#نبيل_فياض: متى نخرج من زمن الطوائف؟

الباحث السوري د نبيل فياض

#نبيل_فياض: متى نخرج من زمن الطوائف؟

كانت كارثة البارحة بالمعنى الحقيقي، الكامل للكلمة؛ وكان أسوأ ما في تلك الكارثة الوجه الطائفي لها. وإذا ما تكلّمنا من منطلق طائفي، ليس ثمة غير متطرّفي السنّة اليوم ومتطرفي الاثني-عشريين يكفّرون الآخر ويفتون بقتله [حتى لا يزعجنا أحد بمداخلته، التطرّف الاثنا-عشري أفتى بقتل [نعم: قتل!] سلمان رشدي وقَتَل حسين مروّة ومهدي عامل ومصطفى جحا، والأخير كان صديقاً شخصيّاً – لا لسبب، إلا توجه فكري لا يتناسب مع تفكير متطرفي الاثني-عشريين؛ تماماً كما فعل التطرّف السنّي المصري بالكاتب فرج فودة]؛ أما الكتل المذهبية الإسلامية أو ذات الأصول الإسلامية السورية من غير هؤلاء، وأحدد هنا العلويين، الإسماعيليين، الدروز، المرشديين، فهم أبعد ما يكون عن التكفير وذيوله؛ ولا يوجد في تاريخ هؤلاء، على حدّ علمي، ما يمكن أن يُطلق عليه جريمة تكفير خوفاً من تفكير! إذاً، التطرّف السنّي الوهابي ونظيره الخميني عند الاثني عشريين هو التهديد الأوّل والأخير على الأمل بانفتاح غير تقليدي على اشراقات المستقبل.
من أين أتى الدواعش القتلة؟؟
ثمة أمور لا يعرفها الجيل الجديد؛ فعام 1993، في معرض كتاب مكتبة الأسد، كان ثمة دار نشر سورية أخوانية مركزها عمّان، تقوم بتوزيع كتاب “لباحث” سعودي، اسمه ضوابط التكفير؛ وعلى ما أذكر كان الكاتب من عائلة اسمها “القرني”! في الصفحة 163 من هذا الكتاب، نصّ يدعو إلى قتل رجال العلويين والإسماعيليين والدروز، وسبي نسائهم، واستحلال أموالهم، واستعباد أطفالهم.
كان الدكتور الصديق الطيّب تيزيني يحاضر ضمن فعاليات المعرض؛ ولما أريته الكتاب، ذُهل، واتفقنا أن أخرج ضمن المحاضرة وأقرأ النص الإجرامي إياه. وهذا ما كان!
المهم!!
أربك الأمن الذي كان يتولى الإشراف على المعرض؛ ثم بدأت سلسلة الاستدعاءات الأمنية التي استهلّت بتهمة إزعاج الأمن، وانتهت بتهمة تصيّد الكتاب لإحراج القائمين على المعرض، دون أن ننسى التهمة الدائمة من إثارة الفتن الطائفيّة!!
بكلام آخر، من حق القرني أن يمسك السكين ويذبحنا من الوريد إلى الوريد؛ لكن ليس من حقنا أن نصرخ من الألم كي لا نزعج الأستاذ القرني أثناء تأديته لواجبه المقدّس!!
هذا ما أوصلنا – ضمن ممارسات أخرى لا تعد ولا تحصى تتحمّل قوى بعينها، أمنية وثقافية وسياسية، وزرها – إلى هذا الوضع الطائفي الذي لا تحسدنا عليه أسوأ الحيوانات وأكثرها بدائية.


تعرف أبسط الكائنات العاقلة أن الإنسان يسير باتجاه المستقبل، وأن الحاضر لا وجود له إلا في المخيلة فالإنسان منقسم بين ماض مات، ومستقبل حي فينا. والكائن الذي يعيش على الماضي هو كائن ميت، حتى وإن حاول إقناعنا أنه على قيد الحياة. الانتماء الطائفي واحد من أسوأ الانتماءات – مثل غريزة القطيع عند الماشية. والإنسان غير المتمدن بحاجة له لأن النزعة الفردية التي تميّز المجتمعات الحديثة عموماً لم تصل إليه بعد، وما يزال بحاجة إلى الطائفة من أجل الشعور بالحماية. الانتماء الطائفي هو عودة أسوأ إلى غياهب الماضي، إلى أكثر حقبه ظلامية وتخلفاً؛ وحين يتناسى واحدنا انتماءه الإنساني المستقبلي مقابل انتماء طائفي ماضوي، فهو إنما يحكم على نفسه بالانتحار، حتى وإن كان ذلك مؤجّلاً.
نحن أقوياء بإنسانيتنا، لأنه فيها تقف معنا، تحمينا، تساعدنا، كل الإنسانية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب؛
نحن ضعفاء بطائفيتنا، لأنه في الانتماء الطائفي لا مكان لغير الصراعات الغبية؛ وفي النهاية، السمك الكبير يأكل السمك الصغير…
الأرض بيتي؛
كل إنسان أخي!!
هذا الكلام غير موجّه للإسلاميين المتطرفين، الذين تخجل من أفعالهم الوحوش… والبهائم!

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in ربيع سوريا, فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.