نحو إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق

بابكر فيصل كتب في موقع الحرة

تظاهرة في نواكشوط مناهضة للعبودية
قبل عدة سنوات قامت “منظمة مبادرة انبعاث الحركة الانعتاقية” (إيرا) المناهضة للرق في موريتانيا بإحراق بعض كتب الفقه المالكي، ومن بينها كتاب الشيخ خليل بن إسحاق “مختصر خليل” لأن تلك الكتب بحسب رأي المنظمة تمجِّد العبودية وتدعو لاستمرارها في موريتانيا.
من المعروف أن ملف الرق في موريتانيا ظل يلقي بظلاله الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية حتى اليوم. وفي عام 2012 فجرت إذاعة القرآن الكريم التابعة للنظام في موريتانيا أزمة كبيرة عندما بثت حديثا للفقيه السعودي صالح بن عواد بن صالح المغامسي قال فيه أثناء محاضرة على الهواء إن بإمكان الذين يريدون كفارة العتق شراء العبيد من موريتانيا بـ 10 آلاف ريال.
قالت منظمة العفو الدولية إن عدد الأشخاص الذي يعيشون تحت قيود الرق بلغ نحو 43 ألف فرد في عام 2016، وهو ما يمثل نسبة 1 في المئة من السكان في موريتانيا، وأدانت المنظمة في تقرير أصدرته في مارس 2018 “القمع المتزايد الذي يتعرض له المنظمات والأفراد الذين يجرؤون على إدانة ممارسات الرق والتمييز، وكذلك إنكار الحكومة لوجود هذه المشكلة”.
من ناحيته، قال رئيس منظمة “إيرا” إن: “صمت الفقهاء الموريتانيين عن إدانة الرق هو الذي أدى إلى الضبابية في التعامل مع الملف بأكمله. ولو أننا وجدنا حركة علمية تقود التنوير في هذه القضية لما وجدنا أنفسنا أمام هذه الممارسة الفجة”. وأوضح أن منظمته: “حاولت سابقا مع كل الفقهاء والأئمة اتخاذ موقف من النسخة المحلية للفقه المالكي التي تُحرِّم إمامة الأرقاء لصلاة الجمعة، وتكرِّس التمييز العرقي بموريتانيا”.
لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة
الرق كان ممارسة موجودة وسائدة في العالم قبل مجيء الإسلام، والإسلام لم يُحرمه تحريما قاطعا تماشيا مع ظروف العصر التي جاء فيها، ولكنه شجع وحض على عتق العبيد انطلاقا من المفهوم الديني الأساسي الذي ينبني على المساواة بين جميع المسلمين في العقيدة.
عرف المجتمع الإسلامي ـ شأنه شأن كل المجتمعات ـ الرق في الغزوات والفتوح، وكانت للمسلمين أسواقا لبيع وشراء العبيد، وقد أقامت الشريعة قواعد التعامل مع الرقيق وفصلت فيها كتب الفقه تفصيلا كبيرا ودقيقا.
