَمَعَسْيَا وَبَنَايَا بِالرَّبَابِ عَلَى الْجَوَابِ.) ، وفي (سفر أخبار الأيام الثاني) من الإصحاح( 17: 8 ) (وَمَعَهُمُ اللاَّوِيُّونَ شَمْعِيَا وَنَثَنْيَا وَزَبَدْيَا وَعَسَائِيلُ وَشَمِيرَامُوثُ وَيَهُونَاثَانُ وَأَدُونِيَّا وَطُوبِيَّا وَطُوبُ أَدُونِيَّا اللاَّوِيُّونَ، وَمَعَهُمْ أَلِيشَمَعُ وَيَهُورَامُ الْكَاهِنَانِ .) .

في سفر أخبار الأيام الأول ، ينطبق الاسم على موسيقي المعبد ، بينما الاسم في سفر أخبار الأيام الثاني يشير إلى معلم القانون . ويرى بعض المؤرخين إلى أن إلهة مشرقية باسم (شميرام) [نسخة من عشتروت] كانت قد قًدّست في مساحة واسعة من الأرض ؛ ابتداءً من منطقة عسقلان السورية (موقع معروف بعبادة عشتروت) إلى أسفل بلاد الشام ، وفلسطين ، وعبر أرمينيا ، وانتهاءً في بلاد فارس. كما أن هذه الإلهة قد ذكرت في كتاب التوراة . وقد تُرجم الاسم (شميراموث) في التوراة وفقاً لهذه النظرية ، على أنه رمز لـ (شميرام) . ويُعتقد أن الموسيقا والقانون (كما ذُكر) قد تم منحها للبشر كهدايا من الرّب . وبالتالي ؛ فإن سميراميس هي نفسها الإلهة شميرام/ عشتروت المذكورة في التوراة . إلاّ أنّ هذه النظرية لا تفسّر لنا سبب ذكر إلهة في كتاب التوراة تُعّد وثنية ودون المسّ بها !؛ في حين ذُمَّت بقية الآلهة الوثنية !. كما أنها لا تفسر سبب وجود إسم شميراموث في الأصحاح (17: 8 ) المُستشهد به مع (اللاويين) الذين ليس لهم علاقة بإلهة بلاد الرافدين . كما أن تلك النظرية قد فشلت في حساب تلك الاحتمالية ؛ وبالتالي ؛ فإن الإغريقية (سميراميس) ليس لها أي علاقة إطلاقاً بـ(شميراموث) التوراتية .

ما يزيد من تعقيد تحديد هوية كل من سموـ رامات و سميراميس ؛ هو كتاب (المملكتان البابليتان )[ مثال جيد في الزعم على أنه تاريخ حقيقي] الذي صدر عام 1858 م ، ومؤلفه الكاهن (ألكسندر هيسلوب ـ 1807-1865 م).

كان هيسلوب وزيراً للكنيسة الاسكتلندية الحرة ؛ وحسب اعتقاده أن الكنيسة الكاثوليكية هي طائفة شيطانية ، وقد ألّف كتابه هذا لإثبات تلك [الحقيقة]. فهو يدعّي في كتابه ؛أن سميراميس كانت زوجة الملك التوراتي (النمرود) وأم تمّوز، ومن ثمّ يربط شخصيتها بشكل مباشر مع زانية بابل في سفر الرؤيا ( 17:5) ( وَعَلَى جَبْهَتِهَا اسْمٌ مَكْتُوبٌ: «سِرٌّ بَابِلُ الْعَظِيمَةُ أُمُّ الزَّوَانِي وَرَجَاسَاتِ الأَرْضِ»).

لم يذكر كتاب التوراة أبداً في أن هناك صلة بين سميراميس والنمرود . فقد ورد في سفر التكوين ـ اصحاح( 10: 8 ) النصّ التالي، “وَكُوشُ وَلَدَ نِمْرُودَ الَّذِي ابْتَدَأَ يَكُونُ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ” ، وحتى أنه لم يذكر زوجة النمرود مطلقاً. وقد يبدو واضحاً لأي شخص لديه معرفة سطحية بكتاب التوراة وتاريخ بلاد الرافدين ؛ في أن كتاب هيسلوب ليس بأكثر من دعاية مناهضة للكاثوليكية ، إلاّ أنه لا يزال يُشار إليه على أنه مرجع في التاريخ القديم من خلال بعض المواقع المسيحية البروتستانتية والمنشورات في الهجوم على الكاثوليكية مثل (الحقيقة حول عيد الفصح The Truth About Easter ) . كما أن إصرار هؤلاء الكتّاب المسيحيون في مؤلفاتهم على أن سميراميس زانية بابل والعدو اللدود للخير ونفي صلتها بأي ملكة آشورية حقيقية ، قد تتناقض مع مؤلفات الأقدمين التي كانت تحافظ على ألوهية سميراميس في توصيفها .

