نعم عدوها هو شعبها !! ( الجزء الثانى )‎

وليد العجمى‎

و الشعب المصرى متمرس فى السخرية من بعضه , و أكثر النكات و السخرية تكون من الصعايدة و هو نهج قديم يقال أنه يعود إلى زمن مينا موحد القطرين , حيث لما قام بعملية توحيد القطرين اعتبر سكان القطر الشمالى أن هذا ليس توحيدا بل احتلالا , فصاروا يطلقون النكات الساخرة على سكان القطر الجنوبى الذى هو الصعيد الآن ! و ربما يرجع الفضل فى أولى المحاولات الجادة لإيقاف هذا النهج إلى المنولوجست حمادة سلطان , و الذى كان يستبدل عبارة ” مرة واحد صعيدى ” بعبارة :” مرة واحد بلدياتنا ” يعنى من محافظته هو !
أما النكات على المنايفة فحدث عنها و لا حرج !! و الغريب أن كاتب هذه السطور عبر حوالى ربع قرن من التعامل مع المنايفة فى مراحل مختلفة من عمرى لم أجد منهم إلا حسن تعامل و مساندة عند التواجد فى المحافظات الأخرى و رجولة ما بعدها رجولة , لكن هكذا هى العنصرية التى تغض الطرف عن الفضائل .
المخاطر الكبرى التى ربما تتعرض لها مصر بسبب عنصرية شعبها هى إما التقسيم و إما الحرب الأهلية , فبالنسبة للتقسيم فالناس لديهم النوايا الكامنة للتقسيم و تقطيع أوصال مصر إذا سنحت لهم الفرصة و ضعفت قبضة السلطة المركزية على الأمور , و هو ما يتضح من سلوك كل قرى مصر و التى يريد سكان كل قرية منها أن يصبحوا مدينة و ينسلخوا عن المدينة الأم مهما كانت مدينة شهيرة و عريقة و ضاربة فى جذور التاريخ ! و سكان كل مدينة فى مصر يتمنون لو تصبح مدينتهم محافظة مستقلة حيث ينسلخون عن المحافظة الأم مهما كانت تلك المحافظة مدعاة لفخر مصر كلها و ليس أبنائها فقط .
باختصار كل عدة آلاف من المصريين إن سنحت لهم الفرصة للانسلاخ عن الجسد المصرى سيفعلونها !! خاصة إذا توافر لهم التأييد الدولى المتآمر على مصر , و يبدو أن الدكتور جمال حمدان فى موسوعته العبقرية :” شخصية مصر ” لم يعمل حساب تلك الاحتمالية , بل هو رأى أن مصر من المجتمعات النهرية التى يلعب النهر و الالتفاف حوله و الارتباط به دورا فى تماسك تلك المجتمعات و عدم تفككها .

