مهرجان بابل الدولي يعود مجددا رغم تحديات المتطرفين بمنع الغناء

الكاتب العراقي فؤاد الكنجي

فواد الكنجي

ونحن في (العراق) لم نعد نفاجئ بين حين وأخر سماع أصوات نشاز تنطلق من هنا وهناك تهذي وتهلوس بما تشاء وتأمر وتطلب من الآخرين تنفيذ أوامرهم دون نقاش ويمضون بعنجهية عمياء لافتراس كل شي وكل من يقف ويقول (لا)؛ ولا يواكب ميولهم الشيطانية وفسادهم وتطلعاتهم الصفراء .

فاثر إعلان انطلاق (مهرجان بابل الدولي) الذي يقام على مدرجات مدينة (بابل الأثرية)، حتى ثار أمر إقامة المهرجان – الذي انطلقت فعالياته لأول مرة عام 1987 ؛ وقد انقطعت فعالياته بنحو عشرين عاما بسبب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003 وما تلاه من تدهور الأوضاع الأمنية في عموم البلاد – اعتراضات من قبل بعض الأطراف التابعة لأحزاب السلطة الدينية المتنفذة والتي حاولت إثارة المشاكل في محافظة (بابل) التي يقام فيها المهرجان؛ بافتعال أزمة لا غاية منها سوى تأجيج الأوضاع، حيث طالبت هذه الجهات محافظ مدينة (بابل) بإلغاء (الفقرات الغنائية) من المهرجان بكون جهات دينية مسيسة طالبت بمنع هذه الظواهر والاحتفالات في المدينة؛ ليبادر محافظ بابل (حسن منديل) باستجابة لطلبات ومناشدات طلبة العلوم الدينية وشخصيات اجتماعية متطرفة، أصدر قرار مفاجئ نص على إلغاء الفعاليات الغنائية في (مهرجان بابل الدولي – فعاليات الدورة الخامسة عشرة) والذي أقيم يوم 28 تشرين الأول 2021 واستمر لخمسة أيام؛ استجابة لضغوط من جهات دينية؛ دون إن يعي بان توجهاته هذه هي نمط من توجهات العصور المظلمة، ففي وقت الذي يقام (مهرجان بابل) تحت شعار(من بابل الحضارة نصنع الحياة) لنجد كيف يتقاطع هذا الشعار قرار (محافظ بابل) نصا وروحا؛ بكونه قرار يصنع الموت، ليثير حوله جدلا واسعا في الأوساط (الشعبية العراقية) التي اعترضت مثل هكذا توجهات بكون هذه المجاميع والجهات الدينية المتطرفة لا يتعلق أمر دعوتهم بقضايا الدين، وإنما جاءت دعوتهم المغرضة هذه نتيجة قلق من (الانفتاح العراقي) الحاصل تجاه (المجتمعات العربية) والتعاون المشترك والزيارات المتبادلة من قبل مسئولين في دول الجوار، وهو ما يعارض مشروعهم الطائفي الرامي إلى عزل (العراق) عن (المجتمع العربي) و(الدولي)، لان حقيقة الأمر بان (المجتمع العراقي) الأصيل لا يعترض على إقامة مثل هكذا مهرجانات وفعاليات فنية وثقافية بقدر ما يتفاعل معها بايجابية؛ ولكن لا نستبعد من إن نلتمس بين حين وأخر بان بعض الشخصيات المتطرفة الغير المعروفة أصلا في (العراق)؛ تبدي اعتراضها على هكذا فعاليات ومهرجانات والأنشطة الفنية من (الغناء) و(الرقص) وفعاليات (السينما) و(المسرح)؛ وذلك لمنع عودة (العراق) إلى مكانته الطبيعية في إقامة مهرجانات فنية تليق حضارته العريقة (حضارة وادي الرافدين) .

