منابع الإسلام – الفصل الثالث – 5 #يأجوج_ومأجوج

يأجوج ومأجوج
كتاب اليهود – العهد القديم – ذكر ماجوج أحد أحفاد نوح، فقال: (1 وهذه مواليد بني نوح: سام وحام ويافث، وولد لهم بنون بعد الطوفان. 2 بنو يافث: جومر وماجوج وماجاي وياوان وتوبال وماشك وتيراس. 3 وبنو جومر: اشكنار وريفاث وتوجرمة. 4 وبنو أليشة وترشيش وكيتم و دوادينم) (41)
ومرة أخرى ذكر العهد القديم يأجوج ومأجوج كون ماجوج أحد أحفاد نوح وجوج هي الأرض التي أقام فيها مع أحفاده، فقال: (1 وكان إلى كلام الرب قائلاً: 2 “يا ابن آدم، اجعل وجهك على جوج، أرض ماجوج رئيس روش ماشك وتوبال، وتنبأ عليه. 3 وقل: هكذا قال السيد الرب، هأنذا عليك ماجوج رئيس روش ماشك وتوبال. 4 وأرجعك وأضع شكائم في فكيك. وأخرجك أنت وكل جيشك خيلاً وفرساناً كلهم لابسين أفخر لباس، جماعة عظيمة مع أتراسٍ ومجانٍ، كلهم ممسكين بالسيوف. 5 فارس وكوش وفوط معهم، كلهم بمجنٍ وخوذة. 6 وجومر وكل جيوشه، وبيت توجرمة من أقاصي الشمال مع كل جيشه، شعوباً كثيرين معك”) (42)
ولا بد أن محمداً قد سمع عدة مرات بياجوج وماجوج من معارفه المسيحيين أو حتى من بعض الفُرق المسيحية الأبوجريفية
Apogryphal
الذين حرّفوا كثيراً من القصص المسيحية واليهودية. وربما لأن محمداً قد سمع القصة من عدة مصادر، فقد جاءت قصة ياجوج ومأجوج في القرآن خليطاً من الميثولوجياً والجغرافية المغلوطة. فقد جعل الإسكندر الأكبر (ذا القرنين) رجلاً صالحاً من أولياء الله الذين تحدث معهم الله. وجعل يأجوج ومأجوج قوماً في مشرق الشمس، فقال: (ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً [83] إنّا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً [84] فاتبع سبباً [85] حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عينٍ حمئةٍ ووجد عندها قوماً قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وأما أن تتخذ فيهم حُسنا [86] قال أما من ظلم فسوف نعذّبه ثم يُرد إلى ربه فيعذبه عذاباً نُكراً [87] وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاءً الحُسنى وسنقول له من أمرنا يُسراً [88] ثم اتبع سبباً [89] حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قومٍ لم نجعل لهم من دونها ستراً [90] كذلك وقد أحطنا بما لديه خبراً [91] ثم اتبع سبباً [92] حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً [93] قالوا يا ذا القرنين إنّ يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً [94] قال ما مكني فيه ربي خيرٌ فأعينوني بقوةٍ أجعل بينكم وبينهم ردماً [95] إتوني زُبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله ناراً قال إتوني أفرغ عليه قٍطراً[96] فما اسطاعوا أن يُظهروه وما اسطاعوا له نقباً [97]) (سورة الكهف، 83-96).
ويبدو أن محمداً كان معجباً بيأجوج ومأجوج لدرجة أنه أدخلهم – بدون أي مناسبة – في سورة الأنبياء، فقال: (وحرامٌ على قريةٍ أهلكناها إنهم لا يرجعون [95] حتى إذا فُتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدبٍ ينسلون [96] واقترب الوعد الحقُ فإذا هي شاخصةٌ أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلةٍ من هذا بل كنا ظالمين [97]) (الأنبياء 95-97).


