من خبايا نبع الفيجة

من خبايا نبع الفيجة

Waddah Chehadeh
من إيحاءات كتابي
من خبايا نبع الفيجة
تجول ببالي بعض الخواطر عن حدث عايشته شخصياً، وأودّ سرد قصّته لما فيها من غرابة وطرافة ومعلومات دون أن أتبحّر في دقائقها العلمية التي يمكن الحصول عليها من المراجع التخصصية. حيث سبق لي أن قمت مع بداية الثمانينيات بتقديم بعض الخدمات الهندسية لمؤسسة مياه عين الفيجة، وهي المؤسسة المسؤولة عن استغلال نبع المياه القائم في قرية الفيجة، والتي تقع على مسافة 22 كيلومتر غربي دمشق، لسقاية سكان مدينة دمشق وضواحيها. وقد أعجبت بدراية القائمين على المؤسسة وشغفهم بالعلم وتسخيرهم الغالي والرخيص في سبيل تطوير النبع والاستثمار الأمثل لمياهه.
من المعلوم أن نبع الفيجة يروي سكان دمشق منذ عهد الرومان مع بداية القرن الأول الميلادي. ويتراوح تدفّق النبع بين 30 متر مكعب بالثانية في موسم الذروة (وقت الزودة) والذي يمتد عدّة أشهر بعد منتصف شهر شباط (فبراير) من كل عام وليتدنى خلال بقية العام لما لا يقل عن 5 متر مكعب بالثانية. مياه النبع شريبة نقية صافية لا تحتاج لتعقيم، كما أن نسبة الشوارد فيها مثالية. والشوارد هي العناصر الكيميائية أو (الأملاح) مثل الكالسيوم والصوديوم التي تمتزج مع الماء الهاطل من السماء ليصبح مذاقه شهيّاً. فلو تذوقنا ماء المطر لدى هطوله لما استسغناه، وكذلك لو ازدادت نسبة أحد الشوارد الممتزجة بالماء عن نسبة محدده لبات طعم الماء كريهاً كما قد يصبح ضاراً. وعلى سبيل المثال فلو زادت نسبة الفلور في الماء عن 0.7 جزء في المليون لبات مضراً بالأسنان، ولو زادت أكثر من ذلك لصدئت الأنابيب المعدنية التي تنقل ذلك الماء. ولكن الطبيعة باسرارها الكونية تحدد نسبة امتزاج الشوائب مع ماء المطر، لدى تسربه وترشحه ضمن الأتربة والصخور بين أعالي الجبال ومستوى الينابيع، بنسب دقيقة لتكسبه تركيباً كيميائياً متوازناً وطعماً مقبولاً.