ميَّزت كتب الفقه الإسلامي بين المسلم الحر، والمسلم العبد في الحقوق والواجبات تمييزا واضحا، فكان الأرقاء يقعون ضمن عداد الأشياء والممتلكات والأموال، يُباعون ويُشترون ويُوَّرثون دون حقوق، وكانت الإماء يستخدمن للمُتعة الجنسية ولا يتوفرن على حقوق الزوجات الحرائر.
بمرور الزمن، ومع التطور الكبير الذي أصاب المجتمعات الإنسانية حدثت تحولات كبيرة في موضوع الرق أدت إلى إلغائه إلغاءً تاما، واعتباره جريمة تُعاقب عليها القوانين، ويرفضها الضمير السليم، وتأباها الأخلاق الكريمة. حيث شهدت جنيف في سبتمبر 1962 توقيع الاتفاقية الخاصة بالرق، والتي منعت جميع الصور التي يمكن أن تؤدي بالإنسان إلى أي شكل من أشكال العبودية.
ولكن الأمر المؤسف أن الجمود الذي أصاب الشريعة جرَّاء قفل باب الاجتهاد، أدى لتخلف المسلمين عن قراءة النصوص القرآنية بشكل جديد واستنباط الأحكام التي تتماشى مع روح العصر، مما خلق التباسا كبيرا في نظرة الشريعة لموضوع الرق في الوقت الحاضر، بحيث ما يزال البعض يؤمن باستمراره حتى اليوم.
وقد أصبح من المستحيل في زماننا هذا تطبيق أحكام الآيات القرآنية التي تتحدث عن العبيد وملك اليمين، ولذا توَجب التوفر على اجتهاد ديني مستنير يستند إلى قراءة للنصوص تنفذ إلى الحكمة الإسلامية من الحض والتشجيع على العتق في الزمن الماضي الذي استحال فيه إلغاء مؤسسة الرق والنظم الاقتصادية والاجتماعية الراسخة المرتبطة به.
هذه الحكمة تقول إن تغير الأحوال قد جعل من الممكن بل من الفرض والواجب إلغاء ما استحال إلغاؤه في الماضي، وإن غاية الدين هي صون الكرامة الإنسانية والمساواة الكاملة بين بني آدم ولذا توجب إصدار “إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق”.
قطعا سيخرج علينا بعض المتفيقهين قائلين إن هذا الكلام يُحرِّض على تعطيل العمل بآيات القرآن، وسنرد عليهم بالقول إننا ندعو لاجتهاد في قراءة تلك الآيات عبر النظر في الحكمة والمقاصد الكلية للشريعة، مثلما فعل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب مع سهم المؤلفة قلوبهم، ومثلما اجتهد في غنائم أرض سواد العراق.
دعوتنا هذه ليست دعوة لإلغاء آيات قرآنية، فهذا أمر لا يتورط فيه إلا مُدلٍ بباطل أو داعيةٍ لفتنة أو متجانف لإثم، ولكنها مناداة بوقف العمل بالأحكام المتعلقة بتلك الآيات، وهذا أمر أقره الفقه إدراكا للمصالح ومراعاة لتبدل الزمان.

