من #بلاد_الرافدين بدأ نهوض المدن بقلم: #عضيد_جواد_الخميسي ‎


بقلم: عضيد جواد الخميسي

( فيما مضى ، وعند الأرض المعروفة باسم “سومر” ، بنى الناس معبداً لإلههم قاهر الظلام والفوضى وخالق الكون ، جالباً لهم النظام والمعرفة كي يؤسسوا أول حضارة في التاريخ ) .
بُني هذا المعبد في مكان ، أسموه ” أريدو ” ، الذي كان في أبعد الأراضي جنوباً ، على حافة سهل النهر الغريني القريب من الأهوار المتحولة ما بين الماء واليابسة ، مع جداولها المتشعبة وامتداد جزرها وسط غابة من القصب الكثيف بجذوره العميقة على قدر التأريخ نفسه ..

أريدو في الأصول الميثولوجية
أريدو ، هذه المنطقة المستنقعية التي تطوقها الأرض القاسية والكثبان الرملية ، فهي قوة الإله التي تنبض بالحياة عندما تحولت الى حقيقة النظام الذي خلقه من الفوضى العارمة . الاحتفال الأول في أريدو، كان عن المياه العذبة باعتبارها مصدر الحياة . وقد أطلق السومريون على الماء اسم
( أبزو Abzu)
، لاعتقادهم بأن جميع الآلهة قد عاشوا فيه وبعثوا منه .

وعلى ضوء ذلك ، فإن الإله أنكي ( إله الحكمة والمياه العذبة ) قد جاء من أبزو وأقام في أريدو . ومن أبزو أيضاً ، عُرفت قائمة الملوك الذين حكموا البلاد تباعاً بعدما هبطت شرائعهم الملكية من السماء وبُذرت في أريدو ، وبذلك أصبح هذا المركز الحضاري أول مدينة ثقافية للسومريين في التاريخ . عن ذلك كتبت المؤرخة النمساوية جويندولين ليك هذا التعليق :
“.. وبالتالي فإن جنة عدن في بلاد الرافدين ليست حديقة ، بل مدينة ، وهي قطعة أرض يابسة تحيط بها المياه ، وكان البناء الأول فيها عبارة عن معبد … هكذا رسمت بلاد الرافدين خططها في انشاء المدن وتطويرها ، ويعرض لنا التاريخ (أريدو) كنموذج حقيقي للجنّة . على عكس جنّة الكتب المقدّسة التي طُرد منها الإنسان بعد نفيه وإلى الأبد !. ثم ان أريدو كانت مكاناً حقيقياً للبشر مشبعاً بالقداسة ، والوصول إليها كان سهلاً دائماً ..” (ص 2).
لم تكن أريدو أول مدينة في العالم للسومريين ، بل كانت بداية الحضارة . إذ اعتقد السومريون أن كل مدينة أخرى قد نشأت قبلها ، كانت في الرمال والمياه التي احاطتها .

