نيال اللي عندو مربط كر بالمشتى :

Fadi Shammas

قبل عدة أيام اتصلت بي صديقة – لن أذكر اسمها لكن كثيرون منكم سيعرفه من سياق القصة – و أخبرتني أنها التقت بالخوري مروان و أن حديثاً دار عن أناس يدعمون الملتقى لكنهم لا يقدمون ذات الدعم للكنيسة
– اذا كنت يا أبونا بتقصد فادي شماس، هادا زلمي ملحد و مع ملتقى أو من دون ملتقى ما رح يتبرع بقرش للكنيسة ..
– فادي شماس ملحد؟
– ملحد وبس ؟ .. هوي اللي اخترع الإلحاد .. وكل العالم بتعرف هالشي إلا أنت …
يبدو أن اثنان فقط لا يعرفان أن فادي شماس ملحداً، الخوري مروان و فادي شماس ذاته .. أنا لم أدعي في حياتي أني ملحداً،، ربما كانت بعض كتاباتي المتواضعة في فيس بوك توحي بذلك، لكن الكتابة عمل ابداعي لا يعرف حدوداً ولا يجب أن يعرفها، و يمكن لكاتب أن يتقمص الله ذاته دون أن يكون أو يصير ملحداً، كما فعل شاعرنا حسان بسطاطي في قصيدته الرائعة “لو كنت مطرح ايل” …
إذاً الأمر قد حسم، صرت ملحداً و لن يكون سهلاً أن أقنع الخوري مروان عكس ذلك ..
لا أخفيكم أني كنت أرجو لو وافتني المنية أن أحظى بقداس الجنازة في كنيسة مار الياس (الكنيسة التحتانية)، وهي الكنيسة التي نقش أيقونسطاسها جدي نوفل الشماس (كيف يمكن لرجل يعرف كلمة “أيقونسطاس” أن يكون ملحداً ؟) .. كان ذلك الرجاء سهلاً قبل عدة أيام، لكن الأمر اختلف الآن، و لأني لا أضمن أن الكنيسة ستفتح ابوابها أو تقرع اجراسها لملحد كان لا بد أن أفكر بنهاية أخرى لقصتي ..


