نقد وتثمين لكتاب ( وشم الطائر ) تأليف: دنيا ميخائيل .

يقع كِتاب هذه الرواية في 252 صفحة من القطع المتوسط وصادر عن دار الرافدين \ بيروت لسنة 2020 .
علماً بأن المؤلفة دنيا ميخائيل هي شاعرة عراقية تعيش في ولاية مشيكان الأمريكية ولها عدة دواوين شعرية سبقت كتابها المذكور بالإضافة إلى كتابها التوثيقي السابق “في سوق السبايا.”.

تدور أحداث الرواية في قرى شمال العراق لبعض مواطنينا من الآيزيديين العراقيين الذين كانوا ضحية ما يُسمى ب تنظيم ( داعش ) \ الدولة الإسلامية في العراق والشام.
برأيي الشخصي هذه الرواية جاءت مكملة للكتاب الأول ( في سوق السبايا ) الذي أصدرته ونشرته دنيا ميخائيل سنة 2017، وكان على شكل قصص قصيرة لبنات ونساء آيزيديات كُن ضحية إغتصابات جنسية لإرهابيي منظمة داعش الإسلامية المتطرفة .

رواية (وشم الطائر) قصة عدة عوائل من أبناء الديانة الإيزيدية تجمع بينهم روابط المعرفة والجيرة والصداقة وقرابة الدم، وكانوا جميعاً من ضحايا داعش وبصورة من الصور التي أبدعت الروائية دنيا ميخائيل في حبكها وربطها وتطريزها بصورة جميلة ودقيقة والأهم بصورة توثيقية مُشوقة جداً وتحمل في طياتها الكثير من التعب والبحث والتقصي والمصداقية لمعرفة عادات وتقاليد هؤلاء الناس في قراهم الجبلية وعاداتهم ودينهم وتراثهم وخرافاتهم ونوع حيواناتهم وأشجارهم ومزروعاتهم وملابسهم ورقصاتهم وأعيادهم وحتى نوعية شخصياتهم المسالمة الرقيقة والخالية تقريباً من أي نوع من العنف المجتمعي البشري .
كذلك ومن خلال أحداث الرواية نتعرف على الكثير الكثير من أخلاقيات داعش وعن بعض الأمور الحياتية التي منع التنظيم الداعشي تداولها بين الناس، مع نوع العقوبات الخاص بكل منها!، وأغلبها أمور حياتية يومية تدخل ضمن إطار وممارسات وحقوق البشر الطبيعية ولكن ……. هي داعش المتطرفة في كل شيء، والغريب أن داعش كانت وبدون أي خجل أو مساءلة “حاميها حراميها” كما يقول المثل !، فمثلاً داعش تمنع وتُحرِم التدخين والذي عقوبته 25 جلدة لكن رجالها يتعاطون المخدرات يومياً!. كذلك هُم حريصون على أداء الصلوات لكنهم بعد صلاة العشاء بدقائق يقومون باغتصاب الأنثى السبية التي بين أيديهم !!، وأحياناً يُعيرون سبيتهم لإصدقائهم كي يتمتعوا بها بثمن ما كما يفعل أي قَواد !!… فأي تناقض يكتنف هذه الأيديولوجيا وهذه الشرائع المتخلفة التي تُحرِم وتُحلل بكل هذه العشوائية وبحسب مزاجها ومنافعها الشخصية!؟. وقد وضعت المؤلفة كل ذلك في قالب من المفارقات المضحكة المبكية مما جعل الرواية مُشوقة جداً بحيث أنني كنتُ أتعجل القراءة لمعرفة الخاتمة .

من خلال الرواية والتي أغلب أحداثها هي توثيق لما حدث لبعض هؤلاء الناس الآيزيديين المسالمين نعرف وعن كثب نوعية المعاملة القاسية حد الوحشية التي لاقوها على أيدي روباتات داعش والتي وصل الكثير منها لمرحلة التصفية الجسدية وخاصة للرجال البالغين وكبار السن من الجنسين بينما تم الإحتفاظ بالنساء والمراهقات وحتى الطفلات من عمر تسع سنوات وما فوق لأغراض المتعة الجسدية والبيع في سوق النخاسة !.
الرواية تطرح وبأسلوب سردي توثيقي دقيق حال هؤلاء الناس قبل وأثناء وبعد مآسي ومحارق وويلات “داعش”.

كذلك وبرأيي فالرواية وبصورة غير مباشرة تطرح الكثير من الأمور والمعتقدات الدينية لمواطنينا الآيزيديين والتي لا تقل خرافةً وجهلاً عن بقية معتقدات الأديان الأخرى حتى رغم أنها ديانة مسالمة جداً!.
وأهم ما تطرحه الرواية برأيي هو التغيير السلبي الذي حصل لتلك المجتمعات القروية البريئة والتي كانت تعيش حياة هادئة رتيبة متواضعة وبكل سلام وطمأنينة ولكن للأسف قامت داعش بقلب كل الموازين رأساً على عقب ولم يبق إنسان واحد من هؤلاء الناس بدون ان تصيبه داعش بسوء وشر وحزن وموت من قريبٍ أو بعيد !.

بطلة الرواية الفتاة الآيزيدية الشابة هيلين بنت شمو وقعت أسيرة بيد داعش حيث كغيرها تتعرض للإغتصاب وبكل انواعه ويتم ذبح زوجها ألياس وأسر اولادها المراهقين ( يحيى وياسر ) ويتم تدريبهم كمقاتلين مسلمين في الدولة الإسلامية !، وتبقى إبنتها الرضيعة أمانة عند جيرانهم المسلمين في الموصل لمدة سنة لحين هروب الأم هيلين وكذلك هروب ولديها من قوات داعش، ثم تعود مع عائلتها لقريتهم الطيبة الآمنة ( حليقي )، ومن هناك يرحلون إلى كندا كلاجئين حيث يبدأون حياة جديدة تحت رعاية وحماية القوانين والأعراف الدولية المتحضرة وبعيداً عن شرائع الغاب الإرهابية الدينية التي تؤمن وتُطبق مبدأ ذبح وإستعباد كل من هو مُختلف عن القطيع الأجرب !.

أقولها وبصدق .. مقاطع وأحداث الرواية جعلتني أبكي عدة مرات، وهي شهادة على أن الرواية حقاً تستحق القراءة والتصفيق، شكراً دنيا ميخائيل. الوطن والناس الطيبون لن ينسوا لكِ هذه االمكرمة الحقيقية.

المجدُ لكل قلبٍ يحزن تعاطفاً مع قلوب الطيبين الحزينة المنكسرة .
طلعت ميشو … Sep – 10 – 2020

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.