#ميشال_كيلو… مزايا #المعارضة_السورية وعيوبها

محمد سيد رصاص

تعرّفت على ميشال كيلو في يوم 21 تشرين الأول/ أكتوبر 1980، عندما اعتُقلت من قِبَل فرع المنطقة للأمن العسكري في دمشق (فرع العدوي). كان ميشال معتقلاً قبلي بخمسة أيام، في إطار الحملة على الحزب الشيوعي السوري (المكتب السياسي)، التي بدأت في السابع من الشهر المذكور. كنّا معصوبي الأعيُن ومكبّلي الأيدي من الوراء، وبعضنا من الأمام، لأيام وليالٍ متواصلة في مهجع بطول عشرة أمتار وعرض أربعة أمتار، حيث تَكدّس ما يقارب المئة من المعتقلين. لم يعذّبوا ميشال بوسائل التعذيب المعتادة، ربّما احتساباً لكونه كاتباً مشهوراً وقد طَبَقت شهرته الآفاق عندما تكلّم قبل عام بجرأة كبيرة مع لجنة «الجبهة الوطنية التقدّمية»، التي قابلت المثقّفين والكتّاب، بل اكتفوا بجعله يقف تحت إشراف حارس المهجع لمدّة ثمانٍ وأربعين ساعة على رجليه، حتّى انهار من الإنهاك ووقَع مغشيّاً عليه بعدما تورّمت رجلاه. كان صلباً في التحقيق الذي أُجري معه، لذلك عاقبوه بذلك الإجراء التعذيبي.
عندما خرجت من السجن بعد خمسة عشر عاماً، وكان ميشال قد قضى سنتين في السجن ترجم فيها عدّة كتب، منها كتاب «الديموقراطية الأوروبية» (تأليف أرتورو روزنبرغ) عن الألمانية، والذي نشرته وزارة الثقافة السورية عام 1984، أخبرني عبد الله هوشي (الذي تولّى قيادة الحزب السرّية من عام 1987 إلى عام 1998 – حتّى خروج رياض الترك من السجن -، علماً أنه سبق عبد الله في القيادة محمد منير مسوتي بعد اعتقال رياض في 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1980) بأن ميشال ينتظرنا أنا وإيّاه على طعام العشاء في بيته قرب المستشفى الفرنسي في دمشق. لاحظت أن ميشال يومها يجمع الكرم والطيبة والمحبة والذكاء والثقافة في مزيج لافت، وقد أخجلني يومها أمام عبد الله عندما أطرى على أدائي في التحقيق وصمودي في التعذيب وفي ظروف المهجع، وقد تفاجأت لاحقاً بأن الكثيرين قد سمعوا ذلك منه. أدخلني ميشال، في حزيران/ يونيو 1998، إلى عالم الصحافة اللبنانية عندما أعطى مقالاً مكتوباً لي عن «التحديث والتغريب» عند صموئيل هنتنغتون، إلى جوزف سماحة، وكان آنذاك في جريدة

«السفير». في ذلك الشهر، لفتت نظري حادثة عندما كتب ميشال مقالاً لجريدة «الموقف الديموقراطي» (وكنت أشتغل في تحريرها ولي فيها 25 مقالاً، منها افتتاحيتان، بين عامي 1996 و2000، وكانت تصدر عن أحزاب «التجمّع الوطني الديموقراطي»)، يرحّب بخروج رياض الترك من السجن، وقد لاحظ عبد الله هوشي أنه لا يجوز نشر المقال بدون إطلاع رياض عليه، لذلك طلب منّي الذهاب إلى حمص ومقابلة أبي هشام، الذي رفض المقال، وخصوصاً قول ميشال إن الحزب ورياض عند انشقاق عام 1972 في مواجهة خالد بكداش، كانا متأثّرَين بعبد الله العروي وياسين الحافظ والياس مرقص. وقال رياض، يومها، إنه لم يقرأ كتب الثلاثة، وغالبية قيادة الحزب (ماعدا الدكتور فايز الفواز) مثله. في ذلك اللقاء مع رياض، قال لي أبو هشام إن عنده معلومات وصلت إليه حديثاً عن أن ميشال وعبد الله والدكتور جمال الأتاسي هم وراء وثيقة صدرت قبل شهرين، تدعو إلى تحويل التجمّع بأحزابه الخمسة من تحالف إلى حركة واحدة، وهو ما كانت ترفضه غالبية قواعد وكوادر وبعض قيادات الحزب، قبل أن يتمّ تفشيل المشروع من قِبَل رياض بعد أشهر، خصوصاً أن الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) كان يرى، على ضوء الوفاة المتوقّعة للرئيس حافظ الأسد بحكم مرضه، أن العهد الجديد يجب أن تتجهّز له المعارضة بعدّة جديدة أبعد وأقوى من «التجمّع»، والاتجاه نحو جبهة عريضة تضمّ الديموقراطيين والإسلاميين. وقد بدأت، فعلاً، اتصالات الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) مع «جماعة الإخوان المسلمين»، في أوائل عام 1999، وليس كما يقول البعض من الذين لا يعرفون شيئاً، أثناء أحداث حزيران/ يونيو 1979 – شباط/ فبراير 1982.
