منابع الإسلام من العراق للشام – الحلقة الأولى

المقدمة
الإسلام لم يظهر مكتملاً ولم يكتمل في حياة محمد، كما يزعم شيوخ الإسلام. محمد لم تكن له فكرة مكتملة عن الدين الجديد الذي بدأ كطائفة نصرانية دون أي معالم واضحة. عندما بدأ محمد بدعوته، بدأ بسور قرآنية قصيرة، قوامها السجع الذي يُقلّد سجع الكهان في ذلك الوقت وتحكي قصص أنبياء بني إسرائيل كما سمعها محمد. وطوال فترة إقامته في مكة – ثلاث عشرة سنة – لم يتحدث محمد عن أي تشريع أو قواعد لدينه الجديد لأن فكرة الدين لم تكن مكتملة في عقله. فلم تكن هناك صلاة ولا حج ولا زكاة، و لا تشريع للحدود الإسلامية. وحتى بعد أن هاجر إلى يثرب كانت أغلب آيات القرآن المديني تتحدث عن القتال لأنه كان قد كوّن جيشاً يتطلع أفراده للمكاسب المادية التي سوف يحصلون عليها مثل الغنائم والسبايا. وتدريجياً أدخل محمد الطقوس والتشريع حسب ما اقتضته الحاجة. وحتى عندما اكتملت رسالته بموته، لم يكن الفقه معروفاً ولم يكن القرآن مكتوباً في مصحف، ولم تكن تشريعاته قد أخذت شكلها النهائي الذي نعرفه الآن. وعندما اكتملت لم يأت الإسلام بجديد يستدعي إله السماء إرسال رسول جديد. فالإسلام في جوهرة عبارة عن مقتطفات من الأديان التي سبقته في فارس والعراق وفلسطين، ومن عادات وتقاليد عرب ما قبل الإسلام، كما سوف أوضح في هذا الطرح.
المسلمون وكذلك غير المسلمين المهتمون بدراسة الإسلام يستقون معلوماتهم عن الإسلام من كتب التراث مثل “تاريخ الرسل والملوك” للطبري والمعروف اختصاراً بتاريخ الطبري، و “المنتظم في التاريخ” لابن الجوزي، أو السيرة النبوية لابن هشام. كل هذه المصادر لا تسوى الحبر الذي كُتبت به لأن مؤلفيها لم يتحققوا من المعلومات التي أوردوها في كتبهم. عالم الاجتماع العراقي علي الوردي (ت عام 1995م) كان يسمي مؤلفي هذه المصادر “الإخباريون” لأنهم نقلوا لنا الأخبار كما سمعوها بعد مئات السنين من تاريخ حدوثها المفترض دون أي تمحيص. ثم أن طول المدة الزمنية بين ظهور الإسلام وكتابة هذه المراجع في الدولة العباسية تجعل الثقة فيما جاء بها مهزوزة لأن طبيعة الذاكرة البشرية تجعلها قابلة للنسيان وللزيادة والنقصان في القصص أو الأخبار التي ظلت متناقلة شفاهةً على مدى مائتين أو أكثر من السنين. فكل المراجع الإسلامية كُتبت بعد مرور أكثر من مئة وخمسين عاماً على التاريخ المزمع لوفاة رسول الإسلام في عام 632 بعد الميلاد. إن أول من كتب عن رسول الإسلام هو محمد بن إسحق (ت عام 770م)، وابن هشام (ت 833م)، البخاري (ت 870م). ومحمد بن جرير الطبري (ت923م)،


