من الضلع الأعوج؟

سناء العاجي

تونس. عشرة أشخاص يحتجزون طفلة ويتناوبون على اغتصابها.
مصر. رجل يتفق مع عامل عنده على اغتصاب زوجته، لكي “يضبطها” في حالة تلبس بالخيانة، فيطلقها ويتزوج بامرأة ثانية ترفض زوجته الأولى زواجه منها… بعد مقاومة الزوجة للمغتصِب، قام بقتلها أمام رضيعها واغتصابها بعد ذلك… اكتشفت المباحث الجريمة واعترف الاثنان بجريمتها، وستبدأ المحاكمة عما قريب!
إذا بحثنا أكثر، فمن المؤكد أننا سنجد جرائم بشعة مشابهة في الجزائر، السعودية، لبنان، العراق، المغرب…
ومع ذلك، فما زال الكثيرون مُصرّين أن ملابس المرأة هي السبب في اغتصابها والتحرش بها.
ألا يخجل هؤلاء أمام الحالات الكثيرة جدا لاغتصاب الطفلات الصغيرات، كما في جريمة تونس؟
ألا يخجل أصحاب هذا الخطاب أمام حالات اغتصاب النساء العجائز في بيوتهن؟
ما موقفهم من حادثة تونس، حيث تناوب عشرة وحوش على اغتصاب طفلة صغيرة؟ هل هي المسؤولة بسبب ملابسها وغنجها؟ أم أن المسؤول الوحيد هم هؤلاء المجرمون؟
أن ترتدي الحجاب أو الجينز أو التنورة القصيرة، كل هذا لا يجعلها مسؤولة عن اغتصابها أو التحرش بها. المسؤول الوحيد هو الفاعل
ما موقفهم أمام حادثة القاتل المصري الذي وصلت به الحقارة والاإنسانية لإرسال شخص لاغتصاب زوجته، حتى يتهمها بالخيانة… بل وفوق ذلك، اعتبر البعض بأنها تستحق ما حدث لها، لأنها عارضت شرع الله في التعدد! حتى وهي مغتصَبة ومقتولة وضحية مؤامرة دنيئة من زوجها، فهي السبب وهي المخطئة!
لنتخيل كيف كان سيكون موقف الضحية لو لم تتعرض للقتل، ولو نجحت خطة الزوج واتهمها فعليا بالخيانة (ظلما)؛ رغم أنه قد خطط لتفاصيل الحادثة! هل كان أحد سيصدقها؟ هل كان المجتمع والقانون سيرحمانها؟ أم أن النساء في مجتمعنا دائما السبب… حتى في قتلهن؟
إذا خان الرجل زوجته، فهي مسؤولة لأنها بالتأكيد جعلته يهرب منها بسبب إهمالها أو نكدها أو أي سبب آخر. إذا قرر الزواج من ثانية أو ثالثة أو رابعة فهذا حقه وليس عليها اعتراض. إذا ضربها فهي بالتأكيد فعلت شيئا تستحق عليه الضرب. إذا قتلها، فهي بالتأكيد خائنة أو مستفزة أو نكدية. وإذا أرسل لها شخصا آخر ليغتصبها، فلم يكتف المجرم الآخر بالاغتصاب بل قتلها، فهي السبب أيضا لأنها ترفض التعدد وتعارض شرع الله. وهم محقون بالتأكيد، لأن معارضة التعدد هي، شرعيا، أبشع بكثير من الاغتصاب والقتل… ومن إرسال زوج لرجل آخر لكي يغتصب زوجته!
متى سنعي بأن الاغتصاب والتحرش والقتل هي جرائم بشعة، المسؤول الوحيد عنها هو المغتصِب والمتحرش والجاني؟
متى سنعي بأن اغتصاب الطفلات الصغيرات هو واقع حقيقي يتساهل معه الكثيرون خوفا من الفضيحة، علما أن الفضيحة يجب أن تطال المغتصِب لا الطفلة وأسرتها؟ بل أن بعض الأسر تتنازل عن الدعوى القضائية لأن الاغتصاب لم يؤد لافتضاض البكارة… طبعا، فالشيء الوحيد المهم… هو غشاء البكارة!
ما لم نشرع في محاسبة الجناة بدل الضحايا، فستتكاثر جرائم الاغتصاب وسنستمر في تجاهلها وفي إيجاد الأعذار للمغتصبين
حتى القانون في المغرب يلغي المتابعة إذا تنازل أهل الضحية عن القضية، سواء في حالة الاغتصاب أو التحرش أو العنف أو الاعتداء على الأطفال؛ في حين أنه، في هذه الجرائم، لا يفترض أن تلغى المتابعة بسبب تنازل الضحايا. هؤلاء قد يتنازلون تحت ضغط المجتمع والأسرة، بينما يفترض أن يحمي القضاء الضحايا وأن تتم المتابعة، حتى لو تنازلت الضحية.
من جانب آخر، هذا العدد الهائل لجرائم اغتصاب تكون ضحيتها طفلات صغيرات أو نساء محجبات أو زوجات في بيوتهن… لا يجب أن ينسينا الأساسي: اللباس حرية فردية للمرأة، لا يمكن أن يبرر بأي شكل من الأشكال تعرضها للاغتصاب. أن ترتدي الحجاب أو الجينز أو التنورة القصيرة، كل هذا لا يجعلها مسؤولة عن اغتصابها أو التحرش بها. المسؤول الوحيد هو الفاعل…
ما لم نعِ ذلك وما لم نشرع في محاسبة الجناة بدل الضحايا، فستتكاثر جرائم الاغتصاب وسنستمر في تجاهلها وفي إيجاد الأعذار للمغتصبين… لأن الضحية هي دائما السبب! ولأن الجاني يعلم جيدا أن القانون والمجتمع سيتضامن معه، لمجرد أن الضحية… امرأة!من الضلع الأعوج؟

This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.