كان ميشال صاحب مقولات سياسية هي أقرب إلى المغامرة الفكرية، مثل طرحه في أربع مقالات نُشرت في «النهار»، في العُشر الثالث من شهر آب/ أغسطس 2000، أن العهد االجديد في سوريا يضم «جناحاً إصلاحياً» يمثّله الرئيس الجديد، و«جناحاً محافظاً» من الذين كانوا في العهد السابق. وأَذكر بأنّي عندما رددت عليه، في مقال تمّ نشره في «النهار» في يوم 10 أيار/ مايو 2002 بعنوان «أزمة المعارضة السورية»، قام ميشال بقطع العلاقة الشخصية معي. في المؤتمر التداولي الذي عقده الحزب، في شهر آذار/ مارس 2001، كرّر ميشال طرح مقالاته الأربع، وهو ما أيّده فيه الكثيرون في المؤتمر، وبعض قيادات أحزاب التجمّع الذين كانوا ضيوفاً في المؤتمر. كما طرح ميشال مقولة جديدة بأن «الحزب هو برنامجه السياسي، وأن الحزب يكتسب هويّته من برنامجه السياسي ولا يكتسبها من المنهج المعرفي التحليلي الذي يقوم بتوليد البرنامج السياسي»، في متابعة لطرح وثيقة نيسان/ أبريل 1998، التي دعت إلى توحيد أحزاب خمسة مختلفة أيديولوجياً في حركة سياسية واحدة. كان كلام ميشال إرهاصاً مبكراً لتنظير اتّبعه التاركون السوريون للشيوعية والماركسية، عندما ردّدوا مقولته تلك وأرفقوها مع مقولة «موت الأيديولوجيات».
في فترة 2000 – 2001، كان ميشال رئيسياً في «لجان إحياء المجتمع المدني»، وكان الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) يدعم تلك الحركة للمثقّفين الذين كان الكثيرون منهم على صلات بالحزب وأوّلهم ميشال. وأَذكر عندما صرّح ميشال بأن «بيان الألف» حصد تواقيع تتجاوز الألف، وتحدّاه في ذلك إعلامي وكاتب موالٍ للسلطة بأن يكون لديه أكثر من مئة توقيع، كيف استنجد ميشال بالحزب الذي قام بتأمين أكثر من ألف توقيع بُعثت له عبر شركة «القدموس» من اللاذقية وحلب، بعدما كان ميشال لا يملك آنذاك، بالفعل، كما أقرّ لبعض قيادات الحزب، أكثر من عشرات التوقيعات.