لتكون وقفة هؤلاء المتطرفين إزاء (مهرجان بابل الدولي) أو بالأحرى لفرحة (العراقيين)، حجم مأساة (الشعب العراقي) الذي يعيش تحت سطوة الجهات الدينية الطائفية المتطرفة أصحاب السلطة والقرار السياسي في (العراق) ما بعد 2003 ، لينقل لنا هذا المشهد سعة غيمة الظلام التي تفرش في سماء البلاد؛ لتمنع عنه أي وميض نور وشعاع شمس ينور (العراق) بالعلم والمعرفة والفن والثقافة والفكر والوعي والازدهار؛ لينفتح الشعب نحو ثقافات الشعوب العالمية بوعي وإدراك يأخذ منها ويعطي لها؛ يتأثر ويؤثر بشفافية من جل تطوير المجتمع ولرقيه، لنتيقن بمدى وعورة طريق الشعب في هذه المرحلة التي يهيمن عليها قرارات المتطرفين من رجال الدين وأحزاب السلطة ذات توجهات دينية متطرفة؛ وان اجتيازه هذا الدرب – لا محال – سيكلف (الشعب العراقي) الكثير – الكثير، ومع كل هذه التحديات فان (الشعب العراقي) قادر بقوة إيمانه وصبره ونضاله وكفاحه من اجتياز هذه المرحلة المظلمة من تاريخ (العراق) مهما كان الثمن .

إننا حقا متأسفون بوجود مثل هكذا إطراف داخل المجمع (العراقي) وهي تفكر بهذه العقلية المتخلفة، فعن أي مسيرة يسعون توجيه (العراق) ونحن نعيش في عالم تكنولوجيا والانترنيت؛ عالم مفتوح النوافذ على كل الجهات ولم يعد أي شيء مغلق؛ وان ما يمارسه هؤلاء المتطرفين من سياسات وقرارات خلف الأبواب المغلقة لم يعد لها سلطة أمام إرادة الشعب؛ فمثل هكذا سياسات لا نجد فرق عنها بما كان التنظيم الإرهابي (داعش) يمارسه في (العراق) إبان احتلاله لثلاثة محافظات تحت مسمى (الدولة الاسلامية)، لأن العقلية هي ذاتها التي تقف وراء أفعال التحريم والتجريم والتي للأسف ما زالت تسعى المضي في هذا الدرب؛ درب الظلام بما تملكه من قدسية السلطة تفرضها لإتباعهم لتتشكل منها نمطية لحياة بلون (أسود)؛ منزوين في أقبية التخلف والرجعية والماضي المظلم ليشعرون بالرعب والخوف من الغناء والموسيقى متحججين كذبا ونفاقا بكونهم (حماة الدين)؛ بينما لا يثيرون ضد مظاهر الظلم والفساد التي تصعق (الشعب العراقي) يوميا بما يكابدونه من نقص الخدمات وارتفاع الأسعار والبطالة والاستغلال وفساد المستغلين من أصحاب السلطة الدينية وساستهم المتطرفين؛ وبما فعلوه بالمتظاهرين من استهداف منظم بما زاد عن ثلاثة ألاف متظاهر سلمي بين شهيد وجري ومعاق ومختطف لم يعرف مصيرهم لحد الآن؛ خرجوا إلى الشوارع مطالبين بتوفير خدمات مجتمعية ليس إلا، لنرى هذه الجهات التي هي ذاتها اليوم تمنع إقامة مهرجانات فيه عروض (رقص) و(غناء)؛ بينما التزموا الصمت إزاء جرائم التي استهدفت المتظاهرين السلميين………!

أليس من الأجدر والأولى بهؤلاء المتطرفين تجريم وتحريم قتل الأبرياء………….؟

بل ونراهم يتجاوزن حدود القانون والعرف المجتمعي بتماديهم ورفع سلاح بوجه الدولة، كما اليوم نراهم يتمادون بتجريم ومنع إقامة مهرجانات الغناء لرفاهية الشعب وإسعاده ………….!

