هكذا هو الحب،

كان عيد الحب لهذا العام نديا، كما هو الحب…. لم يسمح لي صوت المطر أن أمارس شغفي، وأصب دفقي فوق الورق ذلك الصباح….

إذ أنني لا أتدفق إلا عندما يخرس كل شيء من حولي،
فصوتي الداخلي يضج بينما يمارس الكون صمته…

اعتلا القط (بس بوس) مقعدي كي يستمد بعضا من دفئي،
فلسنا وحدنا نحن البشر معنيين بالحب،
بل كل روح زهت…
ولولا الحب لما تفتح الياسمين ولما شدا بلبل،
ولما عانقت قطرة ندى خد برعم،
أو تمايلت فراشة على خصر شجر!
…..
زرنا مقهانا المفضل كي لا يسجلنا رواده وموظفوه غيابا،
ولكي نثبت أن العواصف والتحذيرات التي وصلتنا على الموبايل من الفيضانات المحيطة بالمنطقة،
لم تثننا من ممارسة صلاة الصباح،
فالعبادة بالنسبة لنا طريقة حياة….
………….
لم تكن حياتنا خالية من العواصف،
لكن كان كلّ منا سترة النجاة بالنسبة للآخر…
تلك السترة التي طفت بِنَا فوق السيول،
ورفعتنا فوق مستوى الوحول، وأرتنا الشمس والسهول،
وكيف يبزغ قوس قزح بعد كل عاصفة!
….


تعتبر النرويج أبرد بلد في العالم،
ورغم ذلك اشهر رحالة العالم هم نرويجيون…
يقول أحد أمثالهم: لا يوجد طقس سيّء، بل توجد ملابس رديئة!
ولكي يثبتوا للعالم أنهم أهل لما واجهتهم به طبيعة بلادهم القاسية،
حاكوا أسمك الملابس،
وخرجوا يسبرون هذا العالم القارس المحيط بهم بشجاعة وبلا خوف،
حتى أصبحوا رحالة محترفين..
……
هكذا كنت وزوجي، ولَم نزل….
أهلا لكل عاصفة، ومعا في مواجهة أي إعصار!
عندما يخشى المواجهة كنت أدفشه إلى الأمام،
وأوهمه أنني أحمي ظهره، بينما أعصابي على وشك الانهيار…
وعندما أتردد أمام باب مغلق،
كان يهرع متظاهرا أنه يملك مفاتيح السند والهند،
بينما قلبه يدق مليون دقة في الدقيقة خوفا من الفشل….
هكذا ربينا أولادنا على أنه لا يوجد شيء مستحيل!
…..
قال ابراهام لينكون يوما: (لو كان علي ان اقطع شجرة ضخمة في ثمان ساعات،
لقضيت سبع ساعات وأنا أشحذ أدواتي، وساعة واحدة لاقطعها)

في الحياة يجب أن تتسلح بصندوق العدة اللازم لفتح الأقفال الصدأة،
ولرصف الطرق الوعرة!
لكن ثق تماما لو امتلكت كل المؤهلات والأدوات والملابس الثقيلة،
لن تنجح رحلتك في الحياة، ولن تعيش غايتك، وتصل الى مبتغاك،
مالم يكن الحب هو الدافع الوحيد لكل خطوة تخطوها، ومالم يكن شريكك في الحب سترة النجاة التي ترفعك كلما أشرفت على الغرق ويشعل حماسك كلما خبت نارك وأوشكت على الانطفاء!
….
مرة أخبرتني صديقة أن طفلتها حاولت المشي وهي في الشهر العاشر، لكنها وقعت مرة وارتطم رأسها بالطاولة. منذ تلك اللحظة اعترتها حالة من الرعب،
حالت بينها وبين أية محاولة أخرى لمدة ثلاثة اشهر، مما أقلق صديقتي وزوجها…
المهم، أنهم ألبسوها مرة فستانا جديدا…. كان للفستان تنورة تشبه تنانير راقصات الباليه، فمسكت الطفلة بالتنورة، وهي تظن أنها مسند
يحميها من الوقوع، واستطاعت للمرة الأولى أن تعبر الغرفة من الجدار إلى الجدار!
هكذا هو الحب،
يمنحك من الشجاعة والأمان مايكفي لتعبر إلى مبتغاك، حتى عندما يكون السند الذي يمنحك إياه مجرد وهم، كما كان إيمان تلك الطفلة بتنورتها!
…..
عندما أعود بذاكرتي إلى الوراء، أرى أنه وخلال أشد حالات الرعب التي عشتها كان زوجي ذلك السند، ليس مهما إذا كان وهما كتنورة تلك الطفلة،
أم بصلابة الصخر…
مايهم أنه حمّسني على أن أبدأ، وحثني على متابعة السير…
…..
لا تسأل عن مدى قوة السند، بل قدّر دائما من يحبك…. من يثق بك….
من يقف بجانبك، ويسندك ولو بكلمة! فالحصوة تسند برميلا، وكم من كلمات حب صنعت المستحيل….
……
يقول فريدريك نيتشه:
There’s always some madness in love. But there’s always some reason in madness.
(يوجد دائما بعض الجنون في الحب، ولكن يوجد دائما بعض العقل في الجنون!)
فالحياة، ولكي تعيشها بسعادة، تتطلب ساعة جنون مقابل كل لحظة تعقل،
وأعقل أشكال الجنون تلك التي نعيشها عندما نحب….

About وفاء سلطان

طبيبة نفس وكاتبة سورية
This entry was posted in الأدب والفن, دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.