كانت لميشال حركات قفز من هنا وهناك، مثل قفزته من طرح «الجناح الإصلاحي والجناح المحافظ»، إلى المراهنة على الخارج لإحداث تغيير داخلي، عندما صرّح، قبل أسبوع من غزو الأميركيين للعراق، بالتالي: «نعم لشكل التدخّل الدولي الذي قد يخلّص الشعب العراقي من رجل دمّر الدولة والمجتمع، نعم لمعايير ديموقراطية تضعها الأمم المتحدة وتفرضها على كلّ البلدان بلا استثناء» (مقابلة مع منى نعيم في جريدة «اللوموند». النص مترجم في جريدة «النور» التي يصدرها الحزب الشيوعي السوري الموحّد، في عدد 12 آذار/ مارس 2003 بعنوان «مأزق المثقفين السوريين»). في تلك الفترة، كانت إقامة ميشال في الطائرات والفنادق أكثر من بيته في دمشق، وفعلاً هو أوّل مَن طرح فكرة «إعلان دمشق»، بعدما التقى المراقب العام لـ«جماعة الإخوان المسلمين» في المغرب، في الشهر الخامس من عام 2005، وفي ظرف كان الضغط الأميركي فيه على السلطة السورية في أقصاه. ولكن أبو هشام لم يقتنع بفكرة «الإعلان»، إلّا بعد لقائه البيانوني في لندن، في تموز/ يوليو 2005، وكانت الفكرة إيجاد جسم سياسي معارض كبير يلاقي التغيير السوري المتوقع تحت الضغط الأميركي، كما جرى في بغداد ما بعد 9 نيسان/ أبريل 2003، وبيروت ما بعد 26 نيسان/ أبريل 2005. وفي «إعلان بيروت دمشق» (المنشور في «السفير» و«النهار»، في يوم 12 أيار/ مايو 2006)، ثمّة تشابه مدهش في النص مع نصّ قرار مجلس الأمن رقم 1680، الصادر بعد خمسة أيام، والذي أعدّه المندوب الأميركي جون بولتون، وكان ميشال هو العرّاب السوري للإعلان الذي كتبه الوزير مروان حمادة في مكتبه في جريدة «النهار»، وتمّ حمله «ديليفري» للتوقيع في دمشق.
في أثناء الانفجار السوري ما بعد 18 آذار/ مارس 2011، كان ميشال معتدلاً في البداية، وقد شارك في مؤتمر فندق «السمير آميس» الذي شارك فيه مثقّفون معارضون، وكان مرضيّاً عنه من السلطة. كما شارك في مؤتمر حلبون الذي عقدته «هيئة التنسيق»، في 17 أيلول/ سبتمبر 2011، وقدّمت فيه حلّاً تسووياً للأزمة السورية. عندما خرج من مطار دمشق في الشهر التالي، بدأ التطرّف عند ميشال يرتفع تدريجياً، حتى وصل إلى أقصاه عندما دخل في أيار/ مايو 2013 إلى «الائتلاف» ضمن عملية توسعة ذلك الجسم المعارض، والتي سعت إليها السعودية لتحجيم نفوذ الإسلاميين وقطر وتركيا. كان «الائتلاف» وقتها المظلّة السياسية للعسكرة، ويسعى إلى جلب التدخّل العسكري الخارجي، ولم تكن تفصل سوى أشهر عن تصريحات أطلقها معاذ الخطيب وجورج صبرة عن «جبهة النصرة كجزء من الثورة». خرج ميشال خائباً من تجربة «الائتلاف»، وفي سنواته الأخيرة تُلمس في مقالاته وتصريحاته خيبة منَ اصطدمٍ بحائطٍ كبير، ولكنّه لم يستفِد من ذلك ليقوم بمراجعة حقيقية لتجربة 2011 – 2021، وهو مثله مثل كثيرين من المعارضين عندما يقولون إنهم يقومون بمراجعة، ثمّ لا تلمس في نصوصهم أيّ مؤشر لها، بل كلاملالوجيا، كما كان يقول الياس مرقص (كان يلفظها كلاملالوجيا وكان يقول إنها تعني ما تعنيه
tautology
أي حشو ولغو).
يبقى في القلب والعقل الكثير من المودّة والحب والاختلاف مع ميشال كيلو، في مزيج يتنازع قلبي وعقلي. ولكن يظلّ ميشال كيلو يكثّف في شخصه مزايا المعارضة السورية وعيوبها، خلال الأربعين عاماً الماضية.
* كاتب سوري

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.