الآن النهار ذاته مهدد و قد نستيقظ يوما ما و لا نجده !
و الغباء العنصرى الذى نراه فى سلوكيات الكثير من المصريين ربما يسول لهم يوما ما أن يحارب بعضهم بعضا خاصة إذا قامت أطراف خارجية بتسليح الفئتين فى وقت تضعف فيه السلطة المركزية , فإن المنطق و المعطيات الحالية لا يستبعدان حربا طائفية محدودة أو ممتدة إذا لم يتدخل عقلاء أصحاب كاريزما و تأثير لإطفاء نارها .
لذا فأولى الصفات الذميمة التى تجعل الشعب المصرى هو الخطر الأكبر على مصر نفسها هى العنصرية الغبية العمياء .
(3)
لنتكلم فى الحفاظ على المرافق العامة التى هى ملك الكل , و لكل مصرى فيها حق معلوم .
المشكلة الجامعة قد لخصتها كلمات محافظ الشرقية الأسبق الدكتور رضا عبد السلام فى لقاء له مع أبناء محافظة الشرقية كنت قد حضرته منذ خمس سنوات فى بهو المحافظة , قال :” كل واحد يفكر فى نفسه فقط ” . انتهى كلامه .
لنأخذ مثلا أهم مرفق عام فى مصر كلها و هو نهر النيل , كل مصنع يلقى بالصرف الصناعى الخاص به هو لا يفكر إلا فى نفسه و لا يفكر فى الملايين الذين سيصابون بمختلف الأمراض بسبب تلك السموم التى يلقيها مصنعه و غيره من المصانع فى مياه النيل , و كل باخرة سياحية تلقى بصرفها الصحى فى مياه النيل – و كلهم كذلك بالمناسبة – فصاحبها لا يفكر إلا فى نفسه فقط و لا يفكر فى المصلحة العامة للسياحة المصرية و التى حتما ستضار كلما رأى السياح منظر الصرف الصحى و هو يلقى فى مياه النيل التى سيشربونها بعد ذلك !!
و فى كتابات سابقة كنت قد ذكرت موقف السياح الذين وقعت أعينهم على جثة حمار طافية على سطح مياه النيل , و طوال مدة إقامتهم فى مصر ظلوا يستخدمون المياه المعدنية ليس فى الشرب فقط و إنما فى الاستحمام أيضا !!
و سأحكى لكى قصة حفاظ الشعب المصرى على المرافق العامة انطلاقا من معايشة لسنوات طويلة لأحوال السكة الحديد .
فمنذ حوالى عشرين عاما مضت شرعت الهيئة فى تسيير عربات جديدة سمتها العربات المميزة كانت أجرتها أغلى بعض الشيئ من العربات العادية , ثم قامت بتسيير عربات أخرى قريبة فى مستواها و تصميمها من العربات المميزة لكن أجرتها قريبة جدا من العربات العادية و سمتها حورس , بدأ حفاظ الناس على العربات المميزة بسرقة الأكواب البلاستيكية التى كانت كل منها موضوعة داخل كولدير مياه مثلجة تم توفيره بكل عربة , الأكواب كلها تمت سرقتها !! فصار كل من يريد الشرب من الكولدير يضع فمه على حنفية الكولدير و لا يفكر فيمن سيشعرون بالاشمئزاز من تصرفه و لا فيمن سنتقل إليهم الأمراض بسب تصرفه , ثم بعد فترة تم تخريب الكولديرات كلها بسبب كثرة العبث بها و انتهى الأمر بخلع كل الكولديرات من كل العربات !!
و كلما سارت تلك العربات الجديدة هنا أو هناك فإنها كانت دائما هدفا لهجمات الغلمان الذين يقذفونها بالحجارة !! غلمان فى حوالى العاشرة من أعمارهم فى كل مكان فى مصر يقذفون القطارات بالحجارة و لا يمنعهم أهلوهم , و الكثير من ركاب القطارات قد أصيبوا إصابات بالغة بسبب تلك الهجمات التى يُفترض أنها لا تحدث فى مجتمع ماتزال به بقية باقية من عقل , و الأخطر أن بعض قائدى القطارات يصابون أيضا و منهم من يغمى عليه بينما القطار يسير بسرعته !!
بدأت الدولة وقتها بتوفير عربات جيدة فهل كان الناس حريصون على دفع مقابل الخدمة ؟
الإجابة يلخصها موقف موقف محموعة من الركاب منذ بضعة عشر عاما كانوا جميعا يحملون أجهزة محمول فى وقت كان سعر الدقيقة الواحدة جنيهان , فقال أحدهم للكمسارى أنه ليست معه نقود ليدفع الأجرة , فكان رد الكمسارى السريع البديهة : عيب على هذا المحمول الذى معك !!
نأتى لدورات مياه القطارات .
فبعد أن وقعت دورة مياه إحدى العربات بسيدة كانت داخلها مما أسفر عن مصرعها على الفور بدأت الدولة فى الاهتمام بدورات مياه القطارات , فكانت ردود أفعال الناس تتراوح ما بين ترك الدورات ملوثة بالقاذورات بعد استخدامها و ذلك لأن كل واحد لا يفكر إلا فى نفسه و لا يفكر فيمن سيستخدمون بعده تلك الدورة , و ما بين خلع المرايا الموجودة فى تلك الدورات و سرقتها , و تمت سرقة الحنفيات تباعا !!
و تقريبا فى كل عربة من عربات السكة الحديد نجد الكتابات التى بالقلم الماركر على الجدران الداخلية أو الخارجية للعربة , فهذا يكتب تحية و ذكرى , و هذا يكتب فلانا يحب فلانة ! و هذا يكتب كلاما فى غاية البذاءة .
و عندما يتوقف أى قطار فى أية محطة نجد صراعا ناريا بين النازلين و الراكبين !! فالراكبون يريدون الركوب أولا بينما النازلون يريدون النزول أولا !! و كل يفكر فى نفسه فقط !!
و دائما فى القطارات – و فى شتى المواصلات – نجد المتحدثين فى هواتفهم المحمولة لمدد تصل إلى الساعة الكاملة بصوت مرتفع !! و دون تفكير فى انزعاج الآخرين أو فى حاجتهم إلى الهدوء , و ربما هذا النقطة توضح كم الفارق بين التقدم اليابانى المذهل حيث أن الوضع الصامت عندهم إسمه ” أخلاق ” , و لا يستبيح أحدهم هناك التحدث فى الهاتف على الملأ كما يحدث عندنا , بل ليست لديهم تلك البجاحة التى عندنا حيث إذا تكلم أحد الركاب و اعترض على الإزعاج الذى سببه ذلك المتحدث فى الهاتف المحمول فإذا برد ذلك المتحدث أن من لا يعجبه فليأخذ سيارة مخصوص !!
يا سادة يا كرام نحن شعب عدو لنفسه و عدو لبلده , و سلوكياتنا تجعلنا فى استحقاق كامل لأن نسكن جبلاية القرود و الأحراش و الغابات !!
هذه هى حقيقة هذ الشعب الذى يقولون عنه أنه صاحب حضارة سبعة آلاف عام بينما الواقع الآن اننا صرنا فى ذيل الأمم فى كل شيئ .
يتبع ….

About وليد العجمى

وليد محمد محمد صالح الشهير بوليد العجمى صحفى مصرى حر . اتجاهاتى مستقلة و صديق للجميع . مواليد السادس من أكتوبر 1977 خريج كلية الزراعة عام 2003 و مهندس زراعى حر منذ ذلك الحين .
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.