ومع ذلك فان إرادة (الشعب العراقي) وإدراكه لحقيقة ما يجول في مخيلة هؤلاء المتطرفين من رجال الدين التابعين لسلطات حزبية مسيسة بالتطرف حاولوا منع إقامة (مهرجان بابل الدولي)؛ إلا أن إرادة الشعب انتصرت على رجال الدين المتطرفين وسلطتهم؛ وذلك بالإقبال والحضور منقطع النظير لمشاهدة فعاليات والعروض الفنية في (مهرجان بابل الدولي) والمشاركة فيه بكل حماس وفعالية والذي جاء تحديا لرجال الدين المتطرفين الذين حاول منع إقامته والغناء فيه؛ ليعتبر ما قامت وما فعلته (الجماهير العراقية) أشبه بانتفاضة شعبية ضد رجال الدين المتطرفين بما اعتبره كل الشرفاء من (الشعب العراقي) ومن الناشطين وصحافيين وفنانين عراقيين بإقامة المهرجان باعتباره يمثل انتصارا للشعب وبداية لعودة الحياة الثقافية للبلد الذي مزقته الحروب منذ عدة عقود .

يذكر إن انطلاقة (مهرجان بابل الدولي) انطلق لأول مرة سنة 1987، وتوقفت أنشطته عدة أعوام بعد (الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003 ) – كما قلنا سابقا – ثم عاود نشاطه قبل سنتين، لكنه توقف مرة أخرى لأسباب أمنية قبل أن يعود هذا العام، ويشير جدول الفعاليات الفنية إلى مشاركة العديد من الفنانين والمطربين العراقيين والعرب؛ كما يشارك في هذا المهرجان فرق فنية مختلفة (عربية) و(عراقية) و(أجنبية)؛ وفي مقدمتهم الفنان (هاني شاكر) و(حاتم العراقي) و(حسام الرسام) و(رحمة رياض أحمد) و(نوال الزغبي) و(شمس الكويتيه) وآخرون، كما تضمن المهرجان الذي استمر لخمسة أيام؛ عروض أزياء وفعاليات ثقافية وأدبية متنوعة ما بين إلقاء القصائد وحضور شعراء الشعر الشعبي وندوات ومحاضرات ثقافية، وبحضور العديد من الفرق الغنائية من جميع دول العالم و بألوان متنوعة كالأغاني التراثية أو الشعبية أو الأوبرا والدبكات من فلكلور (العربي) و(الكردي) و(التركماني) و(الأشوري)؛ كما شاركت فرق موسيقية محلية ومنها (الخشابة البصرية) وفرقة (الرمادي للجوبي)؛ كما عرضت الفرقة الشعبية (التركية) والفرقة (الروسية) والفرقة (الهندية) حفلات خلال أيام (مهرجان بابل الدولي)، إلى جانب مشاركة فرقة (الفلامنكو الإسبانية)؛ كما تخلل المهرجان عرض الأزياء تراثية من وحي التراث (البابلية – الأشورية)، بالإضافة إلى فعاليات طيران شراعي ومناطيد وبمشاركة العديد من الدول العربية والأجنبية أبرزها (روسيا) و(إيطاليا) و(إسبانيا) و(هولندا) و(مصر) و(سوريا) و(لبنان) و(الكويت)، ويشارك بالمهرجان هذا العام أكثر من خمسين دولة عربية وعالمية، وسط حضور جماهير كبير فاق ما كان متوقع؛ وبما زاد عن حدود الطاقة الاستيعابية، وقد تجاوب (الجمهور العراقي) مع برامج المهرجان ورغبتهم في الحضور ومشاهدة فعالياته عبر الشركات السياحية التي أخذت تعلن سفراتها لنقل الجمهور من (بغداد) والمحافظات إلى مدينة (بابل)، والاستمتاع بأجواء المهرجان ومشاهدة نجوم (الغناء العربي) المشاركين فيه عن كثب؛ وقد جاء هذا الحضور كأفضل رد على من حاول إن يفرض رأيه وإرادته على رغبة الناس في (الغناء) والمشاركة في المهرجان بعد إن تمادت جهات دينية متطرفة على وجود (فقرات غنائية) ضمن فعاليات (مهرجان بابل الدولي) والتي هددت بإقامة اعتصامات في حال المضي قدما بعرض (الفقرات الغنائية) وهددت هذه الجهات المتطرفة بتنظيم اعتصام أمام مكان إقامة المهرجان؛ وفعلا أقام العشرات من المحتجين عشية إقامة المهرجان صلاة أمام آثار مدينة (بابل الأثرية) احتجاجا على وجود (الفقرات الغنائية)؛ ولكن لم يبالي احد بهم فتفرقوا متخاذلين بإرادة الشعب المشارك في عروض المهرجان؛ وما شجع هؤلاء المتطرفين هو قرار المحافظة بمنع إقامة (الفقرات الغنائية) في المهرجان، إذ أظهرت وثيقة متداولة موجهة إلى إدارة المهرجان تتضمن أوامر بإلغاء (الفعاليات الغنائية) ونتيجة لهذا اللغط أصدرت وزارة (الثقافة والسياحة والآثار العراقية) بيان أكدت فيه إن (مهرجان بابل الدولي) سيقام في موعده وحسب ما خططت له من فعاليات ونشاطات فنية بعد أن حسم الجدل إزاء إقامة فعاليات المهرجانات الفنية من عدمها رئيس الوزراء (مصطفى الكاظمي) والذي تعهد برعاية المهرجان وتأمين الحماية اللازمة والمشددة له ولضيوفه؛ وتنفيذ كل فعالياته المدرجة ضمن برنامج (مهرجان بابل الدولي) الأمر الذي دعا مدير مهرجان بابل (أحمد الربيعي) التعليق على هذا الأمر موضحا لرأي العام بقوله ((…لقد صدرت تهديدات من قبل عدة جهات اجتماعية وطلبة العلوم الدينية وصلت للمحافظ بقطع الطرق نحو مكان المدينة الأثرية وموقع المهرجان إذا أجريت الفعاليات الغنائية، وان المحافظ أصدر توجيهه كإخلاء للمسؤولية وإجراء روتيني استجابة لطلب شريحة معينة، مؤكدا أن الجهات الراعية والأممية والدولية المسئولة عن المهرجان رفضت ذلك رفضا قاطعا واعتبرت أن لا سلطة للحكومة المحلية على المهرجان وهو يجري ضمن مكان مدرج دوليا على لائحة التراث ولا يمكن لأي جهة التصرف بمثل هكذا تصرفات تمس سمعة المدينة الأثرية والقرار الدولي بإدراجها على اللائحة العالمية…)) .