النظريات الحديثة
يختلف علماء الحداثة حول سبب ظهور المدن الأولى في العالم من بلاد الرافدين بدلاً من أي مكان آخر . تتأرجح النظريات الغربية القديمة ما بين فرضية الاضطرابات والمشاكل الاجتماعية ، وفرضية العوز الغذائي الذي أجبر الناس على التوحد في المراكز الحضرية ، وبين نظريات الظروف البيئية ، أو الهجرة القسرية للمجتمعات الريفية إلى المدن .
في الحقيقة ، لم يتم قبول أيّاً من هذه النظريات عالمياً ، بل رُفضت تماماً من قبل جميع العلماء المشهورين ومؤسساتهم البحثية . لكن ما تم الاتفاق عليه ، بأن الخطوة الاولى التي قرر فيها السومريون القدامى في بلاد الرافدين الانخراط في عملية التحضر ، هي تغيير الطريقة التي سوف يعيش فيها البشر جذرياً دون الالتفات الى الماضي . كتب المؤرخ البريطاني ( باول كريفاشيك) التعليق التالي عن تلك الفكرة :
” كانت هذه الخطوة ، ثورة عظيمة في تاريخ البشرية وليس انقلاباً عابراً. كان السومريون يهدفون بوعي وإدراك تام ومتقن في تغيير العالم . لقد كانوا أول من تبنّوا المبادئ الصحيحة التي أدّت الى دفع عجلة تقدم العالم عبر التاريخ ، وما زالت تلك المبادئ تحفزّ معظمنا في العصر الحديث التي ولدّت لدينا القناعة الكاملة ، وهي ان طالما الإنسان ربط مصيره في هذه الأرض ، فمن حقّه تغييرها ، ومن ثم تحسينها كي يكون سيداً فيها وليس عليها . ” (ص20).
قد لا يكون هذا المبدأ الذي يشير إليه كريفاشيك هو أكثر من الميل الطبيعي للبشر في التواجد عند بقعة معينة من الأرض لأسباب الأمن والطمأنينة ، أو كان له جذور في الاعتقاد والممارسات الدينية الشعبية التي ربما وفرّت بعض الفوائد المرتجاة ، وهذا ما يؤكد على وجود نظام ذو معنى وراء المتغيرات التي وعلى ما يبدو كانت عشوائية .
رأى المؤرخ الأمريكي ( لويس مومفورد ) أن : ” طبيعة اللجوء إلى الكهوف من أجل الأداء الجماعي للمراسيم التقليدية ، تعود إلى فترة سابقة ، وأن المجتمعات التي استمرت حيّة دون انقطاع ، عاشت في تلك الكهوف ذات الجدران الصخرية المجوّفة ، هي نفسها التي استوطنت مناطق متفرقة من العالم وصولاً إلى الوقت الحاضر . وطالما أمكن العثور على الخطوط العريضة للمدينة كشكل خارجي ، في المقابل نجد ان هناك نمط داخلي للحياة الاجتماعية قد مورس فيها حتماً . “(ص 11 ) .
مهما كان الأمر الذي أدّى إلى تطوير المدن في بلاد الرافدين ، فلن يكون العالم على حاله . كتب كريفاشيك مايلي :
” قبل عام 4000 ق.م ، وعلى مدى القرون العشرة إلى الخمسة عشر التي تلت بعدها ، كان سكان أريدو وجيرانهم ، قد وضعوا الأسس والقواعد لمعظم الأشياء تقريباً وبما نطلق عليه اليوم (الحضارة ). وعُرفت بمسمّى (الثورة الحضرية ) ، وعلى الرّغم من أن اختراع المدن كان في الواقع أقلّ الدرجات بكثير من عصرنا هذا ، الاّ انّ مع المدينة جاءت مجمل الفعاليات والنشاطات المرتبطة : الدولة المركزية ، الطبقات الاجتماعية ، تقسيم العمل ، تنظيم الأداء الديني ، البناء الضخم ، الهندسة المدنية والمعمارية ، الطب ، الريّ ، التنويع الزراعي ، تربية الحيوانات ، الكتابة ، الشعر ، النحت ، الفن ، الموسيقى ، التعليم ، الرياضيات ، والقانون . ناهيك عن مجموعة واسعة من الاختراعات والاكتشافات الجديدة ، بدءاً من الحاجات الأساسية ، مثل المركبات ذات العجلات ، القوارب الشراعية ،الفخّار، التعدين ، النجارة ، الحدادة ، الى الادوية والعقاقير . علاوة على ذلك ، كانت هناك مجموعة ضخمة من المفاهيم والأفكار الأساسية تفسر طريقة نظرتنا إلى العالم ، مثل الأرقام ، أو الأوزان والمقاييس ، وغيرها … لقد مضى فترة طويلة على اكتشاف واختراع تلك الأشياء ، ونحن الآن لا نكلّف أنفسنا بالسؤال حتى ، من أولئك الذين عملوا كل هذا ؟ وأين ؟؟. علينا التذكر والتذكير دائماً ، بأن السومريين ، وجنوب بلاد الرافدين هو المكان الذي تحقق فيه كل ما حدث لأول مرة . ) (ص20-21) .

أوروك ( الوركاء )
لم يظل مفهوم المدينة الذي تمثل لأول مرة في بناء أريدو مقيّداً عند تلك المنطقة لفترة طويلة . بيد ان التحضّر قد انتشر بسرعة في جميع أنحاء سومر حوالي عام 4500 قبل الميلاد مع ظهور مدينة أوروك أو الوركاء والتي تعتبر اليوم أول مدينة في العالم . قد تكون أريدو في الحقيقة أول مدينة معروفة كما تذكرها النصوص السومرية ، لكنها تأسست حوالي عام 5400 ق. م ، أي قبل وقت طويل من ظهور الكتابة (حوالي 3000 قبل الميلاد) . في حلول ذلك الوقت نشأت مدينة أوروك ، ولكن العبث والتخريب أدّى إلى فقدان معظم معالمها التاريخية أثناء الحروب الداخلية التي كانت تحصل بسبب المؤامرات والدسائس بين الأطراف المتصارعة بغية السيطرة عليها . وبالتالي يمكن اعتبار أوروك هي أول مدينة في التاريخ لسببين : لمساحتها الواسعة ، وكبر حجم سكانها . أما مدينة أريدو ، فهي لم تكن أكثر من مجرد مكان ديني مقدّس .

