من ملفات مفرزة الأمن في مطار دمشق الدولي

ما أن حطّت الطائرة القادمة من سيدني عبر سنغافورة وعمان في مطار دمشق الدولي في عام ١٩٩٤ حتى وجدت نفسي جنب باب الخروج منها . فبالرغم من أنه لم يمضِ علي أكثر من عام واحد فقط على قبولي طلبا بالهجرة إلى استراليا حتى وجدت نفسي بحاجة إلى أن أعود لرؤية والداي وإخوتي وأصدقائي ، فأنا كنت أول من فكر بالهجرة بين إخوتي السبعة فرغم محاولات والدتي بالعزوف عن السفر إلا أنني كنت مصراً فلم اكن أرى مستقبلا واضحا لي هناك ، فرغم محاولاتي المتكررة بأن أجد عملا يليق بي إلا أنني كنت أمنى بالإخفاق في كل مرة . فعملت فلاحا في قطعة الأرض التي وهبني إياها والدي ريثما أجد عملاً كمدرس لغة إنكليزية وعملت في حقول النفط في مدينة دير الزور وكانت كل هذه الأعمال وقتية . لكي يتم تعيني في مديرية التربية كان علي أن أدفع مبلغ 50.000 ليرة سورية” لأحد الواصليين” وكنت لا أملك خمس ليرات في ذلك الوقت.
قبلت موضوع الهجرة وكنت أمل أن أجد في بلدي الجديد مايرضي طموحي فتزوجت ودخلت الجامعة لدراسة الترجمة، وكنت قد حجزت بطاقة طائرة في نفس اليوم الذي أنهيت فيه أخر أمتحان في كلية الاداب بجامعة
western Sydney .
أوصلتني زوجتي إلى المطار وودعتني على أمل أن تلحق بي بعد حوالي ثلاثة أسابيع حيث تكون قد أنتهت من مهنتها كمدرسة في إحدى المدارس الثانوية .
تلقفني أحد رجال الأمن بزي مدني حالما دخلت بهو المطار في دمشق وكان يخاطبني بالعامية .
(أهلين فيك أهلين فيك ، وين هالغيبة).
أحسست من طبيعة سؤاله أنه يعرفني لكنني لم أعرفه ، حاولت أن أعود بذاكرتي إلى الوراء فربما كان زميل دراسة أو كان زميلي في الخدمة الإلزامية .
قلت لنفسي لا هذا مستحيل فهو يبدو في العشرينات من عمره وأنا في عقدي الثالث من العمر . في النهاية وعندما عجزت من التعرف عليه قلت لنفسي لا يهمني من يكون ولكن هذا ما أفتقده ( العلاقات الإجتماعية ) ففي بلادِ الإغتراب جاري لايلقي تحية الصباح ، فشعرت بالفخر في تلك العلاقات ، لكن ذلك الشعوربالإعتزاز لم يدم اكثر من دقيقة واحدة فقط عندما سألني على أوراقي وقال: ( عطيني جوازك أنا بمرقك )
ناولته جواز سفري السوري وشكرته على كرمه وقلت في نفسي على الأقل لن يفتشوا حقائبي وسأخرج بسرعة لملاقاة نصف عشيرتي الذين كانوا ينتظرونني في المطار . وفجأة تغير كل شيء. قال لي بكلِّ جلافة هذه الأوراق تكلفك 100$
قلت له لماذا ؟؟ أجابني بكل وقاحة” هيك التسعيرة”
طلبت أوراقي منه وقلت ولا يهمك مافي داعي للمساعدة شكرا لك .