ومع كل الإشكاليات التي حدث قبيل بداية المهرجان إلا أن (مهرجان بابل الدولي) في هذه الدورة وبدعم من (الجماهير العراقية) التي حضرت إلى المهرجان نجح في تقديم رسالته الإنسانية والثقافية ليؤكد بان (العراق) باق وسيبقى مركزا ثقافيا وفنيا وحضاريا حاضرا بقوة على الساحة (العراقية) و(العربية) و(الدولية) ومع كل مواسم الثقافية والإبداع .

فقد استهل (مهرجان بابل الدولي) بفعالية أوبريت (مزايا الشمس) لنخبة من نجوم (الفن العراقي) أبرزهم (كاظم القريشي) و(سامي قفطان) و(آسيا كمال) و(إيناس طالب)، وعند بداية الأوبريت أطلق مقدميها تحية إلى (مدينة بابل) التاريخ والحضارة كتعبير عن مدى تقدم (بابل) وحضارتها العريقة؛ ثم قدمت الفرقة الشعبية (الهندية) عروضها وسط ترحيب الجمهور، وفي فقرة (الغناء الانفرادي) صدح صوت المطرب المصري (هاني شاكر) بمجموعة من أجمل أغانية؛ كما قدمت الفنانة (شمس الكويتية) فعالياتها لتخلق جوا شاعريا مع (جمهورها العراقي) الذي تفاعل معها كثيرا، وحين جاء دور الفنان العراقي (حاتم العراقي) اهتزت أرضية المسرح من شدة التصفيق والاحتفاء بالفنان (العراقي) الكبير (حاتم العراقي) .