أوروك و أريدو في النصوص السومرية
تدعم الأساطير السومرية الادعاء بأن أوروك حلت محل أريدو في قصيدة إنانا وإله الحكمة ” أنكي ” . توضح هذه القصيدة ، كيف ذهبت الإلهة إنانا التي يقع منزلها في أوروك ، إلى مدينة أريدو في زيارة والدها إنكي . تعليقاً على محتوى هذه القصة كتب المؤرخ كريفاشيك التالي :
” كان الرافدينيون القدامى يقدسون الإله (أنكي ) كثيراً ، باعتباره الإله الذي جلب الحضارة الى البشرية ، وهو الذي منح الحكام ذكائهم و معرفتهم . وهو الذي (فتح أبواب التفاهم والحوار )… إنه ليس بحاكم الكون ، بل المستشار الحكيم للآلهة والأخ الأكبر … والأهم من هذا كله ، كان إنكي حارس (ألمهْ ) ، و (ألمهْ ) كما فسرّها عالم السومريات الكبير (صموئيل نوح كريمر ) أنها المجموعة المتنوعة والشاملة من الحقوق والواجبات ، والأحكام ، والمعايير والقواعد ، واللوائح المتعلقة بالحياة المتحضرة ، وبمعنى آخر ، هي دستور السومريين ” (ص30).
في بداية القصيدة ، تقول إنانا:
” سأتوجه بخطواتي إلى إنكي ، إلى أبسو ، إلى أريدو ، وسأحادثه بنفسي و بكل كياسة وهيبة في أبسو ، و أريدو . سأناشد الإله إنكي (يبدو واضحاً أنها تطلب شيئاً من والدها ، وأن إنكي على علم بقدومها ، إذ يأمر حاجبه “أسيمود” في الترحيب بها ) قدّمْ لها البيرة أمام بوابة الأسد ، ودعها تشعر كما لو كانت في منزل صديقتها ، على ان تكون في موضع الترحيب دائماً باعتبارها رفيقة لي ” .
إنانا جلست واحتست البيرة مع والدها ، وعندما أصبح أنكي ثملاً ثمّ أكثر ثمالة ، أخذ يقدم لابنته (ألمهْ ) الواحدة تلو الأخرى حتى أصبح لديها أكثر من مائة ، فعلى ما يبدو ، أن إنكي قد فقد وعيه ونام بعد ذلك .
أسرعت إنانا في العودة الى أوروك مع ألمهْ ، وعندما استيقظ إنكي وجد أنه قد فقد ألمهْ . بعث حاجبه أسيمود إلى أوروك لاستعادتها ، ولكنه لم يفلح . أما ما تبقى من القصيدة ، فهو يتعلق بمحاولات أسيمود العقيمة لمنع إنانا من الوصول إلى أوروك مع ألمهْ .
نجحت إنانا في إحضار ” قارب السماء إلى بوابة السعادة ” في أوروك ” حيث جاء القارب للرسوّ على الرصيف ” ، وأُطلق على ذلك المكان( الرصيف الأبيض ) لإحياء ذكرى انتصارها . تم تفسير القصيدة في شكلها الرمزي عن مفهوم نقل السلطة والصلاحيات من مدينة أريدو إلى أوروك . وعلى ما يفهم من خلال النصوص ، أن أريدو قلّ تأثيرها الى حد ما عند السومريين مع بروز أوروك الواضح ، الاّ أن المدينة القديمة بقيت مركزاً مقدّساً ، ومكاناً للتبرّك دائماً .