فالقارئ لسورة الكهف يفهم أن ذا القرنين سار غرباً من نقطةٍ ما على الكرة الأرضية، واتجه غرباً حتى بلغ مغرب الشمس فوجدها تغرب في عينٍ حمئة. ولا نعرف من القرآن كيف وصل ذو القرنين إلى مغرب الشمس وهو يسير على الكرة الأرضية والشمس تبعد عن الأرض ثلاثةُ وتسعون مليون ميلٍ. ثم أتجه ذو القرنين شرقاً فوصل مشرق الشمس ووجد عنده قوماً لم يجعل الله لهم من الشمس ستراً، كأنه جعل ستراً للذين عند مغربها. وهؤلاء الناس لا يكادون يفقهون قولاً، ومع ذلك أخبروا ذا القرنين عن يأجوج ومأجوج وأخبروه أنهم سوف يجعلون له كميةً من المال إن هو بنى لهم سداً يمنع عنهم يأجوج ومأجوج. وأعطاهم ذو القرنين أوامره بأن يحضروا له زُبر الحديد (من أين لهم بخام الحديد وبتلك الكمية الكبيرة) ويوقدوا عليه النار ثم يحضروا له قطرانا كثيراً ليصبه على الحديد فيصبح السد قوياً غير قابلٍ للنقب. من الصعب أن نفهم كيف يقول عنهم القرآن إنهم لا يكادون يفقهون قولاً وهم قد فهموا كل ما قاله لهم ذو القرنين. القرآن جعل يأجوج ومأجوج قوماً شرسين، بينما العهد القديم جعل مأجوج حفيداً لنوح وقال إن جوج هي الأرض التي يعيشون عليها.

أبرهة وأصحاب الفيل:
النقوش الحجرية التي تركها لنا ملوك حمير، ومنها سبعة نقوش تخص الملك أبرهة، تقول إن أبرهة أتى من الحبشة على رأس جيش كبير ليحتل مملكة حمير جنوب اليمن حوالي عام 531 ميلادية. وقد كان أبرهة مسيحياً ملتزماً وبدأ بنشر المسيحية في اليمن. وعندما ضعفت مملكة حمير أعلن أبرهة نفسه ملكاً وسيطر على أغلب الأراضي اليمنية وبني كنائس عدة، أشهرها كنيسة القليس بصنعاء. وقد خاض أبرهة معارك كثيرة ضد الممالك والقبائل اليمنية، خاصةً القبائل التي كانت تقف مع حمير. فقد غزا قبيلة معد بالقرب من الطائف، وكانت له معركة أخرى في حلبان التي تقع غرب الرياض على بعد 300 كيلومتراً. وهزم كذلك قبيلة كِندة المشهورة كما هزم قبيلة بني عامر، وأدّبهم بالإنابة عنه قائد يقال له أبجر. واضطرت القبائل المهزومة إلى رهن أبنائها عند الملك أبرهة كضمان له أنهم لن يتمردوا عليه. وبلغ كذلك بلاد قبائل خثعم وهزمهم. وقد تصدع سد مأرب في عهده فأوقف حملاته وذهب إلى مأرب ورمم السد ودعا ملك الفرس والإمبراطور جستينيان في القسطنطينية لحضور افتتاح السد، وأرسل ملك الفرس ممثلاً عنه كما أرسل الإمبراطور جستنيان ممثلاً كذلك. وقد أصبحت المسيحية في عهده منتشرةً في جميع أنحاء اليمن، خاصةً في جيزان التي بنى بها أبرهة كنيستين. وانتهى حكم أبرهة لليمن عندما غزا الفرس اليمن عام 575 ميلادية. ولم يذكر أي مصدر سواءً عربياً كان أو رومانياً أن أبرهة كان يستعمل الأفيال في غزواته. فالفيل غير قابل للعيش في صحارى الجزيرة العربية لأنه يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه (150 – 200 لتر في اليوم) ليس فقط للشرب بل ليبرد بها جسمه الذي يفتقر إلى الغدد التي تفرز العرق لتبريد الجسم.
