هذه هي العلاقة بين الدين و النمو الأقتصادي

مقال تم نشره على صفحة “منتدى العالم الأقتصادي” بالتعاون مع موقع “المحادثة” الأسترالي، و المقال عبارة عن ورقة بحثية قدمها “داميان راك” وهو بدرجة باحث مابعد الدكتوراة في جامعة بريستول البريطانية بتاريخ 3/8/2018 .
تجدون رابط المقال الأصلي في نهاية هذه الترجمة.

ترجمه للعربية: مازن البلداوي
بتاريخ 31/12/2018
مقدمة:
انا فرح جدا لأني اقوم بترجمة هذه المقالة البحثية وفي هذا الوقت بالذات خاصة وهو اليوم الأخير من عام 2018 راجيا ان يكون الموضوع رافدا اساسيا مساعدا لناشدي التغيير و التطوير الفكري و الأجتماعي و الأداري والتي تعد أسسا ستقود بالضرورة الى التغيير الأقتصادي.
و أود الأشارة هنا الى اني كنت قد نشرت مقالا عن ذات العلاقة على صفحات موقع الحوار المتمدن بتاريخ 19/12/2010 اي قبل مايقارب ثمان سنوات من اليوم استشرافا لأهمية هذا الموضوع و مدى تأثيره على البنية الفكرية لمجتمعاتنا و مدى اسهامه في عملية النمو الأقتصادي.

المقال:
لقد كان الهدف من البحث المنشور هو ايجاد الأجابة عن السؤال التالي المتمثل بـــ :
لماذا نجد الدول الأكثر فقرا هي ذاتها الأكثر تدينا؟؟

لقد ثبت لدينا خلال العقود الماضية بأن الدول ذات الطبيعة العلمانية عادة ما تكون اكثر ثراءا من الدول ذات الطبيعة المتدينة. ولمعرفة ذلك فأن الأمر يتطلب جهدا استثنائيا يستلزم تداخل عدة عوامل معرفية و اجتماعية و اساليب معقدة للوصول الى نتيجة واضحة بهذا الصدد. لذا فأن فريق البحث الخاص بي اقترح ان نتوجه بسؤال مباشر و اكثر بساطة يتمثل بالآتي: من يأتي اولا…. دجاجة العلمانية ام بيضة الأقتصاد؟؟

أن ورقتنا البحثية المنشورة على موقع “التقدم العلمي”
(Scientific Advances)
بتاريخ 18/7/2018 تبين ان تحقق العلمانية قد حدث قبل التطور الأقتصادي و ليس العكس. و على الرغم من هذا فأنه لايعني بوجه الخصوص بأن العلمانية لوحدها ستجعل بلد معين بحال أغنى مما كان عليه، الا انه لايستثنى العكس في بعض الحالات. ولأن اتجاه مؤشر الزمن يشير الى ناحية واحدة، فأنه لايمكن توقع ان يؤثر الأداء الأقتصادي على افكار الناس في الماضي. أن الدراسات الأحصائية و البيانات التحليلية التي تقدمها “مؤسسة غالوب” على صعيد العالم تبين بشكل واضح العلاقة بين “العلمانية و النمو الأقتصادي” و تجسد النتيجة القائلة بأن البلدان الأكثر فقرا هي ذات البلدان الأكثر تدينا.
الا ان الباحثين في حقل القوة البخارية/الصناعية في بدايات القرن العشرين و قبل فترة البحوث الحديثة قد لاحظوا ان المجتمعات الصناعية تعد اقل تدينا من المجتمعات الزراعية ولهذا فهم لم يوافقوا على هذا الترابط المذكور اعلاه.


