منابع الإسلام – الفصل الثالث – 3

ميثولوجيا الطوفان:
قبل حوالي اثني عشر عاماً انتهى العصر الجليدي الأخير حيث كان معظم سطح الأرض مغطًى بالجليد. وعندما ذاب الجليد ارتفع سطح البحر عدة أمتار وأغرق أجزاء كثيرة من الأرض، وهلك عدد كبير من الناس، بينما التجأ الباقون إلى الكهوف والجبال. وأي شخص يزور شمال غرب المملكة العربية السعودية سوف يرى الصدف مغروزاً في الجبال على ارتفاع أربعة أو خمسة أمتار، مما يثبت أن ماء البحر كان بهذا المستوى. وبالتأكيد فإن منطقة الشرق الأوسط كانت قد تأثرت بهذا الطوفان الذي انزرع في ذاكرة من تبقى من شعوب تلك المنطقة. ومع مرور الزمن كان الآباء يقصون على أبنائهم ما حدث. وأصبحت قصة الطوفان جزءاً من الذاكرة الجمعية عند تلك الشعوب، ودخلت القصة في الميثولوجيا، خاصة الميثولوجيا السومرية والبابلية، والمصرية وجميع شعوب العالم لها قصص عن الطوفان.
في القرن التاسع عشر، ترجم عالم الآشوريات جورج سميث السجل البابلي عن الفيضان العظيم. وظهر من الاكتشافات عدة نسخ من أسطورة الفيضان في بلاد ما بين النهرين، وأقرب سجل لما ذكر في سفر التكوين موجود في نسخة بابل من ملحمة جلجامش في عام 700 قبل الميلاد. في هذا العمل، يلتقي البطل جلجامش مع الرجل الخالد أوتنابيشتيم، ويصف هذا الأخير كيف أن الإله “إيا” أمره ببناء سفينة ضخمة تحسبًا لفيضان من صنع الإله سيدمر العالم. أنقذت السفينة أوتنابيشتيم وعائلته وأصدقاءه والحيوانات. في الأساطير الهندوسية، تحتوي نصوص مثل ساتاباثا براهمانا وبورانا على قصص الطوفان العظيم، حيث يقوم أفاتار فيشنو بتحذير الرجل الأول، مانو، من الفيضان الوشيك، وينصحه أيضًا ببناء قارب عملاق. في حوار طيماوس بقلم أفلاطون، يقول طيماوس إن كبير الآلهة زيوس غضب بسبب حروب البشر الدائمة، فقرر أن يعاقب البشرية بالفيضان. عرف التيتان Titan بروميثيوس بهذا الأمر وأفشى بالسر إلى ديوكاليون، ونصحه ببناء فلك لينقذه. بدأت المياه في الانحسار بعد تسعة أيام وليالي، وحطت السفينة في جبل بارناسوس (38)


أخذ اليهود في بابل هذه الأسطورة وأضافوها إلى كتابهم المقدس: (13 فقال الله لنوح: نهاية كل البشر قد أتت أمامي لأن الأرض امتلأت ظلماً منهم. فها أنا مهلكهم مع الأرض. 14 اصنع لنفسك فُلكاً من خشبٍ جفرٍ. تجعل الفُلك مساكن، وتطليه من داخل ومن خارج بالقار. 15 وهكذا تصنعه: ثلاث مئة ذراع يكون طول الفُلك، وخمسين ذراعاً عرضه وثلاثين ذراعاً ارتفاعه. 16 وتضع كوّاً وتكمله إلى ذراع من فوق. وتضع باب الفلك في جانبه. مساكن سفلية ومتوسطة وعلوية ؤلتجعله. 17 فها أنا آتٍ بطوفان الماء على الأرض لأهلك كل جسدٍ فيه روح حياةٍ من تحت السماء. كل ما في الأرض يموت. 18 ولكن أقيم عهدي معك، فتدخل الفلك أنت وبنوك وامرأتك ونساء بنيك معك. 19 ومن كل حٍيّ من كل ذي جسد اثنين، اثنين من كلٍ تدخل إلى الفُلك لاستبقائها معك. تكون ذكراً وأنثى. 20 من الطيور كأجناسها، ومن البهائم كأجناسها، ومن كل دبابات الأرض كأجناسها. اثنين من كلٍ تدخل إليك لاستبقائها. 21 وأنت فخذ لنفسك من كل طعام يؤكل واجمعه عندك، فيكون لك ولها طعاماً. 22 ففعل نوح حسب كل ما أمره به الله. هكذا فعل….