كثيرون في ألمانيا يختارون الحرق بدلاً من الدفن، و لا أنكر أن الفكرة استهوتني يوماً، لكنها طبعاً لم تكن خياراً بالنسبة لي، طالما أن الكنيسة التحتانية التي نقش أيقونسطاسها جدي نوفل الشماس كانت متاحة ( في هذا المقال سأعيد كتابة كلمة ايقونسطاس كلما سنحت لي الفرصة) ..
لم أفكر طويلاً.. البارحة أخذت يوماً اجازة من عملي وقدت سيارتي إلى الكريمتوريوم (مبنى حرق الحثث) .. هناك استقبلني رجل يرتدي بدلة أنيقة ويتحدث بلغة أكثر أناقة، بدت لي طريقة كلامه مع ابتسامته الدائمة مناسبة جداً لرجل يعمل في مجال دفن الموتى (أكثر من حرقهم)، دعاني بلطف إلى مكتبه و قدم لي قلماً و رزمة من الأوراق فيها بيانات و أسئلة كان علي ملؤها .. بعض الأسئلة بدى لي غريباً مثل سؤال عن أسنان الذهب أو مفاصل البلاتين و سؤال أخر عن طول القامة .. أردت أن أخفف من رهبة الأسئلة فقلت مازحاً :
– لماذا طول القامة؟ هل هناك حسم لذوي القامة القصيرة ؟
لم يضحك، تابع نفس ابتسامته المحايدة دون أية زيادة أو نقصان
– ليس حسماً، لكن يمكن القول أن الكلفة على ذوي القامات القصيرة تكون أقل أقل بعض الشيء
لم أجرؤ أن أسأله لماذا .. عندما انتهيت من الكتابة أخذ الملف و راح يقلب صفحاته
– حسناً سيد شماس .. كل شيء على ما يرام، بقي أمر واحد فقط .. لمن تريدنا أن نعطي الرماد؟
اعترف أني لم أفكر بالأمر، و ربما لم جاداً تماماً حتى تلقيت ذلك السؤال .. انتهى وقت المزاح و الان علي أن أقرر ماذا سأفعل برمادي .. عندما كنت صغيراً شاهدت في السينما فيلماً عن هندي أحمر قاتل بشجاعة حتى الرمق الأخير.. أحرقت القبيلة جثة البطل ثم نثرت رماده في مشهد ملحمي فوق الجراند كانيون أو في نهر كولورادو ..لست معجباً بتلك الملحمية و ليست حياتي إلا سلسلة من الخيبات لا تستحق أية ملاحم .. ثم لمن أوصي برمادي ؟؟ ليس عندي زوجة أو أولاد و لن أوصي به لأخ أو لصديق كي ينثره على جبل المشتى أو في نهر بردى .. ربما تذكري لنهر بردى أو للخيبات التي مرت بحياتي أوحى لي بالجواب :
– لا يهمني ماذا ستفعل بالرماد.. يمكنك أن تلقي به في دورة المياه
نظر إلي دون أي تعبير مختلف، نفس الابتسامة المحايدة التي صارت تبدو و كأنها وشم لا يمكن ازالته، أو شيئاً يتبع بدلته ارتداه صباحاً معها ولن يشلحه حتى يعود مساء إلى البيت..
– هل من دورة مياه بعينها ؟
– ماذا تقصد
– أقصد دورة مياه لفندق خمسة نجوم أو لمطعم تحبه أو …
بدأت أشعر بضيق شديد
– لا، اية دورة مياه ستفي بالغرض .. حتى تلك التي في الكريمتوريم .. لا يهمني ، هل تفهم ..
أخذ القلم و كتب بضع كلمات على الملف
– حسناً، لا تقلق.. نحن سنتدبر الأمر.. طبعاً ستكون هناك كلفة اضافية .. هممم .. لنقل 30 يورو .. موافق؟
– موافق
– يمكن أيضاً مع كلفة بسيطة أن نجعل الموظف يقول عبارة مؤثرة قبل أن ينجز الأمر .. أقصد قبل أن .. يشد السيفون
لا يمكنه أن يلقي زهرة من اجل سلامه المجاري لكن يمكن أن يضع أغنية تحبها.. البعض يفضل الموسيقى الحية لكنها مكلفة طبعاً .. آه ، أنا أعرف عازفاً على الكمان يمكنه أن يؤدي مقطعاً جنائزياً رائعاً في التواليت مقابل مبلغاً معقولاً …
نهضت عن مقعدي و هربت .. سمعت صوته ورائي – سيد شماس .. لم التفت .. في الشارع أخذت نفساً عميقاً كنت بحاجة له ..
قدت سيارتي دون اتجاه محدد، لكني كنت افكر في امر واحد فقط، الان اعلم ماذا اريد .. سأعود للمشتى، لن تفوتني صلاة في الكنيسة و ربما أغني في الكورال لو وجدوا صوتي مناسباً.. سأصوم أربعين يوماً و أسير حافياً إلى قمة جبل السيدة، سأقاطع وائل صباغ و منذر عيد و ابراهيم العطا و جورج العدنان .. و ربما أعمل يوماً أو يومين مكان هيسوس (سكرتير الخوري) لو اصابته وعكة صحية .. سأعلق في بيتي صور لجميع القديسين بما فيهم نيقولا الثاني و بوتين الاول، سأتولى صيانة الأيقونسطاس في الكنيستين التحتانية والفوقانية (حتى ذلك الذي لم ينقشه جدي نوفل الشماس) …
رائعة تلك البلاد.. لا يوجد مكان أخر في العالم يمكنك أن تنعم فيه بكل تلك الكرامة و الحرية، لكن عليك أن تذكر دوماً أن لا تأخذ الأمور بشكل شخصي.. الجميع هنا يقوم بواجبه على أتم وجه في ماكينة كبيرة تدور، موظف دائره الهجره، الطبيب، العاهره، جابي الضرائب و حارق الجثث .. عليك أنت أيضاً أن تقوم بواجبك و أن تدور مع الماكينة..
أذكر أني في أيامي الأولى في ألمانيا، كنت أتردد إلى نفس المقهى لأن النادلة الجميلة كانت تمنحني ابتسامة عذبة.. لم يكن عندي أصدقاء و أوهمت نفسي أن ابتسامتها ربما دلت على اعجابها بطولي أو بسواد عيني، و حزنت عندما لاحظت أنها تمنح ذات الابتسامة للجميع (و ربما تصبح أعرض قليلاً مع زيادة في البخشيش) .. بقيت مواظباً على الذهاب إلى المقهى حتى بعد معرفتي أن ابتسامة النادلة الجميلة ليست شخصية و أنها واجب مدفوع ثمنه، لكني كنت بحاجة لها أكثر من حاجتي لفنجان القهوة ..
إذاً لا شيء شخصي هنا و قد يكون ذلك الضحول في الشخصانية هو ما عناه كافكا عندما كتب عن تحول غريغور سامسا إلى حشرة .. كل شيء جميل في هذه البلاد لكن لكل شيء ثمنه وسيكون هناك دوماً موظفاً محترفاً مع نفس الابتسامة المحايدة و المأجورة سيضع لك أنت أيضاً ثمناً، منذ فنجان القهوة الأول و حتى السيفون الأخي

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.