لقد اوضح عالم الأجتماع الفرنسي “أميل دورخايم” في بدايات القرن العشرين رأيه بأن النمو الأقتصادي يأتي اولا و ان الدين ياتي مطابقا لفعاليات و ممارسات المجتمع العملية مثل التعليم و مستوى الرفاهية. و لكن عندما تبدأ المجتمعات المزدهرة بالتوافق مع هذه الفعاليات بشكل تلقائي سيبدأ الدين بالتراجع من المركز الى الحافات. ومن ناحية أخرى وبعد عقود قليلة كان عالم الأجتماع الألماني “ماكس فيبر” يناقش الموضوع من زاوية اخرى حيث طرح موضوع ان “التغيير الديني” يأتي اولا، وقد كتب قائلا كدليل على رأيه هذا، بأن الأصلاح البروتستانتي (مذهب فقهي مسيحي) قد اطلق العنان لتدفق الأنتاجية و من ثم الى التحسن الأقتصادي و ذلك بسبب “أخلاقيات العمل البروتستانتية”.
والحقيقة ان واحدا من هذين الرأيين يجب ان يكون صحيحا. لقد حاول علماء الأقتصاد و السياسة على مدى عقود مضت البحث لبيان اي الرأيين هو الأصح. وعلى الرغم من انهم كانوا مجهزين بالكومبيوترات الحديثة و برمجيات الأحصاء المتمكنة المتقدمة، الا ان بعضهم وجد ان العلمانية يجب ان تتحقق اولا، بينما وجد الأخرون بأن التطوير يأتي اولا ومازال البعض يعتقدون بأن الأثنين يجب ان يتحققا بذات الوقت.
التعمق في التاريخ:
اعتقدنا انا وزملائي في فريق البحث بأن هنالك عائقا رئيسيا يتعلق بقصور البحث في العمق التاريخي يمنعنا من التوصل الى حل حقيقي و لنتمكن من قياس مفهوم مركب وتأثيراته مثل ” العلمانية” يجب علينا عمل دراسات استقصائية شاملة لتغطيته على الرغم من ان مثل هذه الدراسات اصبح من الممكن اجرائها للأغلبية العظمى من الناس في العالم فقط خلال العقدين الماضيين اي منذ عام 1990 حيث لم يكن من المستطاع اجرائها قبل ذلك بهذه الطريقة الشاملة. ولكن على الرغم من هذا فقد استطعنا ايجاد وسيلة تمكننا من الغوص عميقا لنستخرج منظورا زمنيا يكشف عن ماهية الأمور خلال الأعوام المائة العائدة للقرن العشرين الماضي.
يقدم هذا المنظور الزمني نفسه عندما نضع دلائل وحقائق مستحصلة عن طريق علم الأنثروبولوجي، العلوم السياسية و علم الأعصاب بما يخص معتقدات الناس وتشكيل الآراء والأفكار و ترصينها خلال العقود الأولى من حياتهم. لذا وبغض النظر عن مستوى الحال المعاشي او الأجتماعي خلال فترة حياتهم، فأن المعتقد الديني لشخص ما سيعكس ما تم بنائه في منظومته العقلية خلال سني حياته. فهم سيحملون بشكل عفوي نسخة متحجرة عن الكيفية العلمانية التي كان بها المجتمع اثناء فترة طفولتهم وصولا الى يومنا هذا. فاذا ما وددت معرفة كيف كان مستوى التدين في العالم عام 1950، فعليك النظر الى مستوى التدين عند اولاءك البالغين عند العام 1950.
لقد قمنا بفعل ذلك بواسطة البحث و جمع الأجابات والمقارنة بين النصوص الموجودة في الدراسات الأستقصائية الخاصة بـــ “القيم الأخلاقية في اوروبا” و “القيم الأخلاقية في العالم” وتم ذلك بواسطة سؤال الناس في مختلف بلدان العالم عن مستوى تدينهم منذ عام 1990، وقمنا بترتيب و صفّ المعلومات الخاصة بأناس بلغوا حدا عمريا بالغا لعقود مختلفة خلال القرن العشرين الماضي (البالغين لعقد الأربعينيات، الخمسينيات، و هكذا)، وبعدها تمكنا من وضع جدول زمني جديد للعلمانية. و لقد قمنا بعد ذلك بمقارنة الجدول الجديد مع معلومات اقتصادية تعود للسنوات المائة المذكورة وكما هو موضح من خلال الصور ادناه التي تبين الحالة في بريطانيا، نيجيريا، تشيلي و الفلبين (في اقل المستويات) حيث يقود خط العلمانية الأحمر خط التطور الأقتصادي الأزرق و ان المعلومات المستحصلة من تحليلاتنا الأحصائية تؤيد بأن هذه هي الحالة في كل البلدان المائة و تسعة التي قمنا بدراستها.
حقوق الأفراد هي ما يميز الدول:
ان الرسالة اصبحت واضحة وضوح البلور، وهي ان العلمانية تحدث قبل التطور الأقتصادي وليس بعده. وهذا يعني بأننا نستطيع استبعاد “نهج دورخايم الوظيفي” الا انه في ذات الوقت لانستطيع القول بفوز “نظرية فيبر”. ان اي مجتمع انساني يعد عبارة عن مجموعة من المتضادات والقضايا المتشابكة، العوامل المؤثرة وظواهر ديناميكية ناشئة مما يجعل البحث عن مسبب مفرد في هذه المنطقة امرا متعبا وبلا جدوى، لذا فقد قمنا بالبحث عما اذا كان هناك آخر يقدم تفسيرا اكثر اقناعا بهذا الصدد.
وعلى سبيل المثال، فأن احترام حقوق الأنسان/الأفراد يعد ظفرا اخلاقيا عظيما للثورة الأنسانية ومن الممكن ان يقدم خطوة استهلالية نحو الأزدهار الأقتصادي الذي تنشده المجتمعات. ان احترام حقوق الأنسان يتطلب تسامحا تجاه حالات مثل “المثلية الجنسية”، “الأجهاض” و الطلاق وقد بيّنا بأن المجتمعات العلمانية لم تزدهر الا بعد ان طورت احتراما اكبر لحقوق الأفراد.
اذا ما قمنا بتركيز البحث على مناطق مختلفة في العالم، فسنجد ان بعض البلدان الغنية هي بلدان متدينة و بعض البلدان الفقيرة هي بلدان علمانية. ان بلدانا مثل الولايات المتحدة والبلدان الأوربية ذات الطبيعة المتدينة الكاثوليكية قد ازدهرت اقتصاديا الا ان الدين بقي امرا مهما بالنسبة لها. و على العكس من ذلك نجد ان دول اوربا الشرقية الشيوعية السابقة تعد قسما من البلدان الأكثر علمانية على سطح الكرة الأرضية الا انها تمتلك اداءا اقتصاديا متوسطا. و نستنتج من هذا بأن احترام حقوق الأفراد هو العامل الذي يميز البلدان الغنية من الفقيرة ( بغض النظر عن القانون الذي يكون بطيئا في التماهي احيانا مع افكار الناس في بعض البلدان).
لذا يجب علينا عدم اهمال دور الدين. انه من السهل القول بأن حقوق الأفراد ستزهر عندما يذبل و يتراجع تأثير الدين، وهذا يشير الى ان “لا سبب وجيه هناك” لعدم وجود حقوق الأفراد في العالم المتدين. و اذا استطاعت المؤسسات الدينية ان تصبح قوى اقل تزمتا و تحفظا و ان تتبنى القيم الثقافية الحديثة، فستصبح هذه المؤسسات قادرة على تقديم دليل معنوي جيد يقود المجتمعات نحو الأزدهار الأقتصادي في المستقبل.