أن قصص سميراميس عن الجنس ومصير عشّاقها ؛ مشابهة تماماً لحكايات عشتار / إنانا / عشتروت . وعلاقتها مع الطيور ومدينة عسقلان تجعلها أقرب إلى شخصية عشتروت.

يرى بعض المؤرخين إلى أنه ليست هناك حاجة للبحث عن أي وجود تاريخي لشخصية (سميراميس) ، وأن “البحث عن ذلك النموذج التاريخي لـ سميراميس؛ شكل من أشكال الحماقة ، مثل البحث عن النموذج التاريخي لهرقل أو رومولوس” (ر.بدروسيان ص3) . وقد يختلف المؤرخون الآخرون حول هذا الرأي .

” علينا أن ندرك أهمية الملكة سموـ رامات ، التي كانت مصدر إلهام لأسطورة سميراميس … فهي بقيت مؤثرة جداً في عهد ابنها أداد ـ نيراري الثالث ، لدرجة أن النصوص التاريخية ذكرت أنهما كانا يديران الحكم معاً.” (ڤان دي ميروپ ص 244-245)

لربما في الحقيقة لم يكن للملكة سموـ رامات أيّ دور في المآثر المنسوبة إلى سميراميس . ومن المحتمل أيضاً ؛أن عهد الملكة التاريخي كان مثيراً للإعجاب لدرجة نتج عنه أساطير مختلفة تشعبت تفاصيل أحداثها وشخصياتها أكبر فأكبر مع مرور الزمن ؛ وفي الآخر تم نسيان الأحداث الحقيقية التي تخصّ الملكة سموـ رامات، وفضَلت الأسطورة تدور في شخصية سميراميس وتداعياتها في الذاكرة التاريخية.

هذا النمط الأدبي في تاريخ بلاد الرافدين معروف تماماً من خلال (أدب نارو) ، والذي يبدو أنه قد برز حوالي عام 2000 قبل الميلاد. في أدب نارو ؛يختار الكاتب شخصية تاريخية معروفة ، ويعيد تخيّلها في أحداث لم تحصل من قبل ، وذلك من أجل تأليف قصة مشّوقة غرضها مسلّي وتعليمي ، ويظهر ذلك النمط أيضاً في الثقافات القديمة الأخرى وحتى في الثقافات الأحدث . ولربما كانت أساطير سميراميس شبه المؤلهة مستوحاة من حياة الملكة الآشورية سمو ـ رامات ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوزان وايز باور ـ تاريخ العالم القديم: من أقدم حكومة إلى سقوط روما ـ دبليو دبليو نورتون وشركاه للنشر ـ 2007 .

ستيفن بيرتمان ـ الحياة في بلاد الرافدين القديمة ـ مطبعة جامعة أكسفورد ـ 2005 .

گويندولين ليك ـ بلاد الرافدين القديمة من الألف إلى الياء ـ سكيركرو للطباعة ـ 2010 .

ألكسندر هيسلوب ـ المملكتان البابليتان ـ كروسريتش للنشر ـ 1916 .

ديودوروس سيكولوس ـ التاريخ يتحدث عن سميراميس ـ فصول منشورة على موقع المكتبة التاريخية ـ 2 / 6 / 2020 .

دانييل ديڤيد لاكينبل ـ السجلّات الآشورية والبابلية القديمة / ج2 ـ مطبعة جامعة شيكاغو ـ 1972 .

ديڤيد .م . روجرز ـ الحقيقة حول عيد الفصح ـ الجزء الثاني ـ موقع الإنجيل الحقيقة ـ نيسان / أبريل ـ 2011 .

مارك ڤان دي ميروپ ـ التاريخ في الشرق الأدنى القديم ـ بلاكويل للنشر ـ 2006 .

ڤون سودن ـ مقدمة لدراسة الشرق الأدنى القديم ـ شركة إيردمان للنشر ـ 1994 .

أسفار التوراة ـ موقع الأنبا تكلا هيمانوت .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

1 Response to هل الملكة الآشورية سموـ رامات هي نفسها سميراميس ؟؟

  1. س . السندي says:

    من ألأخر …؟

    ١: رامات ومفردها رمتا أي مرتفع أو جبل ، أي بنت المرتفعات أو الجبال ؟

    ٢: فعلا لا صلة بينهما وبين من ذكرت في التوراة لاختلاف الزمن بين الاثنين بعدة قرون ؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.