مندوسهم مندوسهم

” أيهم نور الدين “
..

على الحواجز المنتشرة في كل زوايا وخبايا وطلعات ونزلات وطني الكبير الممتد من مصب نهر الرميلة على المتوسط غرباً , وصولاً إلى ساقية بعيرة في قرية عين ديوار على الحدود السورية العراقية شرقاً عشرات الآلاف من المآسي كل يوم .. أغلبها مبكٍ , وقليلها من ” المضحك المبكي ” كما هي قصة اليوم .

كان المهندس جاسم ” صديق صديقي خلف صاحب الساق اليتيمة الذي حدثتكم عنه سابقاً ” ينتظر كغيره من المواطنين عند زاوية أحد الشوارع الفرعية في إحدى المحافظات الواقعة في الشرق البعيد , حتى يأذن له المجند الركن ويتكرم بمطابقة هويته مع لائحة لا تنتهي من أسماء المطلوبين .

قبل انتهاء النهار جاء دوره :
– هويتك ولاه .
– تفضل سيدي ” يقولها جاسم باحترام “

يمسك المجند المثقف الهوية بالمقلوب , ثم ينتبه لخطئه بسبب الصورة , فيشقلبها شقلبة الواثق العارف ويبدأ بالتدقيق الممل عبر المطابقة الرسومية , فهو – كغيره من جنود الوطن الشرفاء – أمي لا يقرأ ولا يكتب , وهو يستمرئ أيضاً كغيره من الشرفاء أوابد وأساطير قنوات الدنيا والإخبارية .

كان التدقيق الرسومي بسيطاً للغاية , فالعصا والكعكه وقرص الكبة والخمسة والطمسة تلعب دوراً مهماً في الكشف عن المندسين .

لم يكن التدقيق الرسومي وحده أداة الكشف , فالوجوه القبيحة والجميلة والأنيقة والمتسخة والواثقة والخائفة , جميعها وجوهٌ مندسة .. وبعد مشاكل القرداحة الأخيرة لم يعد الرطن بالقاف سبباً للنجاة , فقط اللحوم الطرشاء الجامدة التي تخلو من العواطف والتعابير , وتسكنها جميعاً علائم اللامبالاة والانفصال عن الواقع كنسخ مكرورة عن غرباء ألبير كامو وجيمس جويس كانت هي التي تنجو من مقاصل الحواجز .

لم يجد المجند الألمعي ما يريب بإسم جاسم وكنيته الخالية من الخمسات والطمسات , وهذا الجاسم أصلاً لا علاقة له بالسياسة والرياسة .

نظر إليه المجند نظرة فاقت بعمقها نظرات نوسترادموس والسيد الألوسي ومايك فغالي عند ضرب المندل لتعزيز فراسته للمرة الأخيرة تمهيداً ليقول له جملة الفَرج : ( حليق .. اللي بعده ) .
عندها , وعندها فقط رن الموبايل .

كانت نغمة الرنين التي اجتاحت صمت الكآبة المخيم على البشر تلعلع .. موبايل الجالاكسي ذو الصوت الثلاثي وربما الخماسي الأبعاد ينقل تفاصيل النغمة أحسن من أي مجموعة صوت أم الأربعين بافل .
الـجالاكسي بشكل عام كان منافساً شرساً لذلك الموبايل اللعين ( أبو تفاحة مقضوضة ) وله مميزات صوتية ومرئية أفضل بكثير أحياناً .

ألم نقل لكم أن جاسماً مهندسٌ ناجح و… مقرش أيضاً .

كانت أغنية ( مندوسهم مندوسهم .. آل الأسد مندوسهم ) هي نغمة الرنين الافتراضية التي وضعها له أخوه المراهق بالأمس دون رغبته منعاً للقيل والقال من قبل الجيران والأصحاب , فجاسم الذي يكن معنياً بالثورة والعرعور والغليون إلا من باب المعرفة بالشيء لا أكثر قد بات مصدراً للأقاويل والشائعات بأنه من مؤيدي النظام وهى سبة ليس بعدها سبة في بلدته البعيدة .

