مُدافعٌ تمرد فهاجم‎

هل يتجسد عملك أمامك.. هل تشاهد إنتاجك ماثلاً تتمتع بالنظر له بفخر؟
بعض الأعمال يتيح لك ذلك.. بعضها لا يتيح..

لو كنت مهندساً فسَتَعْبُر من أسفل مبنى قائلاً لمرافقيك “أنا من هندَسه”.. أما لو كنت مزارعاً فستتابع بعينيك نمو تلك الأشجار التي غرستها بيدك.. ولو كنت مدرساً ستشعر بفخر وأنت تتابع وزيراً يتحدث بالتلفاز وتقول لمجالسيك ” هل تعلمون؟ كان من طلابي ولم يكن متميزاً”..

أيضاً لو كنت رساماً أو نحاتاً أو مصوراً ستنتشي عندما تشاهد لوحةً أو مجسماً أو صورة من إبداعك معروضة في مكان عام..

وقد أُجريَت دراسة في أحد السجون من قبل عالم نفس كان يتردد على السجن لمواصلة أبحاثه.. ولاحظ أن النزلاء لا يُظهرون أي شعور إيجابي وتسيطر عليهم الكآبة طيلة اليوم.. ورغم إدراكه أن هذا الشعور متوقع من أناس محبوسين.. إلا أنه رأى إمكان إخراجهم من هذا الضيق ولو بدرجة معينة..

فسأل عن الأعمال التي يمارسونها فقيل: الغسيل والتنظيف.. أخذ عينة منهم وطلب أن يقوموا بطلاء جدران السجن وعينة أخرى لزراعة خضروات في فنائه.. وترك الباقين على حالهم.. بعد زمن لاحظ أن من قاموا بالطلاء والزراعة أكثر مرحاً وسعادة من الباقين.. وشاهد من طلوا الجدران يسيرون بجوارها يشيرون عليها باعتبارها تلونت بأيديهم، ومن زرعوا الخضروات وبدأوا في جنيها كانوا فخورين بأنفسهم أمام بقية النزلاء..

بمقابل العاملين الذين تظهر أمام أعينهم منتجاتهم.. هناك فئة لا يظهر لهم شيئاً، ويبقى كل ما يقومون به حبيس الأوراق والمكاتب؛ بل ومنتج بعضهم هو امتناع الناس عن الأعمال المحظورة وهذه كيف سيشاهدونها!؟..

فرجل الأمن الذي أمضى ليلته يحرس الحي السكني.. منع تواجده هناك عدة جناة من ارتكاب جرائمهم؛ دون أن يعلم رجل الأمن ذلك، وحتى لو شعر بذلك فإن منتجه هو إبقاء ذلك الإنسان على حاله الساكنة بمنعه من المبادرة بارتكاب جريمة، وكل ذلك لا يظهر لرجل الأمن بصورة مادية؛ كما لا يشاهد عموم الناس هذه النتيجة الخفية..

ولو سألت رجل الأمن هذا بعد تقاعده ماذا أنتجت من رحلة العمل الطويلة.. سيقول لك لاشيء.. وهو في الواقع أنتج الكثير وحافظ على الممتلكات والأرواح.. لكن الإحساس المباشر بذلك مفقود؛ لأنه غير مرئي.

وما ينطبق على رجال الأمن ينطبق على القضاة؛ فينهي القاضي رحلة العمل بإنتاج هائل من الأوراق تسمى أحكام قضائية.. تحفظ في أرشيفات المحاكم.. اللهم إلا إذا حوّل القاضي ذلك المخزون المعرفي وممارسته القضائية لمؤلفات.. حينها سينظر بعينيه لكتبه وقد تزينت بها أرفف المكتبات ومكاتب القضاة الشباب..

على حبيسي المكاتب التمرد في مرحلة من مراحل العمر على حصار الأوراق والروتين، والخروج للميادين الفسيحة يزرعون ويرسمون ويصورون ويكتبون الكتب.. سيبدعون حتماً بعد سنوات الحبوس..

يمنع المدافع عشرات الأهداف بذوده عن مرماه.. ويذهب تصفيق الجمهور للمهاجم الذي أحرز الهدف اليتيم.. وتحتل صورة هذا المهاجم الصفحات الأولى بالصحف الرياضية في اليوم التالي..

‏‫يوسف الشاعل

About يوسف علي الشاعل

.. يوسف علي الشاعل السعودية مواليد 1975 متزوج ماجستير قانون عام باحث عربي مؤمن بالتضامن الشعبي العربي بغض النظر عن توافق الحكومات
This entry was posted in الأدب والفن. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.