أما في اليوم الثاني فتضمن المهرجان تقديم عروضه على مسرح (العرش) قدمتها فرقة نقابة (فناني بابل)، في حين احتضن المسرح (البابلي) عروض الفرق الشعبية (الكردية) و(الفلسطينية) و(السورية) و(الروسية)، ثم قدم كل من المطرب (ماهر أحمد) و(صلاح حسن) و(نوال الزغبي) وصلاتهم الغنائية.

أما في اليوم الثالث فقد شهد المهرجان فعاليات على مسرح (العرش) لفرقة (صربية) والمطربة (سوزان)، إضافة إلى فعاليات فرقة (الجوبي) من مدينة (الرمادي) وفرقة الفنون الشعبية (المصرية) وحفلات غنائية للمطربين (بسام مهدي) و(هالة القصير) و(رحمة رياض) .

أما اليوم الرابع فشاركت فرقة (المقام العراقي) وفرقة (الأقليات للفنون الشعبية) على مسرح (العرش)، في حين قدمت على المسرح (البابلي) عروض (الخشابة البصرية) وفرقة الفنون (اللبنانية) و(التركية)، بالإضافة إلى (المطربة العراقية) القديرة ذات الصوت الدافئ (أمل خضير) والمطرب الكبير (حميد منصور) و(صلاح البحر) و(أحمد شيبا) و(ستار سعد) الذي غنى أغنيته الوطنية الرائعة (بين الجسر والساحة) ونظرا لتفاعل الجمهور مع الأغنية ولروعة كلماتها ولإحساس المطرب لم يستطع الفنان السيطرة على مشاعره فانهمر باكيا ليبكي معه الكثير من الحاضرين في المسرح .

وكان مسك الختام ليوم الاثنين تقديم عروض راقية وبلوحات فنية في غاية الجمال والروعة قدمتها (الفرقة الوطنية الشعبية العراقية) وفرقة (الفنون الأرمينية)، إضافة إلى المطربين (حسام الرسام) الذي هو الأخر بكى على المسرح للاستقبال الكبير الذي استقبله الجمهور وبعدة غنت الفنانة (فيفيان مراد اللبنانية) والمطربة العراقية المغربية (شذى حسون) .

ومن خلال هذا المشهد الثقافي في (مهرجان بابل الدولي – فعاليات الدورة الخامسة عشرة) الذي قدم صورة رائعة من التنظيم وحسن الإدارة وحضور الجمهور وبما تركته فعاليات المهرجان من بسمة وفرح في وجوه وقلوب الحاضرين وفي قلوب كل (العراقيين) الذين تابعوا (مهرجان بابل الدولي) عبر شاشات التلفزة بشغف ولهفة؛ ليكون هذا المهرجان حقا مهرجان الفرح والبسمة استطاع إن يرسم البسمة والضحك على وجوه (العراقيين) بعد أعوام من مأساة ذاقه الشعب حيث العويل والبكاء نتيجة الحروب والدمار الذي شهده الوطن لعدة عقود؛ فشكرا لكل الذين سعوا لإقامة هذا المهرجان وفي هذه الظروف لإسعاد (العرقيين) بعد عقود من أحزان ومأساة، ومن هذه الحقيقة نقول بان رسالته المهرجان حقا جاءت كأكبر تحد لأفكار المتطرفين ومن انحرافاتهم الفكرية الموجهة ضد (الدين) و(أخلاقيات المجتمع)، لان لا (الدين) ولا (المجتمع العراقي) يقف ضد الإبداع أين كان شكله ونوعه طالما يلتزم بضوابط الإبداع وأخلاق (الفن) وبما يعزز من أهمية الإبداع في دعم المؤسسة الثقافية وترعى ثقافة الفكر .