كان التفكير السائد قبل الثمانينيات أن مصدر مياه نبع الفيجة هي ثلوج سلسلة جبال لبنان الشرقية إلى الغرب من قرية الفيجة، وذلك لأن فوهة النبع التي تتدفق منها المياه تقع باتجاه غرب قرية الفيجة كما أن تلك الجبال هي الأقرب لموقع النبع. ولكن رغبة مسؤولي المؤسسة في اكتشاف المجهول من خصائص النبع بغية الاستثمار الأمثل، دفعتهم لإجراء عملية استكشاف فريدة وجريئة. حيث تم الاتفاق مع فريق متخصص من الغطاسين ليقوموا بالغوص ما وراء فوهة النبع. وكنت أنا واحداً من عدد قليل من الخبراء الذين شاهدوا تلك العملية، أذكر منهم السادة رضا مرتضى ونبراس المؤيد العظم وشفيق الصفدي ونزار المير رحمهم الله جميعاً.
يستخدم الغطاس المتمرّس أسلوباً فريداً لتحديد اتجاه تيارات المياه تحت سطح الماء. فبالإضافة لحمله مصباحاً للإنارة وبوصلة لتحديد الاتجاهات ومقياس ضغط وألواح بلاستيكية يمكن الرسم عليها باستخدام أقلام خاصة، يثبت الغطاس على ذراعه عدداً من الحقن التي تشبه الأبر الطبية والتي تحتوي على محلول برمنغنات البوتاسيوم العقيم والأرجواني اللون. وكلما رغب الغطاس بمعرفة اتجاه تيار المياه التي يسبح فيها، يقوم بتفريغ واحدة من الحقن ليرى بأي اتجاه تسيل مادة البرمنغنات.
وافق الغطاسون على القيام بالغوص في ذلك الكيان المجهول بدون مقابل مادي إشباعاً لرغبتهم العلمية، ولكنهم طلبوا التأمين على حياتهم وكان لهم ذلك. كانت مدة الغطس نصف ساعة في أمسيتين. وبعد دخول الغطاسين جوف النبع من فوهته الظاهرة وجدوا أنفسهم في كهف جوفي مليء بالماء له فوهة تصله مع كهف جوفي آخر من جهة الشمال. ولدى ولوجهم من تلك الفوهة الداخلية تبين لهم وجود تباين كبير في ضغط الماء بين الكهفين حيث كان الضغط أكبر في الكهف الداخلي منه في الكهف الخارجي.
أمضى الغطاسون كامل مدة الغوص في استكشاف معالم الكهفين، وبنهاية الأمسيتين وبعد تحليل أولي للمعلومات التي حصلوا عليها تبين أن المياه تتدفّق من تشققات وسراديب ضخرية تقع إلى الشمال من قرية الفيجة لتتجمّع في كهف جوفي داخلي. وأن هذا الكهف الداخلي متصل مع الكهف الخارجي، الواقع خلف فوهة النبع الظاهرة للعيان، عن طريق فوهة لا تكفي مقاييسها لتصريف كمية المياه الموجودة في الكهف الداخلي مما يجعل ضغط المياه مرتفعاً باستمرار ضمن ذلك الكهف الداخلي.
ولدى التعمّق في دراسة هذه المعلومات تبين قطعاً أن مصدر المياه التي تغذي حوض نبع الفيجة هي ثلوج جبال القلمون الممتدة شمال قرية الفيجة، ولذلك تم اتخاذ التدابير الاحترازية لحماية حوض النبع الممتد باتجاه الشمال من التلوث الذي قد تسببه أي مشاريع مستقبلية سكنية كانت أم صناعية، ومن بينها إلغاء مشروع الطريق الذي كان من المزمع تشييده بين قريتي بلودان وحلبون والتوسعات السكنية المرافقة له.
كذلك تم الاستنتاج أن الاستغلال الأمثل لمياه الحوض يتطلب استغلال المياه المضغوطة في الكهف الجوفي الداخلي. ولدى طرح فكرة توسعة الفوهة الموصلة بينه وبين الكهف الخارجي من أجل زيادة تدفق المياه بين الكهفين تبين أن ذلك يتطلب تكسير الصخور تحت الماء أو التفجير، وكلا الطريقتين غير محمودتين لإمكانية تأثير ذلك على البيئة الجيولوجية المستقرة للمنطقة. لذلك، وبعد تحديد موقع الكهف الداخلي طبوغرافياً على سطح الأرض، تم حفر عدد من الآبار لتخترق ذلك الكهف، وليتم ضخ المياه الفائضة، وليصبح ضغط المياه متساوياً تقريباً بين الكهفين، وهذا ما يزيد من كمية المياه التي يوفرها النبع لمدينة دمشق.
لقد قمت بشرح هذه الوقائع بأبسط أسلوب. ولكن المعلومات الدقيقة التي استنبطت، والدراسات العلمية التفصيلية التي أجريت كانت من الكم والنوع الذي يشهد بشغف خبراء المؤسسة في تلك الأيام باستخدام العلم والاستنتاجات المبنية على وقائع ومعالجات رقميّة وتسخيرها لتطوير سقاية أهالي دمشق وضواحيها.
كتابي “ذكريات مذهلة في بلاد نامية” متوفر بأسلوب pdf مجاناً (لتتم قراءته بواسطة الكومبيوتر أو الهاتف المحمول أو التابلت) ويمكن لمن يرغب باقتنائه أن يرسل لي عنوان بريده الإلكتروني (الإيميل) أو رقمه على الواتساب.

نرجو متابعتنا على فيسبوك وتويتر بالضغط على الايقونتين
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.