الأدلة الأثرية
في الحقيقة ، نجد ان تلك الأحداث هي رؤية واضحة عن الأدب السومري ، وان النسخة الأصلية من القصيدة محفوظة الآن لدى المتحف البريطاني منذ أن بدأت أولى أعمال التنقيب الواسعة في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ، وذلك بسبب ما جاء في كتاب التوراة لملامح بعض الأحداث عن تاريخ بلاد الرافدين ، كما أن هناك أدلة كثيرة تشير إلى وجود بعض الحقائق التاريخية وراء تلك القصيدة .
على الرغم من استمرار التنقيبات الأثرية في بلاد ما بين النهرين . يتساءل العلماء فيما إذا كان بالإمكان ، جعل مفهوم النظرية التقليدية في التحضر هو الأصح ، وذلك عندما بدأ من سومر في الجنوب ثم انتشر إلى مناطق الشمال .
ان اكتشاف منطقة تل برك في سوريا التي تأسست حوالي عام 6000 قبل الميلاد ، قد جعل بعض العلماء يميلون الى أن ثورة التحضّر ربما كانت قد بدأت حقيقة في الشمال ، وأن فكرة انطلاقها من سومرقد تم قبولها فقط ، لأن السومريين هم الذين اخترعوا الكتابة ، وبسبب ذلك اعتبرت الفكرة صائبة ومسلم بها .
عندما نعتبر منطقة تل برك أقدم من أريدو حضرياً ، علينا أن نطرح هذا السؤال : ما هي أقدم وأفضل المدن الأولى التي نهضت في العصور القديمة ، والتي ينطبق عليها تعريف ” المدينة ” كاملاً ؟.
أجاب على هذا السؤال ، البروفيسور”مايكل. إي . سميث “، أستاذ الأنثروبولوجيا ، رئيس قسم التطور البشري والتغيير الاجتماعي في جامعة ولاية أريزونا الأمريكية :
” تل برك ، كانت أقدم تجمع حضري كبير يقع في المنطقة الزراعية الجافة من شمال بلاد الرافدين . وخلال فترة أوروك 3800 ـ 3100 قبل الميلاد . كان هذا المكان عبارة عن منطقة تتوسطها الأبنية العامة تحيط بها ضواحي مترامية الأطراف على مساحة أكثر من كيلومتر مربع . في نهاية تلك الفترة الزمنية ، تحول الاهتمام في التنمية الحضرية إلى جنوب بلاد الرافدين . ” (موسوعة سيج للدراسات الحضرية ، ص24)
المشكلة في تلك الإجابة ، أننا لا نجد فيها تعريف واضح ومحدد لمفهوم “المدينة”، فهل كانت تل برك مثلاً ، مدينة كبيرة.. ، مدينة صغيرة.. ، مستوطنة ، أم قرية ؟ .
يؤكد البروفيسور (جورج موديلسكي ) من جامعة واشنطن ، أنها لم تكن مدينة ويستند في رأيه إلى ما ذكره المؤرخ (تيرتيوس تشاندلر) في كتابه “أربعة آلاف سنة من النمو الحضري ” الذي نشره عام 1987 م ، ” ان المدينة القديمة ينبغي أن تحدد بحجم سكانها “. كتب موديلسكي : ” إحدى التقديرات المهمة التي تتعلق بأوروك ، حسب مؤلفات عالم الآثار روبرت آدمز (1967 ، 1981) ، على أنها أكبر مدينة في الفترة المبكرة جداً من تاريخ بلاد الرافدين . ” (ص3).
أمّا تل برك ، وحسب تعريف موديلسكي للمدينة ، إذ يعتبرها مجرّد مستوطنة ، بسبب حجم سكانها الذي كان على مايبدو غير كافي لتأهيلها كمركز حضري والقيام بوظائفها وتنمية نشاطها الاجتماعي .
بالطبع ، هذا هو أسلوب حديث لتعريف ما هي ” المدينة “، وما هي ” المستوطنة ” ، وليس هناك طريقة لمعرفة كيف كان سكان بلاد الرافدين القدامى يحددون معنى ” المدينة ” ، ولا أحد يعرف ، كيف كان تصنيفهم لمكان مثل ” تل برك ” الذي استوطنه البشر خلال العصور القديمة .

