منابع الإسلام – الفصل الثالث – 4

بنو إسرائيل والعجل:
قصة العجل الذي عبده بنو إسرائيل بعد خروجهم من مصر، تقول عنه التوراة أن بني إسرائيل قبل خروجهم من مصر استلفت نساؤهم ذهباً كثيراً من النساء المصريات، وعندما ذهب موسى ليكلم الله، ترك أخاه هارون مع الإسرائيليين. وعندما طال غياب موسى جمع الإسرائيليون كل الذهب الذي أتوا به من مصر وأعطوه لهارون الذي صهره وجعل منه عجلاً عبده بنو إسرائيل. وعندما رجع موسى إليهم غضب من هارون وبني إسرائيل وحطم الألواح التي كان قد أحضرها معه والتي كانت تحتوي على الوصايا العشرة. ولكن القرآن أتى بآيات مختلفة، بعضها مكية وبعضها مدنية، توضح هذا الحدث وما فعل الله ببني إسرائيل. ففي سورة ” الأعراف ” وهي مكية، نجده يقول: ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين. ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه. قال يا ابن أمِ إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلوني فلا تُشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين. قال ربِ اغفر لي ولأخي وادخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين ). إلى هنا والقصة متطابقة مع قصة التوراة. ثم يخبرنا القرآن بالعقوبة التي قررها الله على بني إسرائيل: ” إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين “. محمد أتى بالعقوبة لبني إسرائيل ليظهر أن قرآنه وحي من رب السماء الذي أخبره بعقاب بني إسرائيل. وبالطبع لم تتحق العقوبة التي قال بها القرآن، فبنو إسرائيل ما زالوا أقوياء تخضع لهم كل الدول العربية، كما تخضع لهم أمريكا.
وفي سورة ” طه ” وهي مكية كذلك، نجد القرآن يقول: (وما أعجلك عن قومك ياموسى. قال هم أولاء على أثري وعجّلت إليك ربي لترضى. قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. فرجع موسى إلى قومه غضبان أسِفا قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي. قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها. فكذلك ألقى السامري. فأخرج لهم عجلاً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى.).
وفي هذه السورة نجد أن القرآن يتخذ أسلوباً يجافي المنطق إذ كيف يسأل الله موسى عن لماذا استعجل في الحضور إليه وهو كان قد أخبرنا أنه واعد موسى ليعطيه الألواح؟ فموسى لم يستعجل إنما حافظ على وعده مع الرب. ثم ألا يعلم الله لماذا استعجل موسى إذا كان فعلاً قد استعجل، لأن التوراة لا تذكر لنا هذا الاستعجال؟. ثم لا نعلم لماذا رجع موسى غضباناً إلى قومه وكان الله قد قال له (فإنا قد فتنا قومك من بعدك) والفتنة تعني الضلال، رغم أن المفسرين يقولون إنها تعني الاختبار. فالمنجد يقول في تعريف الفتة: ” فتن فلاناً: أضله، الفتنة: الضلال والكفر. الفتّان: الشيطان لأنه يفتن الناس عن الدين “. والله نفسه يقول في القرآن: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله). فالذين في قلوبهم زيغ لا يختبرون أو يمتحنون الناس وإنما يحاولون إخراجهم من دينهم الجديد، أي يبغون ضلالهم. فإذا كان الله قد أخبر موسى أنه قد أضل قومه، لماذا يغضب موسى من بني إسرائيل ويكسر ألواحه؟