وقال الرب لنوح ادخل أنت وجميع بنيك إلى الفُلك، لأني أياك رأيت باراً لديّ في هذا الجيل. من جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة، ذكراً وانثى. ومن البهائم التي ليست بطاهرة اثنين: ذكراً وانثى. ومن طيور السماء أيضاً سبعةً سبعة: ذكراً وأنثى. لاستبقاء نسل على وجه الأرض لأني بعد سبعة أيام أيضاً أمطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة. (39)
محمد كان ملماً بقصة الطوفان لأن كل شعوب المنطقة كانوا على علمٍ بها، ولكنه لم يكن يعرف التفاصيل الكاملة. فأدخل القصة في القرآن وجعلها وحياً إلهياً: (وأُوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك ألا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون [36]. واصنع الفُلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون [37] ويصنع الفُلك وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون [38] فسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم [39] حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك كل من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل [40] وقال اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها إنّ ربي غفور رحيم [41] وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوحٌ ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين [42] قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين [43] وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقُضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين [44]).
واضح أن التفاصيل كانت غائبة عن محمد، فهو لم يذكر لنا كم عدد الذين ركبوا المركب، كما فعل كاتب العهد القديم، الذي أخبرنا أن نوحاُ وزوجته وأولاده الثلاثة وزوجاتهم قد استقلوا المركب. بينما يقول لنا القرآن لم يومن مع نوح إلا القليل من الناس، مع أنه عاش بينهم ألف عام إلا خمسين يدعوهم إلى دينه الجديد. وركب هذا العدد القليل مع نوح، وهذا العدد القليل قد يكون مئتين أو ثلاثمائة، بينما يخبرنا العهد القديم أن ثمانية أشخاصٍ فقط كانوا قد ركبوا المركب.

أسطورة سرجون الأكادي:
ويعرف كذلك باسم شاروكين. (2334 – 2279 ق.م) تقول الأسطورة التي وضعت في وقت لاحق أنّ ولادته جرت سراً وأنّه وضُع في سلّة مدهونة بالقار على نهر الفرات وانتشله متولّي جنائن الإله أنكي ملك كيش الذي انتشله من بين القصب وربّاه كابن له. فلم يعرف أباه. ولمّا شبّ استخدمه أنكي كبستاني. وقد كان وسيماً فأحبته الإلهة عشتار. وأسس فيما بعد مملكة أكاد.