الأصل السومري
أيّاً كان الأمر، ومهما تعددت الأسباب ، فإن الثورة الحضرية قد بدأت من بلاد الرافدين ، ويبدو أنها مؤكدة كانت في منطقة سومر. وأن أقدم المدن المذكورة هي :
ـ أريدو ” باد تيبيرا ” ( تل المدينة – تقع بين قلعة سكر والشطرة ” لارسا ” في محافظة ذي قار جنوب العراق ).
ـ لاراك ( معروفة من خلال ملكها ولكنها مجهولة الموقع ) .
ـ سيبار( شمال بابل قرب اليوسفية جنوب بغداد ) .
ـ شوروباك ( المطلّة على نهر الفرات في الديوانية منطقة الفرات الأوسط جنوب بغداد ) .
وجميع تلك المدن كانت تقع في نطاق بلاد سومر. كما ان بعض العلماء لهم آراء مختلفة حول سبب ظهور الحضارة في سومر وليس في أي مكان آخر. كتب كريفاشيك تعليقه التالي حول هذه النقطة :
“عندما تتّبع خطوات نشوء الحضارة ، تجد أنها وقد حدثت كنتيجة حتمية في التغيرات التطويرية لدى العقل البشري منذ نهاية العصر الجليدي الأخير … ولكن البشر الآن لسنا هكذا !. ليس لدينا ردود أفعال غير مبررّة ! . يجب أن ندع الحقائق الواضحة تظهر وتطفو على السطح ، يوجد صراع حقيقي دائم بين الليبراليين العلمانيين والمحافظين المتدينين ! . وبين التوجه إلى الأمام والعودة الى الوراء ! .وبين أولئك الذين يقترحون (دعونا نفعل شيئاً جديداً ) وأولئك الذين يعتقدون أن (الأفكار القديمة هي الأفضل) ! . وكذلك بين الذين يقولون (دعونا نطوّر هذا )، وأولئك الذين يعتقدون (إذا لم ينكسر فلا تقم بإصلاحه ) !. لَا يحدث تحول كبير في الثقافة أبداً من دون هذا الصراع الفكري والحضاري .. ” (ص21) .

” فيما مضى ، وعند الأرض المعروفة باسم سومر ، بنى الناس معبداً لإلههم قاهر الظلام والفوضى وخالق الكون ، جالباً لهم النظام والمعرفة كي يؤسسوا أول حضارة في التاريخ “.. من خلال هذه العبارة السومرية المشهورة عن قصة الخلق ، إذ يمكننا العثور على إجابة هذا السؤال : لماذا حدث ذلك في بلاد الرافدين بدلاً من أي مكان آخر ؟ .
عند التفكير في ثقافة ذلك المجتمع بعينه. نجد إن شعب بلاد الرافدين قديماً ، بصرف النظر عن المنطقة أو العرق أو الميول ، قد تشارك أفراده في الأهداف والطموح والعزيمة ، وذلك بخلق النظام أولاً ، ومن ثمّ الحفاظ عليه ثانياً . وبسبب معتقداتهم الدينية ، ذلك الهوس المتزايد الذي كاد يسيطر على الجميع ، قد جعل المجتمعات تائهة تدور في دوّامة العجز والفوضى ، ولكنه تراجع فيما بعد لتبدأ رحلة الانطلاق نحو التغيير الشامل .
عندئذ.. لا ينبغي أن تكون هناك مفاجأة في نهاية ذلك الصراع ما بين مجموعة الأفكار والمعتقدات المختلفة ، عندما تمخضّ عنه بناء الكيان الحضاري في أريدو ، الذي فصل البشر تماماً عن بيئته البدائية ، وهو النموذج الأمثل في التغيير والتطور الذي حصل لاحقاً في مناطق أخرى من العالم …

ـــــــــــــــــــــ
جورج موديلسكي ـ مدن العالم القديم (من عام 3500 ـ الى عام 1200 ق.م ) ـ جامعة واشنطن ـ 1997.
لويس مومفورد ـ التاريخ الطبيعي للتحضر ـ شيكاغو ـ 1956.
هاتشيسون . آر ـ موسوعة سيج للدراسات الحضرية ـ منشورات سيج (ص24 ـ ص 28 ) ـ 2009 .
صموئيل نوح كريمر ـ التاريخ يبدأ في سومر ـ مطبعة جامعة بنسلفانيا ـ 1988 .
باول كريفاشيك ـ بابل .. بلاد الرافدين وميلاد الحضارة ـ سانت مارتن كرفن للطباعة ـ 2010 .
جويندولين ليك ـ بلاد الرافدين ـ بنجن للكتاب ـ 2002 .

About عضيد جواد الخميسي

كاتب عراقي
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.