منابع الإسلام – الفصل الثالث – 9 : المانوية والإسلام:

المانوية والإسلام:
استلف محمد أشياء كثيرة من المانوية، وربما يكون سلمان الفارسي قد ساعده في ذلك. ولد ماني في بابل عام 261 ميلادية في أسرة ميسورة، وسافر كثيراً عندما كبر فزار بلاد فارس والهند والصين. زعم أنه نبي مرسل من الله بدين جديد ليكمل ما بدأه موسى وعيسى وزرادشت.
وفرض على المؤمنين عامة أداء ضريبة العشر، والمحافظة على الصيام والصلاة. وكانوا يصومون سبعة أيام كل شهر، ويصلون أربع مرات في اليوم على أن يتطهروا قبل الصلاة بالماء الجاري أو في حالة الضرورة، بالرمل، أو بما يماثله، وان يسجدوا اثنتي عشرة مرة في كل صلاة. وقد كانت الزكاة فرضاً عليهم (53)
ويورد د. عبد الرحمن بدوى ما قاله المستشرق هانز هينرش شيدر أن مانى كان يحسب نفسه خاتم الأنبياء وانه عدَّ نفسه من نفس ماهية الأنبياء السابقين. كما يتعلق موقفه السلبي من المسيح الذى مجده النصارى على أساس انه صُلِبَ وتحمل الآلام من أجلهم، بينما ماني قد رفض فكرة الصلب وعدها خرافة، وقال بمسيح روحي خالص (54). أعلن ماني انه هو الذي جاء ليتمم عمل زرادشت وبوذا والمسيح، فهؤلاء جميعا شذرات ناقصة من الحقيقة، لكن حتى هذه الشذرات قد أفسدها اتباعهم. لقد خلق ماني، دينا جديدا وزوده بالطقوس والآداب الدينية، وحرم الأوثان. وانتشرت المانوية في فارس، والإمبراطورية الرومانية حتى روما، وفي بلاد العرب ومصر.
اعتبر ماني أن المرأة مصدر غواية للرجل، ومصدرا مظلما للشهوات المادية والجسدية التي تحرم الرجل من الصفاء الروحي الذي بدونه لن يستطيع الاتصال بالنور الإلهي. ونرى أن محمداً قد اقتبس الكثير من المانوية مثل رفضه فكرة صلب المسيح، وأنه خاتم الأنبياء، كما جاء في قرآن محمد (وما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) (الأحزاب، 40). كما اعتنق محمد أفكار ماني عن المرأة. والتيمم بالرمل، وادعاء أن اليهود والنصارى قد حرّفوا كتبهم المقدسة.

اعتماد محمد على الشعر الجاهلي:
لقد اعتمد محمد على الشعر الجاهلي كثيراً في تكوين قرآنه، وخاصة على شعر الأحناف مثل أمية بن أبي الصلت. عُرفت الحنفية منذ زمن طويل في الجزيرة العربية وكان كعب بن لؤي بن غالب ( أحد أجداد الرسول) في زمرة الأحناف. (55). ويقول الأخباريون إن العرب كانوا موحدين يعبدون الله إلى أن جاء الكاهن الخزاعي عمرو بن لُحي الذي أدخل الوثنية وعبادة الأصنام إلى الجزيرة العربية في منتصف القرن الثالث الميلادي. ويقول ولهوزن إن الحنيفية كانت مذهباً من النصرانية بينما يقول ولفستون وطائفة أخرى من المستشرقين إن الحنيفية طائفة من اليهودية غير أنها لم تؤمن بجوهر هذه الديانة (56). ويقول بعض المستشرقين إن الأحناف هم الأبيونيون
Ebionites
الذين كان مذهبهم يعتمد على التخلص من الممتلكات الدنيوية وتقسيمها على الفقراء على أمل أن يعوضهم الله ممتلكات في الجنة. فمذهبهم يعتمد على الإيمان بالله، والبعث والحساب والجزاء يوم القيامة.
وأشهر الأحناف كان مسيلمة ( ثمامة بن حبيب) الذي عُرف ب ” رحمان اليمامة). كان يمثل دين الحنفاء في اليمامة. ثم انتقلت الحنفية من نجد إلى الحجاز، ربما عن طريق التجارة. يقول الأخباريون إن الحنفية دخلت مكة بصفة محدودة جداً. يقول الطبري إن مسيلمة كان يرى نفسه نبياً مرسلاً من الرحمن وصاحب رسالة وعُرف بين أتباعه أنه رسول الله. وإن الرسول محمد كان حنيفياً وعلى صلة بمسيلمة وغيره من الأحناف. وقد فطنت قريش إلى هذا وقالوا للرسول ” إنما يعلمك رجلٌ يقال له الرحمن ولن نؤمن به أبداً ” ( الطبري ج3، ص 508). وذكر الإخباريون أربعة حنفاء فقط كانوا في مكة هم: ورقة بن نوفل، وعثمان بن الحويرث، وعبد الله بن جحش، وزيد بن نفيل. ومنهم من تنصر فيما بعد كورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث ) (57).


