مناورات إدارة بايدن للعودة إلى الاتفاق النووي

W Phares DC

هناك من يضغط داخل البيت الأبيض باتجاه الإسراع بالرجوع لمعادلة 2015
وليد فارس الأمين العام للمجموعة الأطلسية النيابية
من أهم التساؤلات المطروحة أمام المراقبين في واشنطن، وأمام قيادات ورأي عام مجتمعات الشرق الأوسط، تلك التي تتعلق بالخطوات التي سوف تتخذها إدارة الرئيس جو بايدن المولودة حديثاً، تجاه العودة أو لا إلى الاتفاق النووي مع إيران، الذي وقعه فريق باراك أوباما في 2015 والذي انسحب منه فريق دونالد ترمب في 2018، والسؤال الأكثر تحديداً هو حول وجود استراتيجية لفريق بايدن للعودة إلى هذا الاتفاق، على ضوء كل التطورات المتتابعة لنصف عقد.
لقد أجبت أكثر من مرة بأن إدارة الرئيس بايدن وكمالا هاريس هي عائدة حتماً إلى معادلة الاتفاق، بطريقة أو بأخرى، وعللت ذلك لسببين كبيرين، الأول، وهو أصغر السببين، مرتبط بعودة فريق إدارة أوباما إلى مقاليد الحكم، لا سيما إلى دوائر الخارجية، بالتالي، فهم عائدون إلى ملفاتهم التي تركوها في بداية 2017، وهم الآن عائدون إليها، وعلى رأسها الاتفاق.
والسبب الثاني، وهو الأكبر، وإن لا يبدو واضحاً في الإعلام، هو الضغط الذي تمارسه التكتلات الاقتصادية التي كانت لها مصالح مالية واستثمارية ولا تزال في الاتفاق النووي، هذه الشركات والمصالح كانت قد خططت للدخول إلى الأسواق الإيرانية والتابعة لطهران في المنطقة، في بداية 2016، وبمساعدة إدارة أوباما، كانت تستعد لتوسيع استثماراتها تحت إدارة كلينتون، إلا أنها صدمت بانتخاب ترمب، واضطرت إلى تجميد برامجها مع خروج هذا الأخير من الاتفاق في 2018، أما بدخول بايدن البيت الأبيض، فضغطها للعودة إلى الاتفاق بات كبيراً على الإدارة الجديدة، ما يفسّر استعجال البعض في البيت الأبيض، كمستشار الأمن القومي جاك سوليفان، للإسراع، بينما وزير خارجية بايدن، بلينكين، يتكلم عن “تمهل في العودة”. السؤال هو حول ما يجري داخل أروقة البيت الأبيض: هل هناك إسراع، أم هنالك تمهل؟
لماذا التمهل في العودة؟


