من حياة أهل الشام… مـطـعـم صَـلِّـح: من مذكرات فارس الخوري.

فارس الخوري

فواز كباريتي
من حياة أهل الشام… مـطـعـم صَـلِّـح
كان بسوق الخيل (سوق العتيق) بائع متجول على عربة صغيرة يبيع فيها أطباق الفول المدمس لأصحاب البطون الجائعة، يتنقل بها بين زوايا السوق منذ عام 1907، عُرف باسم مجيد الفوال (أبو رياح)، إلا أن تجارته لم تكن تجر عليه أرباحاً كبيرة، ممايضطره إلى إيصال بعض الأغراض لمنازل زبائنه. ومن هؤلاء كان التاجر الدمشقي، عبد الرزاق بوكا، الذي استخدم أبو رياح في إحدى المرات لتوصيل بعض الأغراض لبيته في حارة العبيد، فتكلم أبو رياح مع زوجة عبد الرزاق بوكا، لتتوسط لدى زوجها في مساعدته بفتح محل لبيع الفول بدلاً من العربة التي يتنقل بها بين الشوارع والحارات، وهو على اسـتعداد لسـد هذا الدين بالتقسيط. وفعلا استجاب التاجر الدمشقي لهذا الطلب لحبه فعل الخير ومساعدة الناس، فاشترى له محلاً صغيراً في سوق العتيق..
وفتح الله على عبد المجيد من واسع نعيمه، فسـدَّ دينه ووسَّع محله وضم جواره إليه، وبلغت مساحته 70 متراً مربعاً، وجعل يبيع بكرم فائق وسخاء لا مثيل له بدمشق، يزيد بالصحن من الفول حتى الشبع مجاناً حتى عُرف بمحل باسم «صَلّح»..
ثم انتقل من بعده إلى الجهة المقابلة من سوق الأرماني بنفس المساحة ونفس النظام، واشتغل معه ولداه ومن بعدهم أحفاده، فطاب مطعمه ووسع رزقه وزادت بركته، فكان يضع قدر الفول ليلاً في بيت نار حمام الأرماني (الأميم)، وعند الصباح يكون الفول قد نضج على مهله واسـتوى طعمه، وتميز بخلطته الخاصة وسخاء يده الكريمة. كان لا يبيع إلاّ الفول، وكان يحضّره بطريقتين تلقيان إقبالا كبيراً عند الدمشقيين:
الأولى: الفول المدمس بالبندوة والبقدونس والحمض والثوم وزيت الزيتون..
والطريقة الثانية: بإضافة اللبن الممزوج بالطحينة والحمض والثوم وزيت الزيتون..
وذاع صيته بدمشق كلها، وأصبح كبار الشخصيات والمشهورين يتعمدون تناول صحن الفول المميز عنده، ومنهم الرئيس جمال عبد الناصر وشكري القوتلي وفارس الخوري وخالد العظم والكثير من الوزراء في ذلك الزمن، كما زار الفنان عبد الحليم الحافظ والملحن عبد الوهاب محل مجيد الفوال وتناولا وجبة الفول المدمس، ومن رواده الدائمين الشاعر سليمان العيسى الذي كتب له أبياتاً من الشعر قال فيها:
فولي أصبح زاكياً . . . والقلب منه راضياً
فولي أصبح قائلاً . . . مني تدور العافية
انظر إليَّ يا بديع . . . إني وقت الصبح أطيع
الزيت والخل المنيع . . . يجلي الصدأ والغاشية
اسمع كلامي يافهيم . . . وقم بزيارة عبد المجيد
القلب يبقى منك يهين . . . تبقى بعيشة راضية

ومن زبائنه المداومين حاكم الجنايات بالمحكمة العادلية بالمرجة القاضي عبد الرزاق عابدين. وفي أحد الأيام أحبَّ القاضي أن يمزح مع مجيد الفوال فقال له: فولاتك اليوم مو كتير.! فهبَّ مجيد الفوال غاضباً وحاول أن يخيف القاضي بمغرفة الزيت والحمض، فارتعشت يده، فوقع الزيت على الطقم الأبيض للقاضي عبدالرزاق دون قصد.. هنا ارتبك مجيد الفوال وهرع يتأسف للقاضي، واجتمع الحرس الخاص يريدون تأديب عبد المجيد، لكن المستشار عبدالرزاق وبكل نفسٍ رضيَّة وبروح مرحة قال له مازحاً: غداً سآكل عندك ببلاش..
وأخذ الشرطى المرافق الجاكيت وغسله عند حمام الأرماني، ولم يترك الحادث أيّ أثر في هذه النفوس الطيبة…
ـــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب: مذكرات فارس الخوري.

This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.