ورغم كل أجواء العاصفة التي سبقت (مهرجان بابل الدولي) بالمطالبة إلى إلغاء (الغناء) وما تسبب من شروخ نفسية ومجتمعية عميقة؛ ولكن المسؤولية الوطنية العليا ومن أفق محاربة الفتنة ووأدها ولكي لا تفعل العصبية والتطرف فعلتها؛ سعى المسئولين عن المهرجان بوعي وحنكة إلى نزع فتيل الفتنة والتأكيد على الايجابيات المهرجان وضرورة فهم السياق الثقافي والتاريخي الذي ينطلق منه (مهرجان بابل الدولي) ليعيش الفرد في مجتمعه بأمن وأمان ولا يسمع إلى شعارات غوغائية وخطب عصماء نارية ويُحمَّل الفرد العادي تبعات ومعاناة الثقافة وانتكاساتها وبذلك تظهر دور الثقافة بصورتها الباهتة بعيدا عن الواقع المعاش .

بكون حقيقة المهرجان (مهرجان بابل الولي) هو تقديم حدث فني ليؤصل الانتماء إلى المشترك والمشاهد؛ ليكون فيما بينهم شكلا جديدا من الألفة والجماعة؛ ومثل هكذا مشاعر تساهم في تدعيم مشاعر المواطنة وفي خلق المواطنة بين الناس؛ لان (الفن) بكل عروضه يخرج الفرد من سلبيته وأنانيته ونرجسيته وانغلاقه على ذاته إلى نوعٍ من الذاتية الفاعلة ضمن أيطار المجتمع الذي يحتضنه؛ لان المهرجان يقدم رسالة (الفن) إلى مواطنه بما يحمله من قيم الحرية والعيش المشترك وقيم المحبة والتسامح والمشاركة والانفتاح على الآخر وقبول الاختلاف، لان عروض المهرجان الفنية ليست عروض مجردة أو منتجات للبيع أو للاستهلاك، أنها عروض موضوعية تحمل رسائل مواطنيه وتشارك في (بناء المجتمع المدني) الذي يساهم (الفن) في بنائه؛ بخلق مشاعر مشتركة بين إفراد المجتمع من اجل انتصار الحياة ضد ثقافة الموت التي أرادها الجماعات المتطرفة بمنعهم (الغناء) في المهرجان وهي رسالة في متنها إرهابية بامتياز؛ لأنها رسالة تريد قتل الحياة وإطفاء النور من سماء الوطن (العراق) .

فـ(الفن) لم يعد للمتعة أو للفرجة أو للتذوق فحسب، (الفن) أصبح له رسالة ثورية تحتج على الأفكار الظلامية والهيمنة على المجتمع؛ لتحول كل شيء إلى آلة خاضعة لأفكارهم المتطرفين من الجهات دينية متشيطنه، لان في رسالة المهرجان؛ (فن) صادق يقول إنه بوسعنا تغيير العالم على نحو أفضل على الدوام، و(الفن) يعيد للإنسان قدرته على الإبداع بكل ما هو يسعى إلى الخير والأخلاق والفضيلة؛ بكونه يرفض كل أشكال الوصاية على تاريخهم .

فـ(مهرجان بابل الدولي) انطلق ليساهم الفرد مع الآخرين في جعل مجتمعه منارا للحرية والديمقراطية وواحة للتعايش السلمي والإنساني والتآخي والمحبة بكل مسميات المجتمع الإثنية والعرقية والدينية والقومية؛ ليكون خير رسالة وشعلة للاندماج الحضاري والثقافي مع العالم اجمع؛ وعبر الانفتاح على كل ثقافات البلدان المتقدمة في العالم، نعم إن (مهرجان بابل الدولي) استقطب برحاب الصدر (الفرد العراقي) و كل فنان وأديب ليكونوا صدى لوطنهم وخير سفير له، من خلال تقديم منجز أعمال فنية وأدبية وشعر وغناء ورقص ومسرح؛ ومن وعي و رؤيته الإنسانية لمجمل إحداث الوطن والعالم؛ ليعبر الفنان والأديب عن مشاعره و تجاربه وجلاء نظرته الموضوعية إلى الحياة؛ فيبقى الوطن الجميل بمجتمعية المحب للحياة والخير والحب ولوعة ذكرياته التي كانت المصدر الأساسي في معظم الإعمال الفنية والأدبية التي قدمت في (مهرجان بابل الدولي) رغم انقطاع الزمن عنه لعشرين عام بسبب احتلال الأمريكان للعراق في 2003 .