أصر على طلبه وقال طيب أعطني 50$ رفضت طلبه ثانيةً. في النهاية قال طيب أعطني أي شيء. أشفقت عليه وأعطيته ورقة نقدية من فئة العشرين دولار وأخذت أوراقي منه.
تقدمت من حاجز التفتيش وناولت أحدهم جواز سفري السوري إذ لم اكن احمل جواز سفر استرالي فسألني من أين قادم قلت استراليا.
طيب اعطني الهوية الشخصية .
حاولت أن أبحث عن الهوية الشخصية لكن دون جدوى . فربما نسيتها في سيدني . قلت له أسف لم أحضرها معي .
عندها جن جنونه وقال طيب ( طيب كيف بدي أعرف أنك صاحب جواز السفر )
صعقني جوابه وقلت ألا تعتقد أن جواز السفر هو وثيقة رسمية وهو كاف للتعريف على شخصيتي . قال بكل وقاحة ( والله أنا أول مرة بأسمع بهيك أسم) فربما أسمك ليس جول فربما أنت جورج الذي زور جواز سفر وهرب به.
حينها شعرت بالإشمئزاز فقلت له ألم تسمع بأسم جول جمال ؟؟ فكيفَ يبدو إسمي غريبا فقال لا . عندها نقمت على أهلي حين أطلقوا علي إسم جول تيمناً بإسم جول جمال . لماذا لم يسمونني علي أو حسين أو عباس تيمنا بعباس إبن فرناس ؟؟ لماذا جول؟
لم أعد أدري ماهو مصيري فهناك تهمة جاهزة بتزوير جواز سفر ومصيري معروف . يا إلهي على هذه الحالة التي وصلت إليها.
كنت متأكداً أن البطاقة الشخصية قد وضعتها زوجتي في حقيبة اليد فهي التي وضبت حقائبي لكنني لم أجدها لإنني حاولت ان أنزل على ركبتي لأفتش الحقيبة الملقاة على الأرض إلا لأسمع صوته
( ياحقير وقف على رجليك يا حمار )
وناولني أول كفٍ على وجهي.
وقفت وأنا لا أصدق ما حدث وقلت له لماذا تتصرف بهذه الطريقة الحيوانية ؟؟
بدء بالصراخ وأجتمع أكثر من ثلاثة أشخاص حولي ومن بينهم كانت زميلة له واستفسرت عن الموضوع
في هذه الأثناء كنت أنا الوحيد المتبقي من ركاب الطائرة . خرج الجميع بدوني وكنت أخاف أن عشيرتي التي تنتظرني في الخارج تمل من الإنتظار ويعودا أدراجهم بدوني.
تقدمت من تلك السيدة وقلت لها أرجوك يا أنسة هل لديك أم ؟؟ قالت وما هاذا السؤال ؟؟ قلت لها أمي تنتظرني في الخارج ولا تعرف إن كنت قد وصلت أو لا أرجوك سأترك حقائبي عندك ريثما أخرج لرؤية أهلي وسأعود .
احسست أنها أشفقت علي فقالت طيب روح بس لا تطول.
خرجت لملاقاة أهلي ولم تكن ملاقاتي حسب ما توقع أهلي كانت الدموع في عيني ووجهي أحمر قانئ وليس بيدي أية حقيبة . أستغرب الجميع من منظري وتسألوا ماذا حدث ، أخبرت إخوتي بما حدث فقالوا ( مصيبة)
اقترحوا علي أن أعود وأحاول أن أعطيه بعض المال فربما كان بحاجة للرشوة . عدت إلى الداخل وكنت قد أقتنعت بما قالوه وحاولت أن أعطيه بعض المال لكن رفض ليس كرماً بل لإن الموضوع أصبح معروفاً ووبخني وقال ( كمان جاي ترشيني ). عندها احسست بأن مصيري أصبح واضحا وقلت في نفسي بعد قليل ستأتي عربة وتقلني إلى أحد السجون بتهمة تزوير جواز سفر . فلماذا أتيت هنا ، كان من الأفضل أن أبقى في سيدني.
بعدحوالي نصف ساعة سمعت صوتا ينادي باسمي فرفعت يدي وقلت انا ، أخبرته القصة كاملةً . قال لي من من هؤلاء ؟؟ أشرت إلى أحدهم .
طلب منه أن يعتذر مني وأصبح يناديني أستاذ جول بعد أن كان يناديني بالحيوان منذ قليل.
لست أدري ماحصل وكيف ومن أخبر ذلك الرجل عني كل ما أعرفه أنني خرجت سالما.
القصة حقيقية وليست من نسج الخيال

About جول حبيب مخول

جول مخول: شاعر و مترجم لغة انكليزية حاصل على أجازة بالأدب الانكليزي من جامعة البعث بحمص وإجازة بالترجمة من جامعة ويسترن سيدني يقيم في سيدني استراليا . متزوج وله ولدان
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.