لباس المرأة المسلمة
طرأت تغيرات كبيرة على بنية المجتمع السوداني منذ وقوع الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال عمر البشير في يونيو 1989 حيث أقام الطاغية المخلوع نظاما استبداديا للحكم أسقطته ثورة شعبية في أبريل 2019.

تناول كاتب هذه السطور في رسالة للدراسات العليا (2009) بالدراسة بعض كتب الفقه التي تُدرَّس في معاهد الأزهر الشريف، ومنها كتاب “الروض المربع بشرح زاد المستنقع” المقرر على طلاب الصف الثالث الثانوي في المذهب الحنبلي، وهو كتاب عمره أكثر من ثلاثة قرون، وجاء فيه في باب القصاص أنه: “لا يُقتل المسلم لقتله كافرا، أو الحر لقتله عبدا، أو الأب لقتله ابنه”. وقد سألتني الأستاذة المشرفة على الرسالة بدهشة: لماذا تُدرس هذه الأحكام التي عفا عليها الزمن للتلاميذ في هذا العصر؟
لم تعرف الأستاذة أن متاحف كتب الفقه التي تثقل كاهل المكتبة الإسلامية وتغذى بها عقول التلاميذ مليئة بالكثير من مثل هذه الأحكام العتيقة المفارقة لروح العصر، فهذا هو كتاب “تقريب فتح القريب” الذي كان مقررا في المرحلة الإعدادية بالأزهر يقول في أحكام النفقة: “نفقة الرقيق والبهائم واجبة فمن ملك رقيقا أو عبدا أو أم ولد أو بهيمة وجب عليه نفقته”. ويقول في معاملة الأسرى: “إسلام الكافر لا يعصم زوجته عن استرقاقها ولو كانت حاملا”.
هذه مجرد أمثلة بسيطة تعكس ما تمتلئ به كتب الفقه في المذاهب الأربعة من تشريعات وقواعد تحكم فقه التعامل مع العبيد الأرقاء في حياتهم وبعد موتهم. هذه الأحكام ما زالت تُدرَّس في المدارس حتى اليوم.
لا بد من إزالة مثل هذه الأحكام من المناهج التعليمية لأنها تكرس التعامل مع ظاهرة الرق التي تجاوزها الزمن، وهو الأمر الذي جعل تلميذة سعودية ذكية تقول: “عندما كنت في المدرسة وحتى عندما أقرأ الكتب الدينية تستوقفني الكفارات التي أساسها عتق الرقبة أو منح الحرية للعبيد، وكنت أناقش صديقتي في ضرورة مسحها من المنهاج لأن العبودية ذهبت إلى الأبد”.
مما يثير دهشة المرء في أمر من يخلعون على أنفسهم لقب “علماء” ممن برعوا في تدبيج الفتاوى في أمور تافهة مثل إرضاع الكبير ومضاجعة الزوجة بعد موتها أو ما يعرف بجماع الوداع، أنهم لا يمتلكون الشجاعة والجرأة الكافية لإصدار فتوى واضحة في ممارسة خطيرة مثل الرق تلقي بظلالها السالبة على كرامة وآدمية وحياة ومستقبل الآلاف من البشر، بل أن بعضهم لا يتورع عن إجازة امتلاك العبيد والإتجار بهم!
من بين هؤلاء السعودي عبد الله الفقيه، مسؤول الفتوى بموقع “الرقية الشرعية” الذي أصدر فتوى بالرقم 2372 بتاريخ 19 شوال 1421 في إجابته على السؤال التالي: هل تجارة العبيد حلال أم حرام؟ وهل ملك اليمين حلال أم حرام؟ وما موقفها إن كانت متزوجة؟
يتوجب إصدار “إعلان إسلامي عالمي لإلغاء الرق”
وجاء في نص الفتوى أن “ما ملك من الرقيق ملكا شرعيا صحيحا جاز بيعه وهبته وتأجيره. والأنثى من الرقيق يجوز لسيدها الاستمتاع بها ما لم تكن متزوجة، أو محرمة عليه بنسب أو سبب لقوله تعالى: ‘والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين’ المؤمنون:5-6”.
لم يقع كاتب هذه السطور على فتوى واضحة وحاسمة من هؤلاء العلماء بتحريم الرق في المذاهب الأربعة، وكل ما يوجد هو حديث عام عن حث الإسلام على العتق، وعلى تضييق مصادر الرقيق، ومعاملتهم معاملة طيبة. كما أن هناك من يتعلل بأنه يجب السكوت عن هذا الأمر لأن الرق غير موجود في عالم اليوم، بل أن هناك من يمضي أبعد من ذلك ويقول بأن الأحكام الخاصة بالرق يجب أن لا تُلغى لأن المجتمعات الإنسانية قد تعود لممارسته في المستقبل!
وحتى عندما منعت دولا إسلامية ممارسة الرق بقرار سياسي وليس بفتوى أو رأي فقهي وجدت معارضة شديدة من قبل من يُسمون بالعلماء، وكذلك من المؤسسة الدينية الرسمية، وهو ما تشهد به تجربة الملك فيصل بن عبد العزيز في السعودية عندما قرر منع الرق.
الإسلام دين الكرامة، لا عبودية فيه إلا لله، والحرية الإنسانية أصل مقدس من أصوله عبرت عنها صرخة الفاروق عمر: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا”، وهي الصرخة التي وجدت صداها بعد أربعة عشر قرنا في المادة الأولى من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص على أن: “الناس جميعا يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق”.

This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.