منصة فلسفية: مفهوم الثقافة، بين الابداعين المادي والروحي

الكاتب الفلسطيني نبيل عودة

نبيل عودة

سؤال هام يتكرر بأشكال مختلفة ومناسبات عديدة. وجدت ان الكثيرين يستعملون تعبير الثقافة دون المام بالمبنى الفلسفي للتعبير وماذا تعني الثقافة. وهل هي الابداع الأدبي مثلا بتعدد مدارسه وأشكاله؟

كثيرا ما وجه لي بالحوار او عبر المقابلات الثقافية عبر كتاباتي المختلفة سؤال عن فهمي للثقافة، اذ وجدت ان الكثيرين يستعملون تعبير الثقافة دون المام بالمبنى الفلسفي للتعبير وتفرعات مفهوم الثقافة. دون فهم ان الثقافة تشمل جميع أوجه النشاط الابداعي للإنسان، بما في ذلك الإنتاج المادي الذي لا غناء عنه للمجتمعات البشرية.

الأمر الاساسي ان تعبير الثقافة يطلق على مجمل النشاط الإبداعي للإنسان ونتائج هذا النشاط. وهنا لا بد من التمييز بين الثقافة المادية والثقافة الروحية، الثقافة المادية تشمل انتاج الخيرات المادية (أي نشاط الانسان المادي). اما الثقافة الروحية فتشمل الوعي الاجتماعي للإنسان، بكل تفاصيله، الابداع الأدبي بكل اشكاله، المسرح، الموسيقى، الرسم، النحت، العلم، الفلسفة وكل ما يصنف ضمن النشاط الذهني الإبداعي وعادة يسمى بالثقافة الروحية. طبعا لا يمكن تجاهل الرابط بين الثقافة المادية والثقافة الروحية، هناك تأثير متبادل ودائم بين الثقافتين.

اذن الثقافة هي شكل من أشكال النشاط الجمالي والإبداعي للإنسان، ليس من السهل فهم الدوافع الأولية لهذا النشاط الانساني، لست في باب تفسير الثقافة سوسيولوجيا، أي مجمل العلوم التي تدرس المجتمعات والقوانين التي تحكم تطور المجتمعات وتغيرها او البحث في مركباتها الأساسية، والتطور يشمل اشكال التعبير البشري والصياغات وتجسمها الفعلي مع نشوء اللغات البشرية، فنجد أن التعبير بالرسم بدأ مع إنسان الكهوف، بينما تطور اللغة قاد الى مرحلة أرقى من تبادل المعرفة ونقل الأخبار والتجارب والمخاطر وصولا الى مرحلة الكتابة ووضع اول أبجدية في تاريخ البشر، وقد وضعها جدودنا الكنعانيون، وهي هدية الكنعانيين العبقرية لشعوب الأرض .

الأدب هو جزء من الثقافة الاجتماعية ومصدرها الوعي الاجتماعي للإنسان وتطوير أساليب التعبير عن هذا الوعي. اذن الثقافة تشمل كل أشكال النشاط الإبداع البشري، من الإبداع المادي، أي المنتجات الاستهلاكية والخيرات المادية التي ينتجها الانسان، حتى الإبداع الروحي الذي نسميه “الأدب او الفنون بأشكالها المخلفة”.

الأدب يتفرع الى أجناس عديدة أهمها الأدب النثري والشعري والفنون مختلفة الى جانب العلوم والفلسفة.

تفتقر لغتنا العربية لتعبير يميز بين الثقافة الروحية والثقافة المادية. نجد في اللغات الأجنبية تعبير “الحضارة”
civilization))
للحديث عن الثقافة المادية، وتشمل الموارد الاقتصادية، النظم السياسية وترتكز الحضارة على البحث العلمي الذي يعبر عنه في الابتكارات التكنولوجية والعلمية في مختلف العلوم والأبحاث بكل تنوعاتها. اما الثقافة
(culture
) فتعني الثقافة الروحية أي كل ما يتعلق بالمفاهيم الأدبية والفنية الإبداعية.

وهي تشمل نمط متكامل من المعرفة البشرية، والقدرة على التفكير. ان عناصر الثقافة مرتبطة ببعضها البعض، يمكن القول بدون تردد ان الأدب هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي للواقع الذي يعيشه الانسان بكل امتداده معبرا عنه بالتخيل او بالدمج بين الخيال والواقع.

هذا أيضا لا يفي بالجواب الكامل، لأن الأدب تحول في مراحل متطورة من حياة المجتمعات البشرية الى أداة لها أهميتها في نشر الفكر والفلسفة والعلوم المختلفة. طبعا لا يمكن الفصل بين الثقافة بمفهومها الروحي والثقافة بمفهومها المادي، لأن الترابط الديالكتيكي بينها لا ينفصم ولا تطور لجانب بدون الجانب الأخر. من هنا نجد ان الثقافة في الدول المتطورة اقتصاديا هي بمكانة متقدمة اكثر من الثقافة في الدول ضعيفة التطور، هذا يبرز أيضا بمستوى التعليم والأبحاث، ويبرز أكثر بمستوى تسويق الكتاب. مثلا التقرير الصادر عن “مؤسسة الفكر العربي” يشير إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنوياً، بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنوياً، وهذا يوضح لنا مدى الكارثة الثقافية والعلمية التي يعيشها المواطن العربي، مقارنة بمواطنين في الدول الأوروبية.