ثم من هو هذا السامري الذي أضل قوم موسى ؟ أصل الاسم ربما يرجع إلى ” سامراء ” في العراق، ولكن اليهود لم يعرفوا هذا الاسم إلا بعد السبي البابلي الذي حدث حوالي عام 500 قبل الميلاد، بينما موسى كان في حوالي عام 1300 قبل الميلاد. أو ربما يرجع الاسم إلى مدينة السامرة
Samira
التي أسسها الملك عمري
Omri
عام 870 ق.م. كعاصمة للمملكة الشمالية لبني إسرائيل. ولكن موسى كان في حوالي عام 1300 ق.م. ولم تكن مدينة الناصرة موجودة في عهده. فنحن لا نعلم من أين أتى محمد بالسامري هذا الذي أخذ قبضةً من التراب.
ومفسرو القرآن، الذين يقدسون جميع الأنبياء، استنكروا أن يكون هارون هو الذي نصب لهم العجل، فقالوا: ” السامري، واسمه موسى بن ظفر، ينسب إلى قرية تدعى سامرة. ولد عام قتل الأبناء (في مصر ) وأخفته أمه في كهف جبل فغذاه جبريل، فعرفه لذلك. فأخذ (السامري ) حين عبر (جبريل ) البحر على فرس وديق ليتقدم فرعون في البحر – قبضةً من أثر حافر فرسه. وهو معنى قوله { فقبض قبضة من أثر الرسول } (طه 96). قال لبني إسرائيل وكان مطاعاً فيهم: إن معكم حلي من حلي آل فرعون، وكان لهم عيد يتزينون فيه ويستعيرون من القبط الحلي فاستعاروا لذلك اليوم فلما أخرجهم الله من مصر وغرق القبط، بقي ذلك الحلي في أيديهم فقال لهم السامري: إنه حرام عليكم فهاتوا ما عندكم فنحرقه. وقيل هذه الحلي ما أخذه بنو إسرائيل من قوم فرعون بعد الغرق وأن هارون قال لهم إن الحلي غنيمة وهي لا تحل لكم، فجمعها في حفرة حفرها، فأخذها السامري فصاغ لهم عجلاً جسدا، يسمعون منه خوار. وقيل قلبه الله لحماً ودماً. وقيل إنه لما ألقى تلك القبضة من التراب في النار على الحلي صار عجلاً له خوار، فقال الله لموسى: إنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري. فقال موسى: يا رب! هذا السامري أخرج لهم عجلاً من حليهم، فمن جعل له جسداً ؟ يريد اللحم و الدم، ومن جعل له خوار ؟ فقال الله: أنا. فقال موسى: وعزتك وجلالك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء، وهو معنى قوله { إن هي إلا فتنتك } ( الأعراف 155).”. فهل من المقبول عقلاً أن يفعل الله كل ما فعل من المعجزات ليخرج بني إسرائيل من مصر وينزل لهم التوراة ليهديهم، ثم يضلهم بينما كان موسى في طريقه إليه؟ ثم من أين أتى السامري بالتكنولوجيا التي مكّنته من صنع عجلٍ من الذهب مجوفاً حتى تدخل الريح في تجويفه فتجعل له ما يشبه الخوار؟ اللهم إلا أن يكون الله فعلاً أراد أن يضل بني إسرائيل فأحيا العجل وجعله يخور. ثم أنه لم يكن في مصر زمن الفراعنة قرية اسمها ” سامرة ” لينتمي إليها السامري. وإذا كان هذا السامري قد ولد عام قتل الأولاد اليهود، فلا بد أنه كان يهودياً لأن أمه خبأته في كهف جبل. وإذا كان كذلك فما هي أهميته حتى يغذيه جبريل؟ هل أراد الله له أن يُضل بني إسرائيل ولذلك أرسل جبريل ليغذيه؟ والقرآن يقول لنا في سورة الأعراف (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلاً) ثم يرجع ويقول لنا في سورة طه (قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حُمّلنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها) فإذاً الذهب لم يكن ذهبهم كما قال في الآية الأولى وإنما كان ذهب المصريات الذي استلفه بنو إسرائيل كما تقول التوراة.
محمد كان حريصاً أن يخفي مصادره التي أخذ منها قصصه، ولذلك كان يغيّر ويبدل في القصة ليجعلها مختلفة عن قصة التوراة. فمثلاً عندما دعت زوجة العزيز يوسف إلى نفسها وأمسكت بثوبه، تقول التوراة إن الثوب انخلع وبقي في يد المرأة عندما هرب موسى: ” 12 فَأَمْسَكَتْهُ بِثَوْبِهِ قَائِلَةً: اضْطَجِعْ مَعِي. فَتَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 13 وَكَانَ لَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ فِي يَدِهَا وَهَرَبَ إِلَى خَارِجٍ 14 أَنَّهَا نَادَتْ أَهْلَ بَيْتِهَا وَقَالَتْ: انْظُرُوا! قَدْ جَاءَ إِلَيْنَا بِرَجُلٍ عِبْرَانِيٍّ لِيُدَاعِبَنَا. دَخَلَ إِلَيَّ لِيَضْطَجِعَ مَعِي فَصَرَخْتُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ. 15 وَكَانَ لَمَّا سَمِعَ أَنِّي رَفَعْتُ صَوْتِي وَصَرَخْتُ أَنَّهُ تَرَكَ ثَوْبَهُ بِجَانِبِي وَهَرَبَ وَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ. 16 فَوَضَعَتْ ثَوْبَهُ بِجَانِبِهَا حَتَّى جَاءَ سَيِّدُهُ إِلَى بَيْتِهِ ” . وهذا القول أكثر واقعية إذا ما نظرنا إلى صور المصريين في زمن يوسف وحتى في زمن موسى، عندما كانوا يلفون على أوساطهم مئزراً ويتركون الصدر مكشوفاً. ومن السهل إذا أمسك شخص بطرف المئزر وتحرك صاحب المئزر مبتعداً، أن ينحل المئزر فيسقط. ولكن القرآن يقول: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون. ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين. واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلا أن يسجن أو عذاب أليم. قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين) ( سورة يوسف) فحتى لو افترضنا أن يوسف كان يلبس ملابس مخيطة كالتي نلبسها نحن في العصر الحالي، فكيف يمكن أن يُقد قميصه من قُبل إذا كان قد همّ بها. هل يمكن أن يحدث هذا؟ بالطبع لا يمكن، ولكن لأن محمداً كان مهتماً بإخفاء مصادر القصة، كان لا بد له من أن يغيّر بعض التفاصيل التي استقاها من الإنجيل، أو حتى من مصادر الفُرق الأبوكروفية (الهرطقة)، فأتى بما لا يمكن أن يحدث في الواقع، واعتمد على السجع حتى لا ينتبه السامع إلى تفاصيل ما يسمع.

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in دراسات علمية, فلسفية, تاريخية, ربيع سوريا. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.