وبما أن بني إسرائيل كانوا ببابل، فقد عرفوا هذه الأسطورة ونقلوها إلى كتابهم المقدس، فقالوا:
(1 ذهب رجلٌ من بيت لاوي وأخذ بنت لاوي. 2 فحبلت المرأة وولدت ابناً، ولما رأته أنه حسن، خبأته ثلاثة أشهر. 3 ولما لم يمكنها أن تخبئه بعد، أخذت له سفطاً من البردى وطلته بالحُمر والزفت ووضعت الولد فيه، ووضعته بين الحلفاء على حافة النهر 4 ووقفت أخته من بعيد لتعرف ماذا يُفعل به 5 فنزلت ابنة فرعون إلى النهر لتغتسل، وكانت جواريها ماشيات على جانب النهر، فرأت السفط بين الحلفاء، فأرسلت أمتها وأخذته. 6 ولما فتحته رأت الولد، وإذا هو صبي يبكي. فرقت له وقالت: “هذا من أولاد العبرانيين”. 7 فقالت أخته لابنة فرعون: هل أذهب وأدعوا لك امرأة مرضعة من العبرانيات لترضع لك الولد؟” 8 فقالت لها ابنة فرعون: “اذهبي”. فذهبت الفتاة ودعت أم الولد. 9 فقالت لها ابنة فرعون: “اذهبي بهذا الولد وارضعيه لي وأنا أعطي أجرك” فأخذت المرأة الولد وأرضعته. 10 ولما كبر الولد جاءت به إلى ابنة فرعون فصار لها ابناً ودعت اسمه موسى). (40)
أما محمد كالعادة كانت تنقصه التفاصيل في الأسطورة التي كان قد سمعها من ورقة بن نوفل أو من اليهود بمكة، فقال لنا في سورة طه:
(إذ أوحينا إلى أمك ما يُوحى [38] أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبةً مني ولتُصنع على عيني [39] إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعّناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن [40]) (سورة طه). الذي يقرأ القرأن لا يفهم من هذه الآيات من الذي التقط الطفل هل هي بنت الفرعون، كما يقول العهد القديم، أم هي زوجة الفرعون، أم أحد الخدم. كل ما نعرفه أن الذي التقطه هو عدو الله وعدو موسى. ولكن المشكلة أن أعداء الله أكثر مما يمكن أن يُحصى. كل المسيحيين، واليهود، البوذيين والصابئة، والمشركين، وحتى من المسلمين هناك أعداء لله. فكل من يختلف معنا في الرأي هو عدو الله.
ونسبةً لأن محمداً في أول عهده بالمدينة كان واثقاً من أن اليهود سوف يتبعونه ويجعلونه أحد أنبياء بني إسرائيل، أتى بأكثر من ثلث القرآن عن بني إسرائيل، وذكر موسى 136 مرة في قرآنه. ولكن للأسف كل قصصه عن موسى تختلف تفاصيلها عن تفاصيل العهد القديم (كتاب اليهود المقدس). فنجده مثلاً يقول (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين) (القصص 38).
وهناك نقطتان مهمتان هنا. الأولى هي أن الفرعون الذي جاء خروج بني إسرائيل في عهده هو في الغالب أخناتون من الأسرة الثامن عشرة. وهو الفرعون الوحيد الذي فرض التوحيد على قومه، فمن غير المعقول أن يقول لهم “لا أرى لكم إلهاً غيري”. ثم لأن محمداً قد اختلط باليهود وسمع قصصهم التوراتية إما منهم أو من ورقة بن نوفل، فقد سمع أنه بعد الطوفان عندما كثر أحفاد نوح واستقروا في بابل، قرروا أن يبنوا صرحاُ عظيماً ليصعدوا إلى السماء، واسم هذا الصرح هو برج بابل The Tower of Babel، فغضب عليهم الإله وقرر أن يخلط ألسنتهم بحيث لا يفهم بعضهم بعضاً ليتآمروا مرة أخرى ويبنوا برجاً يصعدون به إلى السماء. فإُعجب محمد بالقصة وقرر إدخالها في قرآنه فجعل فرعون يطلب من هامان أن يبني له صرحاً ليصعد إلى السماء. فمن غير المعقول أن يقول له “أوقد لي على الطين” ليبني صرحاً من الطوب بينما كان الفراعنة في ذلك الوقت يبنون الأهرامات من الصخر.
وثانياً فإن هامان لا علاقة له بالفراعنة فهو كان في الإمبراطورية الفارسية وقد كان يحرّض الإمبراطور على اليهود، فقضت عليه الملكة أستير زوجة الإمبراطور الفارسي. فاليهود كانوا على علم بهامان وذكروه في سٍفر أستير. يقول العهد القديم (1 بعد هذه الأمور عظّم الملك أحشويروش هامان بن همداثا الأجاجي ورقّاه. وجعل كرسيه فوق جميع الرؤوساء الذين معه. 2 فكان كل عبيد الملك الذين بباب الملك يجثون ويسجدون لهامان، لأنه هكذا أوصى به الملك. 3 وأما مردخاي فلم يجثُ ولم يسجد. فقال عبيد الملك الذين بباب الملك لمردخاي: “لماذا تتعدى أمر الملك؟” 4 وإذ كانوا يكلمونه يوماُ فيوماً ولم يكن يسمع لهم، أخبروا هامان ليروا هل يقوّم كلام مردخاي، لأنه أخبرهم بأنه يهودي. 5 ولما رأى هامان أن مردخاي لا يجثو ولا يسجد له، امتلأ هامان غضباً. 6- وازدرى في عينيه أن يمد يده إلى مردخاي وحده، لأنهم أخبروه عن شعب مردخاي. فطلب هامان أن يُهلك جميع اليهود الذين في كل مملكة أحشويروش، شعب مردخاي) (41)
من الواضح أن محمداً قد سها هنا وجعل هامان من أصحاب فرعون مصر. ولم تكن هذه الحالة الفريدة التي سها فيها أو تشابه عليه البقر، كما يقول القرآن. فها هو في سورة مريم يخلط بين مريم بنت عمران، أم عيسى، وبين مريم أخت موسى وهارون، فيقول في سورة مريم (يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوءٍ وما كانت أمك بغياً (مريم، 28). وعرب ما قبل الإسلام كانوا يعرفون قصة مريم بنت عمران لأن عدة قبائل عربية كانت قد اعتنقت المسيحية. وقد حاول المفسرون المسلمون الالتفاف على هذه الهفوة فأتوا بعدة تفاسير للآية. يقول الطبري في تفسير الآية ( حدثنا الـحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، فـي قوله: يا أُخْتَ هارُونَ قال: كان رجلاً صالـحا فـي بنـي إسرائيـل يسمى هارون، فشبّهوها به، فقالوا: يا شبـيهة هارون فـي الصلاح.
17854ـ حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أبُوكِ امْرأَ سَوْءٍ وَما كانَتِ أُمّكِ بَغِيّا قال: كانت من أهل بـيت يُعرفون بـالصلاح, ولا يُعرفون بـالفساد ومن الناس من يُعرفون بـالصلاح ويتوالدون به، وآخرون يُعرفون بـالفساد ويتوالدون به، وكان هارون مصلـحا مـحببـا فـي عشيرته، ولـيس بهارون أخي موسى، ولكنه هارون آخر. قال: وذُكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفـا، كلهم يسمون هارون من بنـي إسرائيـل.
17855ـ حدثنـي يعقوب، قال: حدثنا ابن علـية، عن سعيد بن أبـي صدقة، عن مـحمد بن سيرين, قال: نبئت أن كعبـا قال: إن قوله: يا أُخْتَ هارُونَ لـيس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ الـمؤمنـين، إن كان النبـيّ صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلـم وأخبر، وإلا فإنـي أجد بـينهما ستّ مئة سنة، قال: فسكتت.)
ويبدو أن أقرب الناس إلى رسول الإسلام، زوجته عائشة، كنت تشك في تأويل محمد وأصحابه لهذه الهفوة التي تدحض أن القرآن وحيٌ من إله في السماء. فهل يُعقل أن يشيّع جنازة هارون الصالح أربعون ألفاً كلهم اسمه هارون؟
المراجع:
https://ar.wikipedia.org (38) /حكاية_الطوفان
(39) سفر التكوين، الإصحاح 5
(40) سفر الخروج، الإصحاح 2
(41) سفر أستير، الإصحاح 3

About كامل النجار

طبيب عربي يعملل استشاري جراحة بإنكلترا. من هواة البحث في الأديان ومقارنتها بعضها البعض وعرضها على العقل لمعرفة مدى فائدتها أو ضررها على البشرية كان في صباه من جماعة الإخوان المسلمين حتى نهاية المرحلة الجامعية ثم هاجر إلى إنكلترا وعاشر "أهل الكتاب" وزالت الغشاوة عن عينيه وتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود من حقيقة الميثالوجيا الدينية الهدف الوحيد من كتاباتي هو تبيان الحقيقة لغيري من مغسولي الدماغ الذين ما زالوا في المرحلة التي مررت بها وتخطيتها عندما كنت شاباً يافعاً
This entry was posted in فكر حر. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.