نعم إن انطلاقة (مهرجان بابل الدولي) في هذا العام جاء لتعبير عن الثقافة بمدلول واسع لتشمل جميع نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والدينية والعلمية والسياسية والأخلاقية والتربوية والجمالية والفنية واللغوية؛ ليعبر المهرجان هذا بصدق عن الثقافة الحقيقية بممارسة واعية هادفة وبأسلوب قويم وبسعة الصدر وانفتاح وعمق التفكير وثراء التجربة وبالمحيط المعرفي يتناسب ومدارك الإنسان البسيط واحترام معتقداته في حمله على التزود بالمعرفة والأخلاق الفاضلة والتمسك بالأصالة والاستقامة في الطرح العروض من لدن المبدعين والفنانين والأدباء والشعراء بعيدا عن الخلافات الدينية والسياسية؛ ومن اجل توجيه الناس حول الثقافات الأخرى المهملة من حياتهم من الأدب والشعر والمسرح والفنون لتدعيم لأسس الثقافة مع الذات ومع التواصل الحضاري والانفتاح على الآخر في ضوء ما قدمه المبدعين والمشاركين في عروض (مهرجان بابل الدولي) في دعم مستوى الحياة الثقافية في (العراق)؛ ليكون (العراق) دوما مركزا للثقافة والحضارة والتاريخ في عموم منطقتنا والعالم .

About فواد الكنجي

ولد في عام 1957 في مدينة كركوك بالعراق,و حصل على شهادة البكالوريوس في الفلسفة الحديثة من جامعة بغداد عام 1983. إضافة إلى الفن التشكيلي اصدر عديد من المؤلفات بداية من ديوان الشعر بعنوان ( ضوء على مياه الثلج) عام 1983 في بغداد, ثم ديوان الشعر بعنوان ( مراثي الجسد ) عام 1984 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( البكاء الأخير ) قصيد ولوحات عام 1985 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان( سحب الذاكرة ) قصيد مرسومة عام 1987 في بغداد , و ديوان الشعر بعنوان ( أحزان قلبي ) في بغداد عام 1992 , و ثم اصدر ديوان الشعر ( حرائق الحب ) في جزئيين الأول تحت عنوان ( رسالة ساخنة إلى الخائنة –م- واللامعقول في سيكولوجية الحب ) ..أما الثاني فقد أتى تحت عنوان ( قسوة الحرائق ) عام 1993 في بغداد , وكذلك اصدر ديوان الشعر بعنوان (رماد الأجساد) في بغداد عام 1993 , و ديوان الشعر بعنوان( صرخة المساء ) في بغداد عام 1995 , و له ديوان شعر بعنوان ( لحظات الحب ) صدر بمقاطع قصيرة على عمود الصفحة الأخيرة في جريدة نركال وعلى مدى ثمانية أعوام ، اما في مجال الدراسات فقد ألف كتاب بعنوان ( دراسة جمالية في التربية المعاصرة ) طبع ولم يصدر , و كتاب بعنوان ( قاموس الأحلام ) موسوعة لتفسير رموز الأحلام لم يطبع , و كتاب بعنوان (الفن والأسس الجمالية) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( نعم احبك) لم يطبع , و كتاب بعنوان ( جان دمو الإنسان ) دراسة لحياة الشاعر.. نشر بأجزاء في جريدة نركال. اما في مجال الأعلام والصحافة فقد أسس جريدة نركال و ترأس تحريرها ، حيث كانت تصدر في مدينة كركوك- العراق منذ عام 2003 , حيث صدر العدد الأول في 8-10-2003 ولغاية اذار عام 2011 حيث غادر العراق مهاجرا إلى كندا لظروف سياسية.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.