إذا أخذنا كتاب تاريخ الملوك والرسل للطبري نجده يقول في مقدمته (وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة ولا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا ) (1)
فها هو المؤلف يقول إن ما نقله لنا كان دون الاستخراج بالعقول إنما نقل إلينا ما نقله إليه الأخرون دون نقد أو تمحيص. فمثل هذا التاريخ مثل القصص الشعبي الذي ترويه الجدات للأحفاد. ويظهر هذا جلياً لكل شخص يقرأ تاريخ الطبري ويتمعن في محتوى القصص فيه مثل قصة بناء الكعبة. أما كتاب السيرة النبوية لمؤلفها المصري عبد الملك بن هشام (ت 834 م) فهو عبارة عن اختصار للسيرة النبوية لمؤلفها محمد بن إسحق الذي ولد في المدينة وهاجر إلى بغداد (ت 767م ) وكان كتابه أول كتاب عن سيرة نبي الإسلام الذي توفي في العام العاشر للهجرة (632م). وكتاب ابن إسحق لم تصلنا منه أي نسخة ولا نعلم عنه شيئاً ألا ما نقله عنه ابن هشام. يقول ابن هشام في مقدمة كتابه عن السيرة النبوية “تركت بعض ما ذكره ابن إسحق في هذا الكتاب مما ليس لرسول الله فيه ذكر ولا نزل فيه من القرآن شيء وليس سبباً لشيء من هذا الكتاب ولا تفسيراً له ولا شاهداً عليه إلا ما ذكرت من الاختصار، وأشعاراً ذكرها لم أر أحداً من أهل العلم بالشعر يعرفها، وأشياء بعضها يشنع الحديث به، وبعض يسوء بعض الناس ذكره، وبعض لم يقر لنا البكائي بروايته” (2)
ابن هشام الذي نقل لنا أول كتاب كُتب عن سيرة نبي الإسلام أباح لنفسه أن يحذف ما لم يعجبه من الكلام عن نبي الإسلام، وما يعتقد أنه قد يسوء بعض القراء، وكذلك ما لم يسمع به من الشعر وما لم يقر به البكائي – زياد بن عبد الله البكائي الكوفي – (ت 799م) وكان من تلاميذ ابن إسحق. وبالتالي نحن لا نعلم الاجزاء التي حذفها ابن هشام لأنها لم تحز على إعجابه. فابن هشام قد نصّب نفسه رقيباً على المطبوعات وحذف ما اعتقد أننا لا يجب أن نطلع عليه.
ولكن لحسن حظنا فهناك ألواح من الحجارة نحت عليها معاصرو الأحداث ما شاهدوه بأعينهم، وكذلك هناك عدة مراجع تاريخيه كتبها مؤرخون يونان ورومان كانوا قد عاصروا الأحداث أو أتوا بعدها بقليل. وباستطاعتنا الآن أن نقارن بين ما كتبه الإخباريون المسلمون وما كتبه المؤرخون غير المسلمين والذين ليس لهم دافع في فبركة الأحداث، كما فعل الإخباريون المسلمون، يدفعهم في ذلك حرصهم على إظهار نبي الإسلام في أبهى الصور، وانتصاراً لدبنهم.
سوف أناقش في هذا الكتاب تاريخ مكة قبل ظهور الإسلام لنعرف هل حقاً كانت مكة مدينة مهمة قبل ظهور الإسلام، وهل كانت بها تجارة وقوافل تجارية سافر فيها نبي الإسلام إلى الشام واليمن. أم هل كانت القرية غير موجودة أصلاً. وسوف نناقش بالضرورة طرق التجارة التي كان أهل الجزيرة العربية يسلكونها، ثم نتعرض لحالة العرب في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، وانتشار المسيحية واليهودية بين العرب في تلك الفترة، ثم نستعرض المنابع التي استقى منها نبي الإسلام قرآنه.
نفس كتب التراث هذه تخبرنا أن مكة كانت معروفة منذ القدم وأن إبراهيم الخليل أتى مكة مع ابنه إسماعيل وبني الكعبة. كل هذه الادعاءات تعارض الحقائق الجغرافية والتاريخية. وسوف نتعرض لها بالتفصيل وبالمراجع التاريخية والجغرافية.
الفصل الأول في الكتاب سوف يستعرض مكة ومكانتها التاريخية ويفند ادعاءات الإخباريين في كتب التراث.
الفصل الثاني سوف يستعرض حالة العرب في الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، الآلهة التي كانوا يعبدونها، وانتشار المسيحية واليهودية بينهم، وأنهم لم يكونوا يعيشون في حالة جاهلية كما تدعي كتب التراث
الفصل الثالث سوف يستعرض القصص الشعبي الذي اعتمد عليه نبي الإسلام في كتابة قرآنه، والمصادر التي استقى منها تشريعاته، والشعراء الذين أخذ منهم محمد جزءاً كبيراً من آياته القرآنية.
وقد اعتمدت في بحثي هذا على مراجع كثيرة أهمها كتاب قيم للباحث الكندي دان جبسون، الذي أثبت بالدليل القاطع أن البتراء، في الأردن، هي المدينة المقدسة للإسلام، ولست مكة الحالية.
المراجع:
(1) الطبري، محمد بن جرير: تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيرون، الطبعة الأولى ، ج 1، ص 13
(2) ابن هشام، محمد بن عبد الملك، سيرة النبي، دار الصحابة للتراث بطنطا، الطبعة الأولى، 1995، ج1، ص 41

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.