لعب الأدب دورا في عملية الرقي الحضاري، بل تحول الأدب في مرحلة الاستعمار مثلا الى اداة اعلامية لتبرير نشر السيطرة الاستعمارية على الشعوب المتخلفة كأداة إعلامية للاستعمار، يظهر بها رقيه على الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) … ولم يتأخر الوقت لتستفيد الشعوب المغلوبة على أمرها من هذا الجهاز الأدبي الذي تطور مع الاستعمار، لتنشئ أدبها المضاد، ويعرف بالثقافة المضادة في مواجهة الثقافة السائدة. هذا الواقع عاشته الأقلية العربية داخل إسرائيل في مواجهة الثقافة الصهيونية التي تنكرت لحقوق الشعب الفلسطيني وتاريخه وعلاقته بوطنه، بما طرحته عن “ارض بلا شعب لشعب بلا ارض” وعن نهج الفكر الاستيطاني الذي يعمل على السيطرة الكاملة على الأرض الفلسطينية متنكرا لحقوق الشعب الفلسطيني.

ادوارد سعيد في كتابه الهام الثقافة والامبريالية، يطرح رؤيته الى ان تطور الرواية الانكليزية والفرنسية كان مع تطور الاستعمارين الإنكليزي والفرنسي، بينما الرواية الأمريكية تأخرت حتى بدايات القرن التاسع عشر مع بداية تطور الاستعمار الأمريكي.

من هنا نجد ان الثقافة ليست مجرد ابداع روحي بل هي موضوع شامل للحياة بكل مركباتها الفكرية والانتاجية.

[email protected]

About نبيل عودة

نبذة عن سيرة الكاتب نبيل عودة نبيل عودة - ولدت في مدينة الناصرة (فلسطين 48) عام 1947. درست سنتين هندسة ميكانيكيات ، ثم انتقلت لدرسة الفلسفة والعلوم السياسية في معهد العلوم الاجتماعية في موسكو . أكتب وأنشر القصص منذ عام1962. عانيت من حرماني من الحصول على عمل وظيفي في التعليم مثلا، في فترة سيطرة الحكم العسكري الاسرائيلي على المجتمع العربي في اسرائيل. اضطررت للعمل في مهنة الحدادة ( الصناعات المعدنية الثقيلة) 35 سنة ، منها 30 سنة كمدير عمل ومديرا للإنتاج...وواصلت الكتابة الأدبية والفكرية، ثم النقد الأدبي والمقالة السياسية. تركت عملي اثر إصابة عمل مطلع العام 2000 ..حيث عملت نائبا لرئيس تحرير صحيفة " الاهالي "مع الشاعر، المفكر والاعلامي البارز سالم جبران (من شعراء المقاومة). وكانت تجربة صحفية مثيرة وثرية بكل المقاييس ، بالنسبة لي كانت جامعتي الاعلامية الهامة التي اثرتني فكريا وثقافيا واعلاميا واثرت لغتي الصحفية وقدراتي التعبيرية واللغوية . شاركت سالم جبران باصدار وتحرير مجلة "المستقبل" الثقافية الفكرية، منذ تشرين اول 2010 استلمت رئاسة تحرير جريدة " المساء" اليومية، أحرر الآن صحيفة يومية "عرب بوست". منشوراتي : 1- نهاية الزمن العاقر (قصص عن انتفاضة الحجارة) 1988 2-يوميات الفلسطيني الذي لم يعد تائها ( بانوراما قصصية فلسطينية ) 1990 3-حازم يعود هذا المساء - حكاية سيزيف الفلسطيني (رواية) 1994 4 – المستحيل ( رواية ) 1995 5- الملح الفاسد ( مسرحية )2001 6 – بين نقد الفكر وفكر النقد ( نقد ادبي وفكري ) 2001 7 – امرأة بالطرف الآخر ( رواية ) 2001 8- الانطلاقة ( نقد ادبي ومراجعات ثقافية )2002 9 – الشيطان الذي في نفسي ( يشمل ثلاث مجموعات قصصية ) 2002 10- نبيل عودة يروي قصص الديوك (دار انهار) كتاب الكتروني في الانترنت 11- انتفاضة – مجموعة قصص – (اتحاد كتاب الانترنت المغاربية) كتاب الكتروني في الانترنت ومئات كثيرة من الأعمال القصصية والمقالات والنقد التي لم تجمع بكتب بعد ، لأسباب تتعلق اساسا بغياب دار للنشر، تأخذ على عاتقها الطباعة والتوزيع.
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.