وجاء ذكر الحنيفية في القرآن في اثنتي عشرة آية، وفي تسعة سور أغلبها يتحدث عن ملة إبراهيم حنيفاً ومن خلال الحنفية وذكرها في القرآن يتبين لنا أن الإسلام لم يكن ديناً جديداً في مكة في مطلع القرن السادس الميلادي. وأن الإسلام هو الحنيفية وأن الحنفاء هم المسلمون. وأن الشريعة الإسلامية هي الحنيفية السمحة السهلة (58). وأن مبادئ الإسلام وأركانه كانت موجودة في الجزيرة العربية وفي صدور الحنفاء وعقولهم قبل أن يقول بها الرسول. وأن الإسلام قديم قدم تاريخ إبراهيم فهو أبو الإسلام لقول القرآن: (وما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً ) ( آل عمران 67). لم يبين لنا القرآن كما لم يبين لنا محمد أو أي مصدر آخر الفرق بين ملة إبراهيم وبين اليهودية والمسيحية. ولم يقل لنا القرآن ما هو الفرق بين إسلام براهيم وإسلام محمد أو بين إسلام الحنفاء وبين إسلام محمد.

وأشهر شعراء الأحناف هو أمية بن أبي الصلت، الذي قال عنه محمد “آمن قلبه ولم يؤمن شعره”. وكان محمد يحفظ شعر أمية رغم أنه زعم أنه يكره الشعر والشعراء. قال أمية في وصف الجنة:
إن الحدائق في الجنان ظليلة **** فيها الكواعب سدرها مخضود (59)
والقرآن يقول: ” وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين. في سدر مخضوض ” ( الواقعة، 27-28)
وواضح من هذه الآيات أن القرآن أخذ الشعر وأعاد صياغته دون الالتفات إلى المعنى، لأن شجر السدر من أسوأ أنواع الشجر في المناطق شبه الصحراوية والسافانا، لأنه يفتقد إلى الأوراق الخضراء الكبيرة ويحل مكانها شوك قويٌ كبير. وشجرة السدر لا تعطي أي ظل يُذكر. ولما تشكك بعض الأعراب في هذا الوصف للجنة وقال أحدهم لمحمد: يارسول الله كيف يكون في الجنة شجرٌ مؤذي ؟ سأله الرسول: وأي شجر هذا ؟ فقال له: السدر! فإن لها شوكاً مؤذي. رد عليه محمد: ” ألم تقرأ أنه سدر مخضود، فقد خض الله شوكه فجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام.” وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: ” في سدر مخضود ” وهو الموقر حملاً. وقال سعيد بن جبير: ثمرها أعظم من القلال. ويقول ابن كثير في تفسيره: قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وأبو الأحوص وقسامة بن زهير والسفر بن قيس والحسن وقتادة وعبد الله بن كثير وغيرهم: هو الذي لا شوك فيه. وعن ابن عباس: هو الوقر بالثمر. وفي رواية أخرى أن النبي قال: ” إن الله يجعل في مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصوة التيس الملبود، فيها سبعون لوناً من الطعام لا يشبه لون الآخر .” ويظهر من هذا أن المفسرين لا يتفقون على معنى كلمة ” مخضود “، هل هي كثيرة الثمر أم التي لا شوك بها ؟ أما المنجد فيقول في تفسير كلمة ” خض “: ( خضض الجارية: زيّنها بالخضض، والخضض هو الخرز الأبيض. خض وخاض مخاضةً: بايعه معارضةً. الخضض: السقط في المنطق، يقال ” منطق خضض” أي غير صحيح.” ومخض اللبن: أخرج زبده، فهو لبن مخيض. ومخض الشيء: حرّكه شديداً. ومخض بالدلو: ضرب بها في ماء البئر لتمتلئ. ومخض البئر بالدلو: أكثر النزع منها بدلائه. ومخضت الحامل: دنت ولادتها.) ثم لماذا اختار الله السدرة ونزع عنها شوكها ثم حمّلها بالفواكه الكبيرة بدل النبق؟ لماذا لم يقل شجرة مانجو (منقة) أو شجرة اللبخ وافر الظل؟ والجواب طبعاً هو أن عرب مكة لم يكنوا قد رءوا غير شجر السدر في الصحراء، ولم يكونوا يعرفون المانجو أو اللبخ ولا حتى شجرة الأرز المنتشرة في ربوع لبنان
