هذا ما حدث لمكتبة الإسكندرية الكبرى


بقلم : عضيد جواد الخميسي

تعتبر مكتبة الاسكندرية واحدة من أهم وأكبر مكتبات العالم القديم ، فهي تتضمن أعمال أعظم المفكرين والكتاب في العصور القديمة ، بما في ذلك هوميروس ، أفلاطون ، سقراط وغيرهم . إذ يعتقد بعض المؤرخين بأن حريق كبير قد جاء عليها قبل حوالي 2000 سنة ، وبه فقدت المكتبة ترسانتها الضخمة والواسعة من الكتب والمؤلفات .
كانت المكتبة أعجوبة من عجائب التاريخ ، فهي طاردت خيال الشعراء والمؤرخين والباحثين والزائرين الذين أبدوا الحزن والأسى لفقدان ينبوعهم المعرفي والأدبي . أما اليوم ، فقد أصبحت فكرة “المكتبة العالمية” كمركز للعلم في مدينة لها مكانة أسطورية في التاريخ .
وقد استمر هذا اللغز من خلال حقيقة عدم العثور على أي بقايا معمارية أو اكتشافات أثرية يمكن أن تنسب وبشكل مؤكد إلى المكتبة القديمة ، ومما يثير الدهشة لمثل هذا الصرح المشهور انه بلا أدلة ملموسة يستعان بها للوصول الى الحقيقة ، مما جعل البعض يقوى على التساؤل فيما إذا كانت تلك المكتبة العظيمة موجودة بالفعل وبنفس الشكل الذي يتخيله الناس .