ارجو ان اكون قد وفقت بتوضيح الصورة للقارىء الكريم.

الرجاء الضغط على اي من الروابط ليتم تحويلك الى المقال الرئيسي

موقع منتدى العالم الأقتصادي:
https://www.weforum.org/agenda/2018/08/religious-decline-was-the-key-to-economic-development-in-the-20th-century

موقع المحادثة:
http://theconversation.com/religious-decline-was-the-key-to-economic-development-in-the-20th-century-100279

مقال مازن فيصل البلداوي:
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=238919

About مازن البلداوي

مازن فيصل البلداوي كاتب عراقي يحاول بذل الجهد في تعريف مواطن الوجع الأنساني و أسبابه عن طريق التحليل و تشخيص الأسباب و طرح الحلول اينما امكن ذلك يعمل حاليا كأستشاري تطوير اعمال على المستوى الدولي لدى احدى الشركات حاصل على شهادة الماجستير في إدارة أصول البنى التحتية من مدرسة باريس للأعمال مسجل كمحلل بيانات الأعمل و مرخص من قبل الأكاديمية الأميركية للأدارة المالية AAFM حاصل على شهادات تخصص في ادارة مشاريع المياه من BAMI-I حاصل على شهادات تخصص من جهات اخرى للمزيد:يرجى مراجعة البيانات على الرابط التالي:
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.