وعندما تحدث أمية عن البعث والحساب وسقر، قال
يقول خُزانها: ماكان عندكمُ **** ألم يكن جاءكم من ربكم نُذرُ
قالا: بلى فتبعنا فتيةً بطروا **** وغرنا طول هذا العيشِ والعمرُ
قالا: امكثوا في عذاب الله مالكمُ **** إلا السلاسلُ والأغلالُ والسعرُ
فذاك عيشهمُ لا يبرحون به **** طول المقام وإن صحّوا وإن ضجروا
وآخرون على الأعراف قد طمعوا **** بجنةٍ حفها الرمانُ والخُضرُ
والقرآن أخذ هذا الشعر وأنشأ سورة كاملة سماها (الأعراف) والعرب المعاصرون لم يكونوا يعرفون معناها، وقال: (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلاً بسيمائهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) (الأعراف 46).
وقال رؤبة بن العجاج، أحد الشعراء الجاهليين، وهو يرجز عن قصة أبرهة والفيل:
ومسهم ما مس أصحاب الفيل **** ترميهم بحجارة من سجيل
ولعبت بهم طير أبابيل (60)
والقرآن يقول: ” وأرسل عليهم طيراً أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل (سورة الفيل، 3-4)
وقال مطرود بن كعب الخزاعي:
المنعمين إذا النجوم تغيرت **** والظاعنين لرحلة الإيلافِ (61)
وفي القرآن: ” لإيلاف قريش. إيلافهم رحلة الشتاء والصيف ” ( قريش، 1-2)
وقال أمية بن أبي الصلت:
كل دين يوم القيامة عند **** الله إلا دين الحنيفة بور(62)
والقرآن يقول:
“قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوماً بورا” (الفرقان، 18)
وقال أمية بن أبي الصلت:
أم اسكن الجنـة التي وعد**** الأبرار مصفوفة نمارقهـا
والقرآن جاراه وقال: ” أكواب موضوعة. ونمارق مصفوفة ” ( الغاشية 14-15 )
. وقد قال أمية بن أبي الصلت عن يونس والشجرة التي نبتت على الساحل لتظله عندما قذفه الحوت:
فأنبت يقطيناً عليه برحمةٍ **** من الله لولا الله ما بقي صاحيا (63)
والقرآن يقول (وأنبتنا عليه شجرةً من يقطين) (الصافات 146) مع ملاحظة أن نبات اليقطين ليس شجراً
وقال كذلك: وأسلمت وجهي لمن أسلمـت **** له الأرض تحمل صخراً ثقالاً
دحاهاا فلما رآها استوت على **** الماء ،أرسى عليها الجبالا (64)
والقرآن يقول: ” والأرض بعد ذلك دحاها. أخرج منها ماءها ومرعاها. والجبال أرساها ” (النازعات،30-32)
ويتضح من هذه العجالة عن شعر الأحناف والقرآن أن محمداً اعتمد على الشعر في جزء كبير من قرآنه، كما استعان بالديانات الأخرى مثل المانوية واليهودية والمسيحية.
المراجع:
(53) https://www.coptichistory.org/new_page_1866.ht

(54) عبد الرحمن بدوي، الإنسان الكامل في الإسلام، وكالة المطبوعات، الكويت، ص 40
(55) عبد العزيز سالم، دراسات في تاريخ العرب قبل الإسلام، مؤسس شباب الجامعة، الإسكندرية، لا تاريخ، ص 438
(56) د. شاكر النابلسي، لو لم يظهر الإسلام ما حال العرب الآن، دار الآفاق الجديدة، بيروت، الطبعة الأولى، 2003، ص 46
(57) نفس المصدر، ص 52
(58) جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، ج6، ص 456
(59) الإمام القرطبي، جامع البيان في تفسير القرآن، دار الكتب المصرية، القاهرة، 1946، ج 2، سورة الواقعة، آية 28
(60) سيرة ابن هشام، ج 1، ص 175
(61) نفس المصدر، ص 176
(62) كتاب البدء، نقلاً عن النصرانية وآدابها، للأب شيخو، ص 16
(63) نفس المصدر، ص 276
(64) سيرة ابن هشام، ج 2، ص 62

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.