سمع الرقيب والعريف وجميع جنود الحاجز هذه الأغنية بالوضوح نفسه الذي سمعه بها المجند الركن وجاسم نفسه .

انتفض حضرة الرقيب مسؤول الحاجز .. كان هذا الرجل السيكوباتي الفنان لا يخلو – كما يبدو – من طرافة الشر .
صاح بالمجند : عطيني هويته لقلك .
أعطاه المجند الهوية .. تطلع إليها ملياً ثم رفع رأسه ببطئ :

– شو يا جاسم يبك , مندوسهم قلتلي .
– والله العظيم يا سيدي هاد مو ………

يقاطعه الرقيب :
– بلا مو بلا مو مو , اسمعني منيح :: شكلك آدمي وطيوب وابن ناس , أنا ما بدي ساوي معك شي يضرك .. بس كل ما حدا اتصل فيك بدي ضل دولبك بالرباعي ليسكر الخط .

أدخلوه إلى المهجع وبدأت المآساة .
لم يزعجه أحد , ساووا له كباية شاي ,أخد الزلمة ( روح ) وبدأ بالحديث نصف الأخوي مع العناصر .

أمسك بكباية الشاي .. وعند الرشفة الأولى رن الموبايل .
وهنا بدأت الحفلة .. دولاب يا خده , دولاب يجيبه , لسكر الخط .
– كمل شايك ولاه ” يقول أحد المتطوعين ” .

كانت الغصة في حلقه أكبر من أن تذهبها رشفة من ذلك الشاي الملغوم بالنشارة الذي توزعه هيئة الإمداد والتموين بالجيش العربي السوري لجنودها البواسل .

عندها أيضاً رن الموبايل مجدداً .. دولاب جديد مرتب أكتر من الأول .
انتهت كاسة الشاي بأربع دواليب ونص , آخر مكالمة كانت كما يبدو من شخص ابن آوادم اكتفى بأربع رنات فقط .

بعد ساعة أحبوا تدليله بكاسة شاي تانية :
منشان الله ” صرخ جاسم ” كل شي الا الشاي .
– جيبوا له كزوزه ” يصرخ الرقيب ” .

كانت الكزوزة أشد إيلاماً من حلة شاي , فأهل جاسم القلقين عليه بدؤوا بالرنين المتواصل .. أخوه وابوه وأمه وأخوته جميعاً يملكون موبايلات , العائلة كلها مقرشة و لذا لم يهدأ الرنين .
كان جاسم يعول على سرعة انتهاء بطارية الـجالاكسي لينتهي العذاب , خصوصاً وأن الجنود طيبون ويعاملونه بكل محبة عندما يتوقف الموبايل عن الصداح .

الرقيب المقفّل يدرك هذا أيضاً .. كان محل كبير لبيع إكسسوارات الموبايل موجود بجانب الحاجز .. أرسل الرقيب أحد جنوده البواسل للصلبطة على شاحن .. لم يجدوا طلبهم بدقة , لكن صاحب المحل حب يخدم فأعطاهم شاحن موبايل ب . ب الذي يمكن له شحن هذا النوع من الموبايلات بكل بساطة .

لم تكن شركة بلاك بيري تدرك أنها أساءت كثيراً لجاسم بهذه التقنية التي تتيح شحن موبايلات غيرها من الشركات .
….
مرت على القصة أكثر من خمسة وعشرين يوماً , وما زال جاسم يلاقي الويلات عند ذلك الحاجز , الشيء الطيب أن جنود الحاجز لم يسلموه لفرع الجوية , ولعله بسبب الرقيب السيكوباتي الذى جعل منه تسليته الوحيدة منذ منعت المخابرات العسكرية وجود التلفزيونات لدى الجنود على الحواجز .
..
يا أهل وأصحاب وأحباب جاسم .. لا عاد حدا يتصل فيه كرمال الله .

جبلة – حارة التغرة / شتاء 2014

About أيهم نور الدين

أيهم نور الدين اديب سوري
This entry was posted in الأدب والفن, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.