يبدو أن الإمبراطور جستينيان شجع الملك أبرهة على مواصلة حملاته ليحتل شمال غرب الجزيرة العربية لحماية طرق القوافل التجارية ولنشر المسيحية في بقية الجزيرة العربية. ولذلك سار الملك أبرهة على رأس جيش كبير متجهاً شمال غرب الجزيرة العربية، وكانت الطائف التي تبعد قليلاً عن مكة، تحت إمرته. ولكن عندما وصل جيشه بالقرب من مكة انتشر بين الجنود طفح جلدي ربما كان الجدري أو الحصبة، وفتك المرض بعدد كبير من الجنود فاضطر الملك أبرهة إلى إجهاض حملته وقفل راجعاً إلى صنعاء. (43)
هذه الحوادث كانت قريبة جداً من التاريخ المزمع لميلاد محمد، وقد قال ابن هشام في سيرته إن عائشة قالت إنها تتذكر سائس الفيل وكانت تراه جالساً عند الكعبة. فمن المؤكد أن محمداً كان قد سمع هذه القصة الشعبية من أنداده وآبائه، وكذلك من المسيحيين في مكة، فأتى بسورة الفيل في قرآنه، لتقول لنا (ألم تر كيف ربك بأصحاب الفيل [1] ألم يجعل كيدهم في تضليل [2] وأرسل عليهم طيراً أبابيل [3] ترميهم بحجارةٍ من سجيل [4] فجعلهم كعصف مأكول [5]) (سورة الفيل)
كما قلنا سابقاً إن جميع المصادر التاريخية لم تذكر أن أبرهة كان يقود معه فيلاً في هذه الحملة. ولكن ابن هشام يقول في سيرته: (فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة وهيأ فيله وعبى جيشه، وكان اسم الفيل محموداً، وأبرهة مجمع لهدم البيت ثم الانصراف إلى اليمن. فلما وجهوا الفيل إلى مكة، أقبل نفيل بن حبيب الخثعي حتى قام إلى جنب الفيل ثم أخذ بأذنه فقال: أبرك محمود أو ارجع راشداً من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك الفيل، وخرج نفيل بن حبيب يشتد حتى أصعد في الجبال. وضربوا الفيل ليقوم، فأبى، فضربوا رأسه بالطبرزين (حديدة معقوفة) ليقوم فأبى، فأدخلوا محاجن لهم في مرافقه فبزغوه بها ليقوم فأبى. فوجهوه راجعاً إلى اليمن فقام يهرول، ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك. فأرسل الله عليهم طيراً من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه، أمثال الحمص والعدس، لا تصيب منهم أحداً إلا هلك) (44). الإخباريون المسلمون أنفسهم يقولون إن عام 570 للميلاد كان أول عام تظهر فيه الحصبة والجدري بجزيرة العرب (جواد علي، تاريخ العرب قبل الإسلام، ج 2، ص 392).
من الواضح أن القصة من القصص الشعبي، وقد تفنن القاص وسمى الفيل محموداً وجعله يفهم اللغة العربية، ويفهم بلد الله الحرام. وبعض المصادر الإسلامية تقول إن عدد الفيلة في جيش أبرهة كان ثمانية أفيال أو أكثر (جواد علي، تاريخ العرب، ج 2، ص 391). وقد كتّف الله أرجل الفيل محمود رغم أن الكعبة في ذلك الوقت كانت مكان عبادة الوثنيين وأمامها أصنام، وصاحب الفيل رجل مسيحي يبني الكنائس لله. والغريب في الأمر أنه بعد أن جاء الإسلام وأصبحت الكعبة قبلة المسلمين، هدمها عبد الله بن الزبير وبناها، ثم هدمها الحجاج بن يوسف بالمنجنيق، ثم هدم القرامطة جزءاً منها وأخذوا الحجر الأسود إلى ديارهم في الإحساء، ولم يحرك الله ساكناً ليحمي البيت الحرام. وفي سبعينات القرن الماضي عندما أحتل الشاب السعودي جهيمان العتيبي وأتباعه المسجد الحرام، اضطر الملك السعودي للاستعانة بالقوات الفرنسية التي فجرت أجزاء من المسجد الحرام للوصول إلى جهيمان وأتباعه في الباحات السفلى من المسجد، ولم نرَ الله يمنع معدات الجيش الفرنسي من هدم أجزاء من مسجد الرسول.
المراجع:
(42) سفر التكوين، الإصحاح 10)
(43) جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج2، ص 386-387

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.