من قتل أكثر، المسلمون أم المسيحيون؟


سناء العاجي/
المشهد الأول: يطرح النقاش حول جزء من التاريخ الإسلامي، الذي يرفض كثيرون نقاشه أو حتى الاعتراف به: قتل الخلفاء، الحروب التي نشبت بين المسلمين مباشرة بعد وفاة الرسول، الغزوات (تعودنا، في تاريخنا الرسمي، أن نسميها “فتوحات”، بينما هي في الحقيقة غزوات لمجتمعات أخرى تعرضت للقتل والسبي وسلب الأموال من طرف “الفاتحين الجدد”)، الصراعات حول السلطة بين مختلف الأطراف، اختلاق الأحاديث التي يتم نسبها للرسول، وغير ذلك.
المشهد الثاني: يرتفع الغضب وتشتد الشتائم المتهمة بالعداوة للإسلام، وذلك حتى حين يتعلق الأمر بتفاصيل تاريخية يتفق عليها الجميع. هل تحتاج أن تكون شيعيا مثلا لكي تعترف بأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان ماتا مقتولين، بل وتعرضت جثة عثمان لأبشع أنواع التنكيل، ولم يسمح لأهله بدفنه؟
نحتاج أن نتعلم الفصل بين الإيمان وبين الموضوعية
وهل تحتاج أن تكون عدوا للشيعة كي تعترف بأن علي بن طالب مات مقتولا بدوره؟ هل تحتاج أن تكون ماسونيا لكي تعترف بالصراع بين علي بن أبي طالب وعائشة زوجة الرسول، بين الحسين ويزيد بن معاوية؟
هل تحتاج أن تكون عدوا للإسلام كي تعترف بحجم الحروب والضحايا والقتلى في الحرب بين يزيد بن معاوية وعبد الله بن الزبير وفي غيرها من الحروب؟ هل تحتاج أن تكون “ملحدا” كي تعترف بوجود أحاديث موضوعة كثيرة؟
بل أن مجرد الحديث عن “حديث صحيح” و”حديث ضعيف” يفترض أن يطرح أمامنا مليون سؤال حول الأحاديث التي تنسب للرسول والتي يقوم بشر آخرون، عشرات السنين بعد وفاته، بتحديد صحة بعضها وعدم صحة البعض الآخر منها.
مجرد وجود “أحاديث ضعيفة” هو دليل قاطع على ممارسة يفترض أن تزعجنا كثيرا: أن هناك من السلف من ألف أحاديثا ونسبها للرسول. نفس ذلك السلف الذي نعتبره مثاليا طاهرا مقدسا…
لكننا، بدل أن ننزعج من هذه الحقيقة التاريخية، ننزعج ممن يطرحها للنقاش.
المشهد الثالث: يخرج صوت متذاكي يذكرك بالحروب الصليبية وبالجرائم التي قام بها المسيحيون باسم الدين. وكأننا في منافسة حول من كانت له الحصة الأكبر في القتل والتشنيع.


المشهد ما قبل الأخير: يعترف صوت العقل: نعم! لقد قتل المسيحيون في حروبهم آلاف البشر. هذا صحيح… لكن هل يعفينا هذا من مساءلة تاريخنا الدموي، لمجرد أن الآخرين فعلوا نفس الشيء؟ هل التاريخ الإجرامي لـ “الآخر” يبرر تاريخنا الإجرامي؟ أم أننا نحتاج لأن نتحلى ببعض الموضوعية وبشيء من الشجاعة حتى نواجه السواد فينا؟
مجرد وجود “أحاديث ضعيفة” هو دليل قاطع على أن هناك من السلف من ألف أحاديثا ونسبها للرسول
المشهد الأخير (والذي لا نعرف متى سيحين أوانه): نحتاج جميعا أن نعترف بأن الفرق بيننا وبين مجتمعات أخرى، أن هذه الأخيرة، في معظمها، اعترفت بماضيها الأسود أو بجزء كبير منه… وقررت أن تبني المستقبل.
بالمقابل، مازلنا نعيش رهاب القبول بماضينا، بما فيه من إنجازات وإخفاقات. بما فيه من “إنسانية” التاريخ وعثراته وعنفه ومكائده.
نحتاج أن نتعلم الفصل بين الإيمان وبين الموضوعية. أن تكون مؤمنا فخورا بدينك، لا يعني أن من سبقوك، فقهاء كانوا أو رجالا ونساء من أوائل المسلمين وممن عايشوا الرسول، هم ملائكة منزهون. جميع هؤلاء ليسوا إلا بشرا كانت لهم أخطاؤهم ومصالحهم ومطامعهم السياسية أحيانا.
الاعتراف بجرائم الحرب والصراع حول السياسة والسلطة، لا يفترض أن يجعل منك مسلما أقل تدينا، اللهم إن كنت تريد أن تزيف تاريخك حتى يبدو لك عظيما كما تحلم به، وليس كما هو! اللهم إذا كنت تحتاج أن تكذب على نفسك حتى لا يهتز إيمانك!

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.