هذا الجسد لي

وجدان بو عبدالله (تونس)
هذا الجسد لي، ليس مِلْكًا مُشاعًا للمارّة، ولا جمادًا لتضَع يدَك عليه وأنت تدَّعي أن يدك “بريئة”. هذا الجسد كياني، وإن بدا لك “شكلًا”. فهذا الشكل يحتوي ذاتي، وليس مِنطقة عبور باللمس أو الإيحاء.
هذا الجسد المحشور وسط عربة قطار مكتَظَّة، مِلكُ فتاة متَّجهة إلى عملها، أو طالبة ذاهبة إلى مدرستها، أو سيِّدة مُسنّة عائدة من بيت ابنتها… فلا يحق لك الاحتكاك به، أو الإيحاء لفظًا بما يخدش كرامة مالكِه، وأنت تظنُّ أنه بضاعة، أو جزء من مملكتك الخاصة.
هذا الجسد ليس لعنة يا سادة. هذا الجسد ليس دليل شرف لأحد، وليس مجال لَهوِ لأحد. نِصْف نساء العالم تعرَّضن للتحرُّش الجنسي، حسب دراسة لـ
Trade Union Congress
نُشرت عام 2016. نِصْفُهنّ ضحايا الاستهتار بالكرامة البشرية.

التحرُّش الجنسي لا يعني حصرًا لمس جسد المرأة دون رضاها، بل يشمل النكات الجنسية، والإيحاءات التي يتلفظ بها الرجل، وهو يقصد امرأة أمامه. والشارع ليس المكان الخطير الوحيد على المرأة. فحالاتُ تحرُّش عديدة، يكون فيها الرجل معروفًا للمرأة، أو في موقع سلطة، كأن يكون رئيسها في العمل. وفي حالات أخرى يكون المتحرِّش زميلها؛ ما يُحوّل بيئة العمل إلى مكان قاتم، وغير آمن للنساء، في هذه الحالة يزيد الضغط على المرأة، باتِّهامها بالتقصير في العمل، عِوَض البحث عن أصل العلّة.
في المقابل، عللٌ نفسيّة كثيرة تصيب المرأة بعد تعرُّضها للتحرش، مثل: الغضب، والقلق، وفقدان الثقة بالنفس، والإحساس بالعار، والشعور بالذنب والاكتئاب. التحرش قد يخلِّف آثارًا جسدية كذلك، مثل: الصداع، والوهن، وفقدان الشهية، والغثيان. يَحدث كلُّ هذا مع ضحايا التحرش، دون متابعة طبِّيّة أو تأطير نفسي. فمعظم الضحايا يفضِّلن الصمت، ويتعاملن مع كلِّ الآثار المذكورة بمزيد من الانطواء.


في تونس، حيث تتعرَّض ثماني نساء من أصل عشْرٍ، للتحرش في الأماكن العامة، لم تكن جريمة التحرش الجنسي مُدرَجة في التشريع الجزائي قبل عام 2004. وعندما صدر القانون في ذلك العام، عرَّف التحرش الجنسي بأنه “كل إمعان في مضايقة الغير، بتكرار أفعال أو أقوال أو إشارات من شأنها أن تنال من كرامته، أو تخدش حياءه”. يعني أن القانون يشترط تكرار فعل التحرش لإثباته، وهذه كارثة.
تدرَّجَت التشريعات في تونس، حتى إصدار قانون في آب/أغسطس 2017، بهدف “القضاء على العنف ضد المرأة”. يعرِّف القانون التونسي الجديد التحرُّشَ بأنه “كلّ اعتداء على الغير بالأفعال أو الإشارات أو الأقوال ذات طبيعة جنسية، من شأنها أن تنال من كرامته أو تخدش حياءه”. ويعاقب القانون الحالي الذي دخل حيّز التنفيذ في يناير 2018، كلَّ من يعمد إلى مضايقة المرأة في مكان عمومي، بالسجن، أو بخطيَّة مالية تصل إلى 500 دينار (200 دولار). إذًا، تَدارك المشرِّع تساهله السابق مع المتحرِّش، وأعاد صياغة القانون. لكن، ماذا عن تسامُح المجتمعات الشرقية مع المتحرِّشين؟ أليس هذا التسامح أحد أهمِّ أسباب صمت الضحايا من جهة، وتَمادي المتحرشين في تحرُّشهم من جهة ثانية؟
“ماذا كانت تلبس؟”، “أكيد لم تكن محتشمة”، “تستاهل ليست محجبة”، “هي أصلا مثيرة”… بمِثل هذه العبارات، يعلِّق شِقٌّ كبير من العامّة على حوادث التحرش، مسلِّطِين سيف العقوبة على ضحايا التحرش، عِوَض المتحرِّش. فالمتحرَّشُ بها تُصبح مسؤولة عمَّا حدث لها، بل تستحقُّ ما حدث لها. هكذا يفكِّر الكثيرون، مبرِّرين الجريمة، وواضعين أجساد النساء في مقام المِلْك المُشاع، المفعول به حتمًا.
الأخطر من كل ذلك، تبرئة ساحة المتحرِّش حين يكون شخصيّة عامة. هو حتمًا “لا غبار عليه”، و”ضحيّة مؤامرة”. فلا يُبذل أدنى مجهود أخلاقي لتقصِّي الحقيقة، وسماع الضحيّة. هنا، تُصبح الضحيّة هي المُجرم الذي يُسيء للمتحرِّش، وكثيرًا ما تتحوَّل القصة إلى محاولة نبش عن حياة الضحية، لإثبات أنها “سيِّئة السِّيرة”. وفي هذه الحالة تتراجع الضحية، تنطوي على ذاتها، تُداري آلامها، تُطَأْطئ رأسها أمام المجموعة التي تحاكمها، وتَتوارى عن الأنظار. أقدار نساء كثيرات، معجونةٌ بالأسى وقلة الحيلة. نساء وحيدات مع أوجاعهن، غير قادرات على كسر حيطان قُدّت من الشعور بالذنب، بعد تَغوُّل المجموعة واصطفافها خلف المتحرِّش.
ذاك الجسد تحرَّشوا به مرَّتَين: الأُولى من المتحرِّش، والثانية من دفاع المجموعة عن المتحرِّش.

المصدر موقع تعددية

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.