سمعنا ولا نزال نسمع أن فريق الرئيس بايدن “متأنٍّ” جداً في ما يتعلق بعودة سريعة، غير مدروسة إلى الاتفاق النووي، لما في ذلك من مخاطر الوقوع بأخطاء ومطبات قد تأتي بسلبيات أكثر من إيجابيات، وهذه لائحة سريعة لأسباب التأنّي، أولاً، الوضع الداخلي دقيق جداً ومنقسم إلى أبعد الحدود، إذ إن هناك جلسات محاكمة في مجلس الشيوخ بحق الرئيس السابق دونالد ترمب في محاولة لعزله، مع العلم أن ليست هناك أصوات كافية للحكم عليه، إلا أن معارضة الجمهوريين خلال وبعد المحاكمة قد تأخذ من موضوع علاقة الإدارة بإيران مادة إعلامية غزيرة، وثانياً، هناك رأي عام واسع في الداخل الأميركي يعارض أية علاقة تعيد القوة إلى النظام الإيراني بأي شكل، في وقت يحتاج بايدن إلى حد أدنى من وحدة داخلية في ملفات أخرى، وثالثاً، تعرف الإدارة الجديدة أن طرفين أساسيين في المنطقة، غير راضيين عن عودة أوتوماتيكية إلى اتفاق يرفع العقوبات عن إيران، ويغدق بالسيولة عليها، وهما التحالف العربي وإسرائيل.
لهذه الأسباب وغيرها من مسائل قانونية عديدة تتعلق بالإجراءات التي تتحكم بالعودة إلى الاتفاق، التي وضعتها إدارة ترمب، نرى أن “العودة” الكاملة السريعة ليست سهلة، ولكن بالوقت نفسه ليست مستحيلة. من هنا تصدر، وستصدر مواقف متتالية من إدارة بايدن للتطمين ألا عودة غير مدروسة، وغير مشروطة، وغير ملائمة، للاتفاق، وهي عبارات بقيد الاستعمال الآن، وقد تأثر البعض في عالم التحليل والصحافة بهذا الخطاب، فنقل إلى المنطقة أن إدارة بايدن لن تعود، أو ستعود باتفاق يرضى عليه المعترضون من أميركا إلى الشرق الأوسط، بمن فيهم العرب وإسرائيل. نقل الخطاب صحيح، ولكن فهمه غير دقيق في العمق.
لماذا الإسراع؟
داخل الإدارة هناك من يضغط باتجاه الإسراع بالعودة إلى معادلة 2015، أياً كان الشكل، فبالإضافة إلى ضغط تكتلات المصالح المرتبطة بالاتفاق السالفة الذكر، هناك سبب سياسي استراتيجي للإسراع، “فالمحور الإبراهيمي” الذي ولد من رحم اتفاقيات السلام العربية- الإسرائيلية، ما لم تبدأ “عملية السلام” مع النظام الإيراني، قد يتوسع ويضع ضغطاً استراتيجياً لا يطاق بالنسبة لإيران، بالتالي، فالقيادة الإيرانية تضع ضغطاً للإسراع على المصالح “الموعودة” بالأسواق الإيرانية، وهذه المصالح بدورها تضغط على الإدارة، إذاً، “الإسراع” بات ضرورياً بطريقة أو بأخرى، ويترجم ذلك داخلياً في الولايات المتحدة بتكثيف الهجمات السياسية ضد ترمب ومجموعته التي بسببها انقطعت هذه المصالح ثلاث سنوات.
إذاً ما بين الضغطين، التمهل والإسراع، ماذا عسى فريق بايدن أن يفعل؟ عملياً، وكما نراه ونسمعه من كبار المسؤولين في الإدارة، نرى الاثنين معاً، وزير الخارجية يتكلم عن التمهل، ومستشار الأمن القومي يتكلم عن الإسراع، فكيف يمكن إذاً أن تتحرك الإدارة؟ كما أشرنا إليه في مقالات سابقة، ستقوم الإدارة بفتح بعض النوافذ على النظام، كي تبدأ عجلة التفاوض في ظل وصول بعض السيولة، ولكن من دون ضجيج يثير قلق “المعترضين” على الاتفاق.
أما من ناحية ثانية، فستقوم الإدارة “بتبديد” القلق والسخط والخوف، عبر الكلام عن شروط قوية، وعن مشاركة خليجية، وعربية، وشرق أوسطية في التفاوض مع إيران، وتطمين إسرائيل “بالوقوف إلى جانبها دائماً”. اذاً، فتح بعض الأوكسيجين لإيران من ناحية، وتطمين الكتلة الإبراهيمية من ناحية ثانية. ولكن إلى متى؟
باعتقادي، ستعتمد إدارة بايدن على سياسة براغماتية عميقة حتى تصل إلى مرحلة السيطرة على الأوضاع الداخلية والخارجية بحزم، وبعد ذلك ستكشف عن خططها البعيدة المدى الفعلية، التي تعتقد أنها الأكثر ملاءمة للمنطقة، والتي تحتاج إلى ظروف أكثر ملاءمة من الظروف الحالية، أما ما هي هذه الخطط، فسنكتب عنها عندما يأتي الوقت المناسب.
أما بين الآن وذلك المستقبل الوسيط، فكل ما هو على بساط البحث قد يتبدل. فالرياح لا تزال شديدة هنا وهناك.

This entry was posted in دراسات سياسية وإقتصادية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.