الإسكندرية القديمة
على ميناء البحر الأبيض المتوسط ، كانت منارة فاروس ( فنار الاسكندرية ) الكبيرة أحدى عجائب الدنيا السبع في مدينة تدعى ” الإسكندرية ” التي شيّدها الإسكندر الأكبر حوالي عام 330 قبل الميلاد كأعظم مدينة في إمبراطوريته متخذة اسمه لها ، وبعد وفاته 323 قبل الميلاد ، تُركت امبراطوريته في أيدي جنرالاته ، فــ بطليموس الأول تولى الحكم في مصر وجعل الأسكندرية عاصمته حوالي 320 قبل الميلاد . وكانت الإسكندرية في السابق قرية صغيرة لصيد الأسماك في دلتا النيل ، ولما بعد باتت مقراً للحكام البطالمة ومن ثم تطورت لتصبح مركزاً فكرياً وثقافياً كبيرا ، ولربما أعظم مدينة في المنطقة كلها .
تأسيس المكتبات
تم تأسيس مكتبة في الإسكندرية و لربما لمكتبتين أو أكثر، وإذ يُعتقد بأن الخطيب السياسي ديمتريوس وهو الحاكم المنفى من أثينا (حوالي عام 295 ق.م ) قد أقنع بطليموس الأول حاكم مصر بتأسيس مكتبة كبيرة في الاسكندرية ، فخطط ديمتريوس لمكتبة ضخمة و متنوعة الثقافة تحتفظ بنسخة واحدة على الأقل من كل كتاب موجود في العالم ، وكي تكون مثابة مجمع ثقافي تعليمي كبير ينافس تلك المكتبة التي في أثينا . وعند ذلك و برعاية بطليموس الأول ، اقام ديمتريوس ببناء “معبد موسى
Muses”
ومن اسم موسى اشتقت كلمة متحف
” Museum”.
كان هذا المنشأ عبارة عن مجمع ومزار بنفس طراز صالة منتدى أرسطو في أثينا ، ومركز للمحاضرات والمناقشات الفكرية والفلسفية.
كان هذا المعبد هو الجزء الأول من مجمع المكتبة في الإسكندرية ، وكان يقع داخل أراضي القصر الملكي ، في منطقة تعرف باسم حي ” بروتشون ” أو القصر ، وباليونانية ” حي المدينة” . كان المتحف عبارة عن مركز عبادة يحتوي على أضرحة لكل واحدة من الفترات التسع ، ولكن كان يستفاد منه أيضاً كمكان للدراسة وإلقاء المحاضرات . خُصصت مساحات واسعة من المعبد للمختبرات والمراصد والحدائق أو المشاتل الزراعية ، وتسع أيضاً حدائق للحيوانات ومستوصفات طبية بشرية وحيوانية ، وتم بناء أقسام داخلية لسكن الدارسين والباحثين والعلماء وقاعات واسعة للطعام ، بالإضافة إلى بناية المكتبة نفسها. . اختار بطليموس الأول كاهناُ مسؤولاً عن المتحف ، وآخرا أميناً للمكتبة ، وكاهن مسؤول عن مجموعة المخطوطات.
خلال فترة حكمه من 282 الى 246 قبل الميلاد ، أسس بطليموس الثاني ” فيلادلفيوس ” ، ابن بطليموس الأول ” سوتر” ( المكتبة الملكية ) لتكملة بناء معبد موسى الذي أنشأه والده.
ليس من المعروف تماما فيما إذا كانت المكتبة الملكية التي بناها بطليموس الثاني والمفترض أن تصبح مكتبة المخطوطات الرئيسية ، هل كانت عبارة عن مبنى منفصل يقع بجوار المتحف ؟ أم امتدادا له؟ . و بإجماع آراء العلماء و المؤرخين ، فأن المكتبة الملكية شكلت جزءاً مكملاً للمعبد.
في عهد بطليموس الثاني ، يبدو أن فكرة المكتبة العالمية قد تبلورت. وأن أكثر من مائة عالم كانوا يتواجدون داخل المتحف بشكل دائم ، وكان من مهامهم القيام بالأبحاث العلمية ، وإلقاء المحاضرات ، والنشر ، والترجمة ، والنسخ ، والجمع ، ليس فقط المخطوطات الأصلية للمؤلفين اليونانيين (المزعومة بما في ذلك المجموعة الخاصة لأرسطو نفسه) ، ولكن لترجمة الأعمال والنصوص القادمة من أنحاء مصر، بابل ، آشور، وفارس ، وكذلك المؤلفات البوذية ، والكتب العبرية.
قصة في نص قديم تقول: (أن جوع بطليموس الثالث للمعرفة كان كبيرا لدرجة أنه أصدر أمراً : على جميع السفن التي ترسو في الميناء يجب أن تسلم مخطوطاتها والكتب التي تحملها والتي بحوزة راكبيها إلى سلطات الميناء ،. ثم القيام بعمل نسخ لتلك الأعمال من قبل الكتّاب المخوّلين من قبله و تسليمها إلى مالكيها الأصليين ، على ان يتم إيداع النسخ الأصلية في المكتبة حصراً) .
الرقم الذي يتم ذكره في كثير من الأحيان لمقتنيات المكتبة القديمة من الوثائق كحد اعلى هو نصف مليون وثيقة ، على الرغم من أن هذا الرقم لا يفرّق بين الكتب والمخطوطات البردية . ولكن بالحقيقة هناك حاجة لكمية كبيرة من لفائف البردي لصناعة كتاب واحد فقط ، فمن الأرجح أن الرقم المذكور يشير إلى عدد المخطوطات. حتى أن 500 صنف من المخطوطات قد اعتبره بعض العلماء رقم مبالغ فيه ، وأن بناء منشأ يملك مساحة تخزين تسع لنصف مليون كتاب ومخطوطة بالتأكيد سيكون عملاً ضخما ، إن لم يكن مستحيلاً. ومع ذلك ، ففي عهد بطليموس الثاني أصبح حجم المخزون في المكتبة الملكية كبيرا لدرجة أنه تم إنشاء مكتبة كملحق في منطقة معبد سيرابيس عند حي راكوتيس المصري في الجزء الجنوبي الشرقي من المدينة.

حريق المكتبة الكبرى
لقد كان الحريق المدمر لمكتبة الإسكندرية مع ما ترتب عليه ذلك من خسائر كبيرة في المجموعة الأكثر استكمالا من الأدب القديم التي بحوزتها . نقطة جدلية ظلت ساخنة منذ قرون ، ما الذي حدث بالضبط لهذا المخزن المذهل للمعرفة القديمة ؟ ، ومن كان مسؤولاً عن حرقه؟ ومع ذلك ، فمن المحتمل أنها “أسوأ كارثة قد حصلت في العالم القديم” ،و ربما لم تكن قد استندت على مقياس يفترض في كثير من الأحيان غير موجود.
المشتبه الرئيسي في تدمير مكتبة الإسكندرية هو يوليوس قيصر . ويُزعم أنه خلال احتلال القيصر لمدينة الإسكندرية في 48 قبل الميلاد ، وجد القيصر نفسه في القصر الملكي محاطاً بالأسطول المصري عند المرفأ. وحفاظاً على سلامته ، أضرم رجاله النار في السفن المصرية الراسية ، لكن الحريق خرج عن السيطرة وانتشر إلى أجزاء من المدينة القريبة للشاطئ ، والتي شاءت الصدف أن تقع فيها المخازن والمستودعات وبعض الترسانات الحربية. ، وكان يُعتقد على أن الذي لحق الدمار بالمكتبة هو القيصر بعد موته .

الفيلسوف والكاتب المسرحي الروماني ” سينيكا ” ، كتب عن تاريخ روما نقلا عن ” ليفي ” ، ( بين 63 ق.م و 14 م) ، قائلا:( أن 40000 من المخطوطات المحفوظة اشتعل فيها الحريق الذي أضرمه القيصر) . ويذكر المؤرخ اليوناني بلوتارخ (توفي عام 120 قبل الميلاد) أن الحريق قد محى “المكتبة العظيمة” من الأرض ، ويقول المؤرخ الروماني ديو كاسيوس ( 165ـ 235 م) ، بأن ” مستودعًا كاملاً للمخطوطات قد احترق تماماً أثناء الحريق الهائل ” .
في كتابه “المكتبة المختفية” ،عكف ” لوتشيانو كانفورفا ” على جمع ودراسة الأدلة من خلال اعمال الكتّاب القدماء ، فقد أشار إلى ان ؛ (هلاك المخطوطات المخزنة في المستودعات بالقرب من موقع الميناء في الحريق ، وليس في المكتبة الكبرى نفسها) .
كان الباحث والفيلسوف الكبير” سترابو” يعمل في الإسكندرية عام 20 ق.م. ومن كتاباته المنسوبة إليه ؛ ( كان من الواضح أن المكتبة لم تكن في ذلك الوقت مركزاً عالمياً معروفاً للتعليم في القرون السابقة ) .
في الواقع ، لا يذكر سترابو في كتاباته كلمة مكتبة على الإطلاق ، على الرغم من أنه يذكر المتحف ، الذي يصفه بأنه “جزء من القصر الملكي”. ويضيف قائلاً: ( إنه يشتمل على الاروقة المفروشة ، وقاعة كبيرة يتشارك فيها منتسبو المتحف من الاعضاء المتعلمين طعامهم ).
حسب سترابو ، فان المكتبة الكبرى مرتبطة بالمتحف ، ويقترح أنه ” لا داعي لذكر ذلك بشكل منفصل “، وربما الأهم من ذلك ، إذا كانت المكتبة موجودة في سنة 20 قبل الميلاد ، بالتأكيد فأن المكتبة لم تحترق خلال حكم القيصر قبل ثماني وعشرين سنة من التاريخ أعلاه . إن وجود المكتبة في 20 قبل الميلاد ، وإن كانت غير مكتملة ، يعني أنه علينا النظر إلى شخص آخر غير القيصر كمدمّر للعجائب القديمة في الإسكندرية .
في عام 391 م ، كجزء من محاولته للقضاء على الوثنية ، أقر الإمبراطور” ثيودوسيوس الأول ” رسميا تدمير ” السيرابيوم ” ــ أو معبد سيرابيس في الإسكندرية ــ ،وقد تم ازالة المعبد تحت اشراف ” ثيوفيلوس ” أسقف الإسكندرية ، وبناء كنيسة مسيحية على أرضه بدلا منه .
افترض العلماء بأن المكتبة كانت بناية ملحقة بالمتحف التي تقع بالقرب من المعبد المدّمر ، وفي هذه الحالة فإن المكتبة الملكية قد تم تدميرها مع المعبد. لذا ومن المعقول جدا ، أن المخطوطات في مكتبة السيرابيوم قد تكون دمرت خلال عملية التخريب .
لا يوجد أي دليل على أن المكتبة الملكية كانت لا تزال موجودة في نهاية القرن الرابع ، ولا توجد مصادر قديمة تذكر تدمير أي مكتبة في ذاك الوقت ، على الرغم من أن المؤرخ الإنجليزي ” إدوارد جيبون” في القرن الثامن عشر يعزوها بالخطأ إلى الأسقف ثيوفيلوس.

كان آخر شخص بالافتراض مذنباُ هو الخليفة الثاني “عمر بن الخطاب “. ففي عام 640 م قام العرب و تحت قيادة ” عمرو بن العاص” بغزو مصر، فأحكم قبضته على مدينة الإسكندرية بعد حصار طويل لها .وفقا للرواية ، سمع العرب الغزاة عن مكتبة رائعة تحوي جميع معارف الدنيا وعلومها وكانوا متلهفين جداً لرؤيتها ، لكن الخليفة الخطاب ، الذي لم يعراهتماماً لها ابدا، فبعث وصيته بيد رسول منه الى القائد عمرو بن العاص عن مصير المكتبة ، إذ يقول ؛ (إما أن تناقض القرآن فهي كفر وبدع ، أو توافق ما نؤمن فلا ننتفع منها ) . ثم جُمعت المخطوطات كلها واستخدمت كوقود لـ 4000 من حمامات المدينة ( رقم مبالغ به جدا وغير معقول ).
( في الواقع كان هناك الكثير من اللفائف البردية التي احتفظت بها الحمامات في الإسكندرية ساخنة لمدة ستة أشهر) . تم كتابة هذه الحقائق المثيرة و المذهلة بعد 300 عامًا من الحدث المفترض للمؤلف والكاتب المسيحي ” غريغوري بر بيرايوس ” (1226-1286 م). لكن تدمير العرب للمكتبة المسيحية في الاسكندرية يفترض قد حدث بحلول منتصف القرن السابع الميلادي ، وأن المكتبة الملكية لم تكن في تلك الفترة موجودة اصلا على ضوء الادلة والافتراضات التي وضعها علماء المصريات وغيرهم .. ويتضح ذلك من خلال حقيقة أنه لم يرد ذكر مثل هذا الحدث الكارثي من قبل الكتّاب المعاصرين كالمؤرخ المسيحي ” جون نيكيو” والكاتب والراهب البيزنطي ” جون موشوس “، وأيضا ” سوفرونيوس ” بطريرك القدس .

مدينة الإسكندرية المضطربة
إن محاولة التوصل للأسباب والظروف التي أحاطت بحريق المكتبة الكبرى هي مهمة غير مجدية وصعبة جداً . بسبب أن الإسكندرية مدينة تخللتها الاضطرابات السياسية والحربية لفترة طويلة ، ولم تكن تشهد الاستقرار كثيرا ، لا سيما خلال العصر الروماني ، فهي شهدت حرق القيصر للاساطيل الحربية والتجارية ، وكذلك الصراع العنيف بين القوات الغازية للملكة ” زنوبيا” ، ملكة تدمر وبين الجيوش المحتلة للإمبراطور الروماني ” أورليان” في (71 ـ 270 م ). وفي نهاية تلك الحرب ، استعاد أوريليان المدينة من جيوش الملكة زنوبيا ، ولكن بعدما دُمرّت أجزاء كبيرة من الإسكندرية .
بعد بضع سنوات سقطت المدينة مرة أخرى بيد الإمبراطور الروماني ” دقلديانوس” . وقد امتد هذا الخراب المتكرر للمدينة على مدى عدة قرون ، إلى جانب إهمال المكتبة وما تحويه من نفائس الكتب والمخطوطات يتزايد مع تقلب أفكار الناس وانتماءاتهم الدينية والسياسية والاجتماعية ، مما يعني أن “الكارثة” التي أنهت المكتبة القديمة في الإسكندرية كانت متدرجة وعلى مدى أربعة أو خمسمائة عام .
كان آخر اميناً مُسَجلاً لدى الوثائق الاثرية عن المكتبة الكبرى ، عالم الرياضيات والباحث ” ثيون “( 335 – 405 م) والد الفيلسوف ” هيباتيا ” الذي قُتل بوحشية من قبل مجموعة مسيحية متعصبة في الإسكندرية عام 415 م لميوله الانثوية .

أخيراً، ربما يأتي زمناً ، وعند صحارى مصر ، يُعثر على مخطوطات كانت في يوم ما جزءاً من المكتبة الكبرى . إذ يعتقد العديد من علماء الآثار أن الصروح التعليمية والمعرفية الثقافية التي كانت قد شيدت في ماضي الإسكندرية القديمة ، إن لم تكن مدفونة تحت أرض المدينة الحديثة ، فإنها يمكن أن تكون في مكان ما في الجزء الشمالي الشرقي منها…

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
براين هوغتون ـ مكتبة الاسكندرية القديمة ـ هاري ابرامز للنشر ـ 2004 .
أ . ريتشارد ـ يوليوس قيصر عملاق روما ـ